المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
الصفحة 4493 · ص. المطبوع 342 · الشرح
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ : ( إحْدَاهَا ) إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : هُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إنْ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَلَا جَزَاءَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ عَمْدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إلَّا مُجَاهِدًا فَقَالَ : إنْ تَعَمَّدَهُ ذَاكِرًا فَلَا جَزَاءَ وَإِنْ نَسِيَ وَأَخْطَأَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ 342 قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ مُجَاهِدًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ أَقُولُ قَالَ : وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَاحْتَجَّ مُجَاهِدٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } قَالَ : وَالْمُرَادُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } فَعَلَّقَ الِانْتِقَامَ بِالْعَوْدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ عَامِدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَأَثِمَ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } فَأَوْجَبَ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَامِدِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدِ الْقَتْلِ ذَاكِرًا لِلْإِحْرَامِ وَعَامِدِ الْقَتْلِ نَاسِيَ الْإِحْرَامِ فَكَانَتْ الْآيَةُ مُتَنَاوِلَةً عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَغَلَّظُ بِحَسَبِ الْإِثْمِ فَإِذَا وَجَبَتْ فِي الْخَطَأِ فَالْعَمْدُ أَوْلَى ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْآيَةِ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ عَادَ } أَيْ عَادَ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ : لِأَنَّ مَا قَبْلَ نُزُولِهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلِأَنَّا نَحْمِلُ الْآيَةَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَنُوجِبُ الْجَزَاءَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامِدَ يَضْمَنُ دُونَ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ } فَعَلَّقَهُ بِالْعَمْدِ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَهُوَ حَدِيثٌ سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ فِي الْإِحْرَامِ فَوَجَبَ فِي الْعَمْدِ دُونَ النِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ } فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعُمُومِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَبِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ " أَنَّ رَجُلًا جَاءَ 343 إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي فَرَسَيْنِ لَنَا نَسْتَبِقُ إلَى ثُغْرَةٍ فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ : تَعَالَ حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِعَنْزٍ " وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ وَالرَّجُلُ الَّذِي دَعَاهُ عُمَرُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَهَذَا الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَقَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَى قَتْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ فِي قَتْلِهِ عَمْدًا وَخَطَأً ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْآيَةِ أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا التَّعَمُّدَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا وَلَمَّا ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ خَطَأً فَقَالَ - تَعَالَى - { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى وُجُوبِهَا بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْخَطَأِ فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى حُكْمٍ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأُخْرَى ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ حَمْلُهُ هُنَا عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْغَرَامَاتِ وَيَسْتَوِي فِيهَا الْعَامِدُ وَالنَّاسِي وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِيهَا فِي الْإِثْمِ ( وَالْجَوَابُ ) عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ أَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ فَافْتَرَقَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ إتْلَافٌ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ فِي الْغَرَامَةِ كَإِتْلَافِ مَالِ الْآدَمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث