المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4889 · ص. المطبوع 193 · الشرح
( فَرْعٌ ) مَنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ لَا حَلْقَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ ، وَيُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ وَلَا يَجِبُ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ . وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ : لَا يُسْتَحَبُّ 193 إمْرَارُهُ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هَذَا الْإِمْرَارُ وَاجِبٌ ، وَوَافَقَنَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ . وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ الْمُحْرِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ } قَالُوا وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ ، فَإِذَا فُقِدَ الشَّعْرُ انْتَقَلَ الْوُجُوبُ إلَى نَفْسِ الرَّأْسِ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَوَجَبَ التَّشْبِيهُ فِي أَفْعَالِهَا ، كَالصَّوْمِ فِيمَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ فِي أَثْنَاءِ يَوْمِ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِجُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ فَسَقَطَ بِفَوَاتِ الْجُزْءِ ، كَغَسْلِ الْيَدِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِقَطْعِهَا . فَإِنْ قِيلَ الْفَرْضُ هُنَاكَ مُتَعَلِّقٌ بِالْيَدِ ، وَقَدْ سَقَطَتْ ، وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِالرَّأْسِ وَهُوَ بَاقٍ ( قُلْنَا ) بَلْ الْفَرْضُ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّعْرِ فَقَطْ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ عَلَى بَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ دُونَ بَعْضٍ لَزِمَهُ الْحَلْقُ فِي الشَّعْرِ وَلَا يَكْفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ تَعَلَّقَ الْفَرْضُ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَهُ .
وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ ظَاهِرُ الضَّعْفِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ : لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مَرْوِيٌّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ ( قُلْتُ ) وَهُوَ مَوْقُوفٌ ضَعِيفٌ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَلَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى النَّدْبِ ، وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْفَرْضَ هُنَاكَ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } وَهُنَا تَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بِشَعْرِ الرَّأْسِ سُمِّيَ مَاسِحًا فَلَزِمَهُ ، وَإِذَا أَمَرَّ الْمُوسَى لَا يُسَمَّى حَالِقًا .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّوْمِ فَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِمْسَاكِ جَمِيعِ النَّهَارِ فَبَقِيَّتُهُ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ ، وَهُنَا إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهُ . وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث