المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 5012 · ص. المطبوع 299 · الشرح
( الشَّرْحُ ) فِي الْفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) قَدْ سَبَقَ قَرِيبًا أَنَّ الْحَصْرَ 299 نَوْعَانِ ، عَامٌّ وَخَاصٌّ ، وَسَبَقَ بَيَانُ النَّوْعَيْنِ ( الثَّانِيَةُ ) فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ هَذَا مَبْسُوطَةً فِي فَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ . فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { ۝ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَإِنِّي شَاكِيَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { ۝ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَاشْتَرِطِي أَنْ تَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي ، قَالَ : فَأَدْرَكَتْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا { ۝ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ فَأَشْتَرِطَ ، قَالَ : نَعَمْ ، قَالَتْ فَكَيْفَ أَقُولُ ؟ قَالَ قُولِي : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَأَنَسٍ . 300 وَعَنْ سُوَيْد بْن غَفَلَةَ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ - قَالَ " قَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : يَا أَبَا أُمَيَّةَ حُجَّ وَاشْتَرِطْ ، فَإِنَّ لَك مَا اشْتَرَطْت وَلِلَّهِ عَلَيْك مَا اشْتَرَطْت " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ " حُجَّ وَاشْتَرِطْ ، وَقُلْ : اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت ، وَلَك عَمَدْت ، فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةِ " هَلْ تَسْتَثْنِي إذَا حَجَجْت ، فَقَالَ : مَاذَا أَقُولُ ؟ قَالَتْ : قُلْ : اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت وَلَهُ عَمَدْت ، فَإِنْ يَسَّرْته فَهُوَ الْحَجُّ ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهُوَ عُمْرَةٌ " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ۝ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَيَقُولُ أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ لَمْ يُنْكِرْهُ ، كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ . ( وَأَمَّا ) قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ " فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ " يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ ( وَالْأَظْهَرُ ) أَنَّهُ أَرَادَ مُطْلَقًا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَرِيبًا ، وَالسُّنَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَوْلِهِ .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ عِكْرِمَةَ قَالَ " سَمِعْت الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { ۝ مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ } ، قَالَ عِكْرِمَةُ : فَسَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : صَدَقَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ 301 وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ حَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ بَعْدَ فَوَاتِهِ بِمَا يَحِلُّ بِهِ مَنْ يَفُوتُهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ مَرَضٍ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مُحْتَمَلٌ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إذَا مَرِضَ الْمُحْرِمُ ، وَلَمْ يَكُنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِلَا خِلَافٍ ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْآثَارِ ، قَالُوا : بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأَ ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ أَتَمَّهَا ، وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ . وَأَمَّا إذَا شَرَطَ فِي إحْرَامِهِ أَنَّهُ إنْ مَرِضَ تَحَلَّلَ ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ ، لِحَدِيثِ ضُبَاعَةَ ، وَنَصَّ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الْجَدِيدِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ ضُبَاعَةَ مُرْسَلًا فَقَالَ " عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِضُبَاعَةَ " الْحَدِيثَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ لَمْ أَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ السَّابِقَةَ فِيهِ هَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ .
( وَأَمَّا ) الْأَصْحَابُ فَلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ ( أَشْهَرُهُمَا ) وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ : يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ ، وَفِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الصِّحَّةُ ( وَالثَّانِي ) الْمَنْعُ .
( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ : يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ قَوْلًا وَاحِدًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ فِي نَصِّهِ الَّذِي حَكَيْته الْآنَ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ ( لَوْ صَحَّ حَدِيثُ عُرْوَةَ لَمْ أَعْدُهُ ) فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ الِاشْتِرَاطِ لِلْأَحَادِيثِ . 302 وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ حَيْثُ حَبَسْتنِي بِالْمَوْتِ ، مَعْنَاهُ حَيْثُ أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاةُ أَقْطَعُ إحْرَامِي ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَعَجَبٌ مِنْ جَلَالَةِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَيْفَ قَالَ هَذَا ؟ وَكَيْفَ حُكْمُهُ عَلَى أَمْرِهَا بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَوْتِ قَاطِعَ الْإِحْرَامِ ؟ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَضَلَالِ الطَّرِيقِ ، وَفَرَاغِ النَّفَقَةِ وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ حُكْمُ اشْتِرَاطِ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ . فَيَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ هَكَذَا قَطَعَ بِهِ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَجُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ . وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَالَ : قَالُوا : بِأَنَّ كُلَّ مُهِمٍّ يَحِلُّ مَحَلَّ الْمَرَضِ الثَّقِيلِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَرَضِ قَالَ : وَكَانَ شَيْخِي يَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرْطَ لَاغٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ عَلَى الْقَوْلِ إلَّا بِالْمَرَضِ لِلْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ فَتَحَلَّلَ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ ، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ ( أَحَدُهُمَا ) يَلْزَمُهُ كَالْمُحْصَرِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْبَغَوِيُّ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا يَلْزَمُهُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَصَحَّحُوهُ ، وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَالْبَغَوِيِّ جَزْمُهُمَا بِوُجُودِ الشَّرْطِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ النُّسُكِ .
( وَأَمَّا ) الْمُحْصَرُ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْعَالَ الَّتِي كَانَ يَقْتَضِيهَا إحْرَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ . وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ شَرْطِ الْمَرَضِ . فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ خِلَافٍ ضَعِيفٍ 303 فِيهِ . وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْته عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَوْ قَالَ : إنْ مَرِضْت وَفَاتَنِي الْحَجُّ كَانَ عُمْرَةً ، كَانَ عَلَى مَا شَرَطَ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِذَا وَجَدَ الْمَرَضَ هَلْ يَصِيرُ حَلَالًا بِمُجَرَّدِ وُجُودِهِ ؟ أَمْ يُشْتَرَطُ إنْشَاؤُهُ كَالْمُحْصَرِ ؟ يَنْظُرُ إنْ قَالَ : إنْ مَرِضْت تَحَلَّلْت مِنْ إحْرَامِي فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إذَا وَجَدَ الْمَرَضَ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ وَيَحْلِقَ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَيَذْبَحَ إنْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ . قَالُوا : وَكَذَا لَوْ قَالَ : مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ حَبَسْتنِي ، لَا يَتَحَلَّلُ عِنْدَ الْحَبْسِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَلَوْ قَالَ : إنْ مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي مَرَضٌ فَأَنَا حَلَالٌ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمُصَنِّفُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ ( أَصَحُّهُمَا ) يَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ، وَنَقَلُوهُ عَنْ الْمُصَنِّفِ وَصَحَّحُوهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ } وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ : لَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ إلَّا عَلَى هَذَا ، وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْبَيْهَقِيُّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا بُدَّ مِنْ التَّحَلُّلِ . قَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْأَصْحَابُ : فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّمُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّمُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ ( الْأَصَحُّ ) لَا يَلْزَمُهُ فَيَلْزَمُهُ النِّيَّةُ فَقَطْ ، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَغَلِطَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ الْقَائِلُ بِوُجُوبِ الدَّمِ . قَالَ الْبَغَوِيّ : وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا . وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
304 أَمَّا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا عُذْرٍ بِأَنْ قَالَ فِي إحْرَامِهِ مَتَى شِئْت خَرَجْت مِنْهُ ، أَوْ إنْ نَدِمْت أَوْ كَسِلْت وَنَحْوَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَخَلَائِقُ . وَنَقَلَ الرُّويَانِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث