المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4676 · ص. المطبوع 4 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَيَاهُ أَيْضًا بِلَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَيْضًا ( وَأَمَّا ) حَدِيثُهُ الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ ، وَلَفْظُهُمَا : عَنْ نَافِعٍ قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طَوًى ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ ، وَيُحَدِّثَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ( وَأَمَّا ) طَوًى فَبِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْفَتْحُ أَجْوَدُ . وَمِمَّنْ حَكَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَجَمَاعَاتٌ قَالُوا : وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ . وَاقْتَصَرَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ عَلَى ضَمِّهِ ، وَاقْتَصَرَ آخَرُونَ 4 عَلَى الْفَتْحِ ، وَهُوَ مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ مَقْصُورٌ لَا يَجُوزُ مَدُّهُ . قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَوَقَعَ فِي لُبَابِ الْمُسْتَمْلِي ذُو الطِّوَاءِ مَمْدُودٌ ، وَهُوَ وَادٍ بِبَابِ مَكَّةَ .
( وَأَمَّا ) الثَّنِيَّةُ فَهِيَ الطَّرِيقُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ( وَأَمَّا ) كَدَاءٍ الْعُلْيَا فَبِفَتْحِ الْكَافِ وَبِالْمَدِّ مَصْرُوفٌ ( وَأَمَّا ) السُّفْلَى فَيُقَالُ لَهَا ثَنِيَّةُ كُدًى - بِالضَّمِّ - مَقْصُورٌ .
وَأَمَّا مَكَّةُ فَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ قَالُوا : كَثْرَةُ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْمُسَمَّى ; لِهَذَا كَثُرَتْ أَسْمَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفُ اسْمٍ ، وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفُ اسْمٍ وَقَدْ أَشَرْت إلَى هَذَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي : أَوَّلًا تَرْجَمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا حَضَرَنِي مِنْ أَسْمَاءِ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ اسْمًا : أَحَدُهَا مَكَّةُ ، وَالثَّانِي : بَكَّةُ ، وَالثَّالِثُ : أُمُّ الْقُرَى ، وَالرَّابِعُ : الْبَلَدُ الْأَمِينُ ، وَالْخَامِسُ : رُحْمٌ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - لِأَنَّ النَّاسَ يَتَرَاحَمُونَ فِيهَا وَيَتَوَادَعُونَ . السَّادِسُ : صَلَاحِ بِكَسْرِ الْحَاءِ - مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ كَقَطَاعِ وَنَظَائِرِهَا ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَمْنِهَا . السَّابِعُ : الْبَاسَّةُ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ - لِأَنَّهَا تَبُسُّ مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا أَيْ تُحَطِّمُهُ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَبُسَّتْ الْجِبَالُ } الثَّامِنُ : النَّاسَّةُ بِالنُّونِ . التَّاسِعُ : النَّسَّاسَةُ ( قِيلَ ) لِأَنَّهَا تَنُسُّ الْمُلْحِدَ ، أَيْ تَطْرُدُهُ ، وَقِيلَ لِقِلَّةِ مَائِهَا ، وَالنَّسُّ الْيُبْسُ . الْعَاشِرُ : الْحَاطِمَةُ ، لِحَطْمِهَا الْمُلْحِدِينَ فِيهَا . الْحَادِيَ عَشَرَ : الرَّأْسُ كَرَأْسِ الْإِنْسَانِ . الثَّانِي عَشَرَ : كُوثَى - بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْح الْمُثَلَّثَةِ - بِاسْمِ مَوْضِعٍ بِهَا . الثَّالِثَ عَشَرَ : الْعَرْشُ الرَّابِعَ عَشَرَ : الْقَادِسُ . الْخَامِسَ عَشَرَ : الْمُقَدَّسَةُ مِنْ التَّقْدِيسِ . السَّادِسَ عَشَرَ : الْبَلْدَةُ .
وَأَمَّا مَكَّةُ وَبَكَّةُ فَقِيلَ : هُمَا اسْمَانِ لِلْبَلْدَةِ ، وَقِيلَ : مَكَّةُ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، وَمَكَّةُ الْمَسْجِدُ خَاصَّةً ، وَهِيَ مَحْكِيٌّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَقِيلَ : مَكَّةُ اسْمٌ لِلْبَلَدِ ، وَبَكَّةُ اسْمُ الْبَيْتِ ، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِ . 5 وَقِيلَ : مَكَّةُ الْبَلَدُ وَبَكَّةُ الْبَيْتُ وَمَوْضِعُ الطَّوَافِ ، سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِازْدِحَامِ النَّاسِ فِيهَا ، يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، أَيْ يَدْفَعُهُ فِي زَحْمَةِ الطَّوَافِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ أَيْ تَدُقُّهَا ، وَالْبَكُّ الدَّقُّ . وَسُمِّيَتْ مَكَّةَ لِقِلَّةِ مَائِهَا مِنْ قَوْلِهِمْ : امْتَكَّ الْفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ إذَا امْتَصَّهُ . وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تَمُكُّ الذُّنُوبَ أَيْ تَذْهَبُ بِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا مَدِينَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهَا أَسْمَاءٌ : الْمَدِينَةُ وَطَيْبَةُ وَطَابَةُ وَالدَّارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ } وَ { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَتْ طَابَةَ وَطَيِّبَةَ مِنْ الطَّيِّبِ وَهُوَ الطَّاهِرُ لِخُلُوصِهَا مِنْ الشِّرْكِ وَطَهَارَتِهَا . وَقِيلَ : مِنْ طِيبِ الْعَيْشِ . وَقِيلَ مِنْ الطِّيبِ وَهُوَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ . وَسُمِّيَتْ الدَّارُ لِأَمْنِهَا وَلِلِاسْتِقْرَارِ بِهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ الْمُحْرِمِ مَكَّةَ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَغْسَالِ الْحَجِّ فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِحْرَامِ ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَنَّهُ إنْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ تَيَمَّمَ . وَذَكَرْنَا فِيهِ فُرُوعًا كَثِيرَةً . وَيُسْتَحَبُّ هَذَا الْغُسْلُ بِذِي طَوًى إنْ كَانَتْ فِي طَرِيقِهِ وَإِلَّا اغْتَسَلَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهَا ، كَنَحْوِ مَسَافَتِهَا وَيَنْوِي بِهِ غُسْلَ دُخُولِ مَكَّةَ ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مُحْرِمٍ حَتَّى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالصَّبِيِّ ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ . وَلَوْ خَرَجَ إنْسَانٌ مِنْ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ وَاغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ ، فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنْ 6 مَكَّةَ ، كَالْجِعْرَانَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَغْتَسِلَ أَيْضًا لِدُخُولِ مَكَّةَ ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ كَالتَّنْعِيمِ أَوْ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَمْ يَغْتَسِلْ لِدُخُولِ مَكَّةَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْغُسْلِ النَّظَافَةُ وَإِزَالَةُ الْوَسَخِ عِنْدَ دُخُولِهِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِغُسْلِهِ السَّابِقِ . وَهَذَا الْغُسْلُ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ دَاخِلٍ مُحْرِمٍ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ ، فَأَوْهَمَ اخْتِصَاصَهُ بِهِ ( وَالصَّوَابُ ) حَذْفُ لَفْظَةِ الْحَجِّ كَمَا حَذَفَهَا فِي التَّنْبِيهِ وَالْأَصْحَابُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث