المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4723 · ص. المطبوع 52 · الشرح
( الشَّرْحُ ) جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الَّتِي فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ سَبَقَ بَيَانُهَا وَاضِحَةً فِي الْقِطْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، إلَّا مَسْأَلَةَ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ ، وَسَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَبْسُوطَةً مَعَ مَسْأَلَةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، وَسَبَقَ بَيَانُ حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ جَمِيعًا ، وَلَفْظُهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ . قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ } . وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَغَرِيبٌ ، لَكِنْ يُغْنِي عَنْهُ أَجْوَدُ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ " { ۝ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلَانِ 52 لَمْ يَتَكَلَّمْ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مَرَّاتٍ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ " الرُّكْنُ الْيَمَانِي " هُوَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ ، وَكَذَا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَانِ - بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ - قَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَجُوزُ تَشْدِيدُهَا لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ إلَى الْيَمَنِ ، فَجُعِلَتْ الْأَلِفُ عِوَضًا مِنْ إحْدَى يَاءَيْ النَّسَبِ ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ وَالْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَشْدِيدَهَا فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ ، وَتَكُونُ الْأَلِفُ زَائِدَةً ، كَمَا زِيدَتْ الْأَلِفُ وَالنُّونُ فِي رَقَبَانِي مَنْسُوبٌ إلَى الرَّقَبَةِ وَنَظَائِرُهُ . قَوْلُهُ " وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ بُنِيَ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ " احْتِرَازٌ مِنْ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " يُسْتَحَبُّ إذَا اسْتَلَمَ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ " فَكَلَامٌ نَاقِصٌ ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَسْتَلِمَ وَيُقَبِّلَ ، فَإِذَا قَبَّلَهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَبِّلَ الْيَدَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّقْبِيلُ اسْتَلَمَ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ، لَكِنْ عِبَارَتُهُ نَاقِصَةٌ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا سَبَقَتْ وَاضِحَةً إلَّا مَسْأَلَتَيْ الدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ ، وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ( فَأَمَّا ) الدُّعَاءُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، وَهُمَا الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِي ، فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَ الِاسْتِحْبَابُ ، وَأَفْضَلُهُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ; لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ ; وَلِحَدِيثِ أَنَسٍ { ۝ أَنَّ هَذَا كَانَ أَكْثَرَ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَأَمَّا الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ : الدُّنُوُّ مُسْتَحَبٌّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْبَيْتَ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ ، فَالدُّنُوُّ مِنْهُ أَفْضَلُ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ أَيْسَرُ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ وَتَقْبِيلِ الْحَجَرِ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ الْبَيْتِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الْبُعْدِ . فَكَذَا فِي الطَّوَافِ .
53 قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يَتَأَذَّى بِالزَّحْمَةِ ، فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى بِالْقُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَالْبُعْدُ إلَى حَيْثُ يَزُولُ التَّأَذِّي وَالْأَذَى أَوْلَى ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ . وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : أُحِبُّ الِاسْتِلَامَ مَا لَمْ يُؤْذِ غَيْرَهُ بِالزِّحَامِ ، أَوْ يُؤْذِهِ غَيْرُهُ ، إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فَاسْتُحِبَّ لَهُ الِاسْتِلَامُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الزِّحَامِ أَوْ فِي آخِرِ الطَّوَافِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْقُرْبُ مُسْتَحَبٌّ ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى كَثْرَةِ الْخُطَى فِي الْبُعْدِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إكْرَامُ الْبَيْتِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الْقُرْبِ هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَدْنُوَ فِي حَالِ طَوَافِ الرِّجَالِ ، بَلْ تَكُونُ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ بِحَيْثُ لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَطُوفَ فِي اللَّيْلِ فَإِنَّهُ أَصُونُ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْفِتْنَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَطَافُ خَالِيًا مِنْ الرِّجَالِ اُسْتُحِبَّ لَهَا الْقُرْبُ كَالرَّجُلِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَى الرَّجُلِ الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ مَعَ الرَّمَلِ لِلزَّحْمَةِ ، فَإِنْ رَجَا فُرْجَةً اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْتَظِرَهَا لِيَرْمُلَ ، إنْ لَمْ يُؤْذِ بِوُقُوفِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ لَمْ يَرْجُهَا فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّمَلِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقُرْبِ بِلَا رَمَلٍ . هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، قَالُوا : لِأَنَّ الرَّمَلَ شِعَارٌ مُسْتَقِلٌّ ، وَلِأَنَّ الرَّمَلَ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ ، وَالْقُرْبُ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْضُوعِ الْعِبَادَةِ . قَالُوا : وَالْمُتَعَلِّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى بِالْمُحَافَظَةِ . قَالُوا : وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُرْبُ مِنْ الْكَعْبَةِ بِلَا خِلَافٍ . وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّبَاعُدُ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ طَافَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَصِحَّ . قَالَ أَصْحَابُنَا : شَرْطُ الطَّوَافِ وُقُوعُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَلَا بَأْسَ بِالْحَائِلِ فِيهِ بَيْنَ الطَّائِفِ وَالْبَيْتِ كَالسِّقَايَةِ وَالسَّوَارِي وَغَيْرِهَا . 54 قَالُوا : وَيَجُوزُ الطَّوَافُ فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ وَأَرْوِقَتِهِ وَعِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مِنْ دَاخِلِهِ . قَالُوا : وَيَجُوزُ عَلَى سُطُوحِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْبَيْتُ أَرْفَعَ بِنَاءً مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا هُوَ الْيَوْمُ .
قَالَ الرَّافِعِيُّ : فَإِنْ جُعِلَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْكَعْبَةِ فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّوَافُ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ : لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ : لَوْ انْهَدَمَتْ الْكَعْبَةُ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - لَمْ يَصِحَّ الطَّوَافِ حَوْلَ عَرْصَتِهَا ، وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّهُ لَوْ طَافَ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ صَحَّ ، وَإِنْ ارْتَفَعَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ قَالَ : كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَعَ ارْتِفَاعِهِ عَلَى الْكَعْبَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَسُعَ الْمَسْجِدُ اتَّسَعَ الْمَطَافُ وَصَحَّ الطَّوَافُ فِي جَمِيعِهِ وَهُوَ الْيَوْمَ أَوْسَعُ مِمَّا كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ زِيدَتْ فِيهِ ، فَأَوَّلُ مَنْ زَادَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى دُورًا فَزَادَهَا فِيهِ ، وَاِتَّخَذَ لِلْمَسْجِدِ جِدَارًا قَصِيرًا دُونَ الْقَامَةِ ، وَكَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ لَهُ الْجِدَارَ ، ثُمَّ وَسَّعَهُ عُثْمَانُ وَاِتَّخَذَ لَهُ الْأَرْوِقَةَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا ، ثُمَّ وَسَّعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ ، ثُمَّ وَسَّعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، ثُمَّ الْمَنْصُورُ ، ثُمَّ الْمَهْدِيُّ ، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ إلَى وَقْتِنَا هَذَا ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا مَعَ نَفَائِسَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْكَعْبَةِ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث