المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 5151 · ص. المطبوع 420 · الشرح
( السَّادِسَةُ ) يَجُوزُ التَّكَنِّي وَيَجُوزُ التَّكْنِيَةُ . وَيُسْتَحَبُّ تَكْنِيَةُ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كُنِّيَ ، بِوَلَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ كُنِّيَ ، الرَّجُلُ بِأَبِي فُلَانٍ أَوْ أَبِي فُلَانَةَ . وَسَوَاءٌ كُنِّيَتْ ، الْمَرْأَةُ بِأُمِّ فُلَانٍ أَوْ أُمِّ فُلَانَةَ . وَيَجُوزُ التَّكْنِيَةُ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ الْآدَمِيِّينَ ، كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الْمَكَارِمِ وَأَبِي الْفَضَائِلِ وَأَبِي الْمَحَاسِنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَيَجُوزُ تَكْنِيَةُ الصَّغِيرِ . وَإِذَا كُنِّيَ مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ كُنِّيَ بِأَكْبَرِهِمْ . وَلَا بَأْسَ بِمُخَاطَبَةِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ بِكُنْيَتِهِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ بِغَيْرِهَا أَوْ خِيفَ مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ مَفْسَدَةٌ . وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الِاسْمِ . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمَا ذَكَرْتُهُ . فَأَمَّا أَصْلُ الْكُنْيَةِ فَهُوَ أَشْهَرُ ، مِنْ أَنْ تُذْكَرَ فِيهِ أَحَادِيثُ الْآحَادِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَانَ يَقُولُ لِأَخٍ لِأَنَسٍ صَغِيرٍ : { ۝ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ صَوَاحِبَاتِي لَهُنَّ كُنًى . قَالَ : فَاكْتَنِي بِابْنِك عَبْدِ اللَّهِ } قَالَ الرَّاوِي : يَعْنِي بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ . وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُكْنَى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ . فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ . وَإِنَّمَا كُنِّيَتْ بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسْمَاءَ وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ أَنَّهَا { ۝ كُنِيَتْ بِسِقْطٍ أَسْقَطَتْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . وَأَمَّا تَكْنِيَةُ الْكَافِرِ فَمِنْ دَلَائِلِهَا قَوْله تَعَالَى { تَبَّتْ ، يَدَا أَبِي لَهَبٍ } 420 وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى قِيلَ : إنَّمَا ذَكَرَ ، تَكْنِيَتَهُ ; لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِهَا . وَقِيلَ : كَرَاهَةً ، لِاسْمِهِ حَيْثُ هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى مَا قَالَ أَبُو حَبَّابٍ ، يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ الْمُنَافِقَ } وَفِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ } وَكَانَ أَبُو رِغَالٍ كَافِرًا ، فَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي تَكْنِيَةِ الْكَافِرِ ، وَإِلَّا فَلَا يُزَادُ عَلَى الِاسْمِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى مَلِكِ الرُّومِ : { ۝ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ } .
( فَرْعٌ ) ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ جَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي } وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { ۝ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِك وَلَدٌ أُسَمِّيهِ بِاسْمِك أَوْ أُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِك ؟ قَالَ : نَعَمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّكْنِيَةِ بِأَبِي الْقَاسِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ ( أَحَدُهَا ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُكْنَى بِأَبِي الْقَاسِمِ ، سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَمْ غَيْرَهُ ، لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَمِمَّنْ نَقَلَ هَذَا النَّصَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَئِمَّةُ الْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ الْمُحَدِّثُونَ الْفُقَهَاءُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ مِنْ سُنَنِهِ ، رَوَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ فِي كِتَابِهِ التَّهْذِيبِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ ، عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ " تَارِيخُ دِمَشْقَ " وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى التَّرَخُّصِ لَهُ وَتَخْصِيصِهِ ، مِنْ الْعُمُومِ وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ ( وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي ) مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلِغَيْرِهِ ، وَيُجْعَلُ النَّهْيُ خَاصًّا بِحَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَالثَّالِثُ ) لَا يَجُوزُ 421 لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّالِثُ أَصَحَّ ، ; لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَزَالُوا يَكْتَنُونَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الثَّالِثُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا إطْبَاقُ النَّاسِ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ أَنَّ فِي الْمُتَكَنِّينَ بِهِ وَالْكَانِينَ ، الْأَئِمَّةَ ، الْأَعْلَامَ وَأَهْلَ ، الْحَلِّ ، وَالْعَقْدِ وَاَلَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَيَكُونُونَ فَهِمُوا مِنْ النَّهْيِ الِاخْتِصَاصَ بِحَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ سَبَبِ النَّهْيِ فِي تَكَنِّي الْيَهُودِ بِأَبِي الْقَاسِمِ ، وَمُنَادَاتِهِمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ لِلْإِيذَاءِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ زَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) الْأَدَبُ أَنْ لَا يَذْكُرَ الْإِنْسَانُ كُنْيَتَهُ فِي كِتَابِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنْ لَا يُعْرَفَ بِغَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ أَشْهَرَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ وَاسْمُهَا فَاخِتَةُ ، وَقِيلَ : فَاطِمَةُ ، وَقِيلَ : هِنْدٌ ، قَالَتْ { ۝ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْت : أَنَا أُمُّ هَانِئٍ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَاسْمُهُ جُنْدُبٌ قَالَ : { ۝ جَعَلْت أَمْشِي خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّ الْقَمَرِ ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْت : أَبُو ذَرٍّ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ { ۝ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْت أَبُو قَتَادَةَ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { ۝ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ } وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَا بَأْسَ بِالتَّكَنِّي بِأَبِي عِيسَى ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ { ۝ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، تَكَنَّى بِأَبِي عِيسَى ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَا يَكْفِيك أَنْ تُكَنَّى بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ تَكَنَّى بِأَبِي عِيسَى ، دَلِيلُنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّهْيِ حَتَّى يَثْبُتَ ، وَلَا يُتَخَيَّلُ ، مِنْ هَذَا كَوْنُ عِيسَى ابْنِ ، مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَبَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمُكَنَّى لَيْسَ أَبًا حَقِيقَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث