المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4880 · ص. المطبوع 187 · الشرح
وَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ وَبِرَأْسِهِ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ بِسَبَبِهَا التَّعَرُّضُ لِلشَّعْرِ لَزِمَهُ الصَّبْرُ إلَى الْإِمْكَانِ . وَلَا يَفْتَدِي وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَلْقُ بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ مَنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِهِ بَعْدَ نَبَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا سَبَقَ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ : وَالْفَرْقُ أَنَّ النُّسُكَ هُوَ حَلْقُ شَعْرٍ يَشْتَمِلُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا كُلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ أَصْلًا . فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ أَوْ شَعْرَتَانِ أَوْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَلْزَمُهُ إزَالَتُهَا بِلَا خِلَافٍ . صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ { ۝ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ زَغَبٌ يَسِيرٌ لَزِمَهُ أَنْ يُزِيلَ مِنْهُ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ . صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةُ ) اتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ هُنَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشَعْرِ الرَّأْسِ . فَلَا يَحْصُلُ بِشَعْرِ اللِّحْيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ شُعُورِ الْبَدَنِ . وَلَا بِشَعْرِ الْعِذَارِ وَفِي الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي مَوْضِعِ التَّحْذِيفِ وَشَعْرِ 187 الصُّدْغِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ . هَلْ مِنْ الْوَجْهِ أَوْ مِنْ الرَّأْسِ ؟ ( إنْ قُلْنَا ) مِنْ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ حَلْقُهُ وَإِلَّا فَلَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَإِذَا قَصَّرَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ جَازَ تَقْصِيرُهُ مِمَّا يُحَاذِي الرَّأْسَ . وَمِمَّا نَزَلَ عَنْهُ ، وَمِمَّا اسْتَرْسَلَ عَنْهُ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ .
وَحَكَى الدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْمُسْتَرْسِلُ كَمَا لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْمُسْتَرْسِلِ عَنْ حَدِّهِ . قَالُوا : وَهَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمَسْحِ مَسْحُ الرَّأْسِ وَهَذَا خَارِجٌ عَنْهُ فَلَا يُجْزِئُ وَالْوَاجِبُ فِي الْحَلْقِ حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرُهُ ، وَهَذَا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ .
( الرَّابِعَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : الْمُرَادُ بِالْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إزَالَةُ الشَّعْرِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ النَّتْفُ وَالْإِحْرَاقُ وَالْأَخْذُ بِالنُّورَةِ أَوْ بِالْمِقَصِّ وَالْقَطْعُ بِالْأَسْنَانِ وَغَيْرِهَا . وَيَحْصُلُ الْحَلْقُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ بِلَا خِلَافٍ . وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ .
( الْخَامِسَةُ ) الْأَفْضَلُ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ الْجَمِيعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً . فَلَوْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ أَجْزَأَهُ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَوْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي دَفَعَاتٍ فَهُوَ مَقِيسٌ بِحَلْقِهَا الْمَحْظُورِ فَإِنْ كَمَّلْنَا الْفِدْيَةَ مَعَ التَّفْرِيقِ حَكَمْنَا بِكَمَالِ النُّسُكِ وَإِلَّا فَلَا . قَالَ : وَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ عَادَ وَأَخَذَ مِنْهَا ثُمَّ عَادَ ثَالِثَةً وَأَخَذَ مِنْهَا . فَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ مُتَوَاصِلًا لَمْ يُكْمِلْ الْفِدْيَةَ وَلَمْ يَحْصُلْ النُّسُكُ ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ فَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ خِلَافٌ . هَذَا كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاخْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَوْ أَخَذَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي دَفَعَاتٍ أَوْ أَخَذَ مِنْ شَعْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ . فَإِنْ كَمَّلْنَا الْفِدْيَةَ بِهِ لَوْ كَانَ مَحْظُورًا حَصَلَ النُّسُكُ ، وَإِلَّا فَلَا .
188 السَّادِسَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِحَلْقِ شِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ . وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْمَحْلُوقُ الْقِبْلَةَ . وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ وَيَبْلُغَ بِالْحَلْقِ إلَى الْعَظْمَاتِ اللَّذَيْنِ عِنْدَ مُنْتَهَى الصُّدْغَيْنِ وَهَذِهِ الْآدَابُ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْمُحْرِمِ . بَلْ كُلُّ حَالِقٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ هَذَا ، وَدَلِيلُ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابٍ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : فِي الْحَلْقِ أَرْبَعُ سُنَنٍ : أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَأَنْ يُكَبِّرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ ، وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ . قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَبْلُغُ بِالْحَلْقِ إلَى الْعَظْمَاتِ لِأَنَّهُمَا مُنْتَهَى نَبَاتِ شَعْرِ الرَّأْسِ ، لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ رَأْسِهِ ، هَذَا كَلَامُهُ وَهُوَ حَسَنٌ إلَّا التَّكْبِيرَ عِنْدَ فَرَاغِهِ فَإِنَّهُ غَرِيبٌ . وَقَدْ اسْتَحَبَّ التَّكْبِيرَ أَيْضًا لِلْمَحْلُوقِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ أَصْحَابِنَا .
( السَّابِعَةُ ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِالْحَلْقِ بَلْ وَظِيفَتُهَا التَّقْصِيرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهَا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالدَّارِمِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ : يُكْرَهُ لَهَا الْحَلْقُ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِمَا : لَا يَجُوزُ لَهَا الْحَلْقُ وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِضَعْفِهِ لَكِنْ يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّابِقِ مَرَّاتٍ فِي نَهْيِ النِّسَاءِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصِّرَ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِ رَأْسِهَا ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَا تَقْطَعُ مِنْ ذَوَائِبِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَشِينُهَا ، لَكِنْ تَرْفَعُ الذَّوَائِبَ وَتَأْخُذُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحْتَهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : 189 فَلَوْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَتَكُونُ مُسِيئَةً ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ فِي كِتَابِ الْخَنَاثَى وَظِيفَةُ الْخُنْثَى التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ ، قَالَ : وَالتَّقْصِيرُ أَفْضَلُ كَالْمَرْأَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث