المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 5200 · ص. المطبوع 456 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ { ۝ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَبَقَ بَيَانُ طُرُقِهِ وَشَرْحِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَرِيبٌ ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ۝ نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ ؟ 456 قَالُوا : لَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ جَابِرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ فَغَرِيبٌ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي صَحِيحِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ فِي بَابِ ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَيُسْتَدَلُّ مَعَهُ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَدِّي ابْنِ الْحَمْرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ وَقَفَ فِي مَكَّةَ وَأَشَارَ إلَيْهَا وَقَالَ : وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَا يُعَارِضُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ( أَشْهَرُهُمَا ) وَأَفْصَحُهُمَا هَدْيٌ - بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَبِهَذِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ ( وَالثَّانِيَةُ ) هَدِيٌّ - بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - سُمِّيَ هَدِيًّا ; لِأَنَّهُ يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ ، فَعَلَى الْأُولَى هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ وَمَجْرُوحٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ ( وَقَوْلُهُ ) : وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ ، أَيْ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَإِلَّا فَالْإِمْلَاءُ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ ( وَأَمَّا ) الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فَسَبَقَ بَيَانُ لُغَاتِهَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ( قَوْلُهُ ) : ; لِأَنَّهُ فَرْضٌ لَهُ بَدَلٌ ، احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ . وَذَكَرَ 457 فِي الْجَدِيدِ الصَّنَمَ وَالْوَثَنَ ، فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ : الصَّنَمُ مَا كَانَ مُصَوَّرًا مِنْ حَجَرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَالْوَثَنُ مَا كَانَ غَيْرَ مُصَوَّرٍ ، وَقِيلَ : الْوَثَنُ مَا كَانَ لَهُ جُثَّةٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُصَوَّرًا أَوْ غَيْرَ مُصَوَّرٍ ، وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( قَوْلُهُ ) رِتَاجُ الْكَعْبَةِ هُوَ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِالْجِيمِ وَأَصْلُهُ الْبَابُ ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا وَيُقَالُ فِيهِ الرَّتَجُ أَيْضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) إذَا نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَبِيدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ مَا سَمَّاهُ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَلَا إبْدَالُهُ ، فَإِنْ كَانَ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَهُ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ وَاحْتَاجَ إلَى مُؤْنَةٍ لِنَقْلِهِ لَزِمَهُ تِلْكَ الْمُؤْنَةُ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ الْمَنْذُورِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ كَالدَّارِ وَالشَّجَرِ وَالْأَرْضِ وَحَجَرِ الرَّحَى وَنَحْوِهَا ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ وَنَقْلُ ثَمَنِهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ : وَيَتَوَلَّى النَّاذِرُ الْبَيْعَ وَالنَّقْلَ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ إذْنُ الْحَاكِمِ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ بِالنَّذْرِ مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْعَبْدِ وَالْبَدَنَةِ وَالشَّاةِ وَجَبَ حَمْلُهُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الْمُعَيَّنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ مَوْضِعًا مُعَيَّنًا لَزِمَهُ صَرْفُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ ، وَسَوَاءٌ الْمُقِيمُونَ فِيهِ وَالْوَارِدُونَ إلَيْهِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ لَا يَتَعَيَّنُونَ بَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ بَدَنَةً أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِهَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّ فِي ذَبْحِهَا قُرْبَةً .
458 قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَجِبُ الذَّبْحُ فِي الْحَرَمِ ، فَإِنْ ذَبَحَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ مَشْهُورٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ ، بِشَرْطِ أَنْ يُنْقَلَ اللَّحْمُ إلَى الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي آخِرِ بَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَمَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ كَالظَّبْيَةِ وَالْحِمَارِ وَالطَّائِرِ وَالثَّوْبِ ، وَجَبَ حَمْلُهُ إلَى الْحَرَمِ ، وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ نَقْلِهِ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَ بَعْضُهُ لِنَقْلِ الْبَاقِي ، هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَأَسْتَحْسِنُ مَا حُكِيَ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ : إنْ قَالَ : أُهْدِي هَذَا فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : جَعَلْته هَدْيًا فَالْمُؤْنَةُ فِيهِ يُبَاعُ بَعْضُهُ ، قَالَ : وَلَكِنْ مُقْتَضَى جَعْلِهِ هَدْيًا أَنْ يُوصَلَ كُلُّهُ إلَى الْحَرَمِ فَيَلْتَزِمَ مُؤْنَتَهُ كَمَا لَوْ قَالَ : أُهْدِي . ثُمَّ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لَكِنْ لَوْ نَوَى صَرْفَهُ إلَى تَطْيِيبِ الْكَعْبَةِ أَوْ جَعَلَ الثَّوْبَ سِتْرًا لَهَا أَوْ قُرْبَةً أُخْرَى هُنَاكَ صَرَفَهُ إلَى مَا نَوَى ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا نَوَى ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَضْعَفُ مِنْهُ أَنَّ الثَّوْبَ الصَّالِحَ لِلسِّتْرِ يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ الْمُعَيَّنَ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَتَفْرِقَةُ ثَمَنِهِ ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِعَيْنِهِ وَيُنْزِلُ تَعْيِينَهُ مَنْزِلَةَ تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةِ وَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ ، فَيَتَصَدَّقُ بِالظَّبْيَةِ وَالطَّائِرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا حَيًّا ، وَلَا يَذْبَحُهُ إذْ لَا قُرْبَةَ فِي ذَبْحِهِ ، فَلَوْ ذَبَحَهُ فَنَقَصَتْ الْقِيمَةُ تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ وَغَرِمَ مَا نَقَصَ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا ضَعِيفًا أَنَّهُ يُذْبَحُ وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ ذِكْرَ الْحَيَوَانِ وَقُلْنَا : لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُهْدِيَ مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا إذَا نَذَرَ إهْدَاءَ بَعِيرٍ مَعِيبٍ فَهَلْ يَذْبَحُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) نَعَمْ نَظَرًا إلَى جِنْسِهِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّضْحِيَةِ كَالظَّبْيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث