المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5564 · ص. المطبوع 349 · الشرح
قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ إذَا جَهِلَ جِنْسَهَا أَوْ نَوْعَهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } وَفِي بَيْعِ مَا لَا يُعْرَفُ جِنْسُهُ أَوْ نَوْعُهُ غَرَرٌ كَبِيرٌ ، فَإِنْ عُلِمَ الْجِنْسُ وَالنَّوْعُ بِأَنْ قَالَ : بِعْتُكَ الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ الَّذِي فِي كُمِّي ، أَوْ الْعَبْدَ الزَّنْجِيَّ الَّذِي فِي دَارِي ، أَوْ الْفَرَسَ الْأَدْهَمَ الَّذِي فِي إصْطَبْلِي فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالصَّرْفِ : يَصِحُّ وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ " أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْتَاعَ مِنْ طَلْحَةَ أَرْضًا بِالْمَدِينَةِ نَاقَلَهُ بِأَرْضٍ لَهُ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ عُثْمَانُ : بِعْتُكَ مَا لَمْ أَرَهُ ، فَقَالَ طَلْحَةُ : إنَّمَا النَّظَرُ لِي لِأَنِّي ابْتَعْتُ مُغَيَّبًا وَأَنْتَ قَدْ رَأَيْتَ مَا ابْتَعْتَ فَتَحَاكَمَا إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فَقَضَى عَلَى عُثْمَانَ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ ، وَأَنَّ النَّظَرَ لِطَلْحَةَ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ مُغَيَّبًا . وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ فَجَازَ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهِ كَالنِّكَاحِ ( وَقَالَ ) فِي الْجَدِيدِ : لَا يَصِحُّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } وَفِي هَذَا الْبَيْعِ غَرَرٌ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ كَالسَّلَمِ ( فَإِذَا قُلْنَا ) بِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ فَهَلْ تَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ إلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَتَّى تُذْكَرَ جَمِيعُ الصِّفَاتِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَصِحُّ ، حَتَّى تُذْكَرَ 349 الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ الصِّفَاتِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الصَّرْفِ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الرُّؤْيَةِ ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا رَآهُ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ فَإِنْ وَصَفَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ عَلَى خِلَافِ مَا وَصَفَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى مَا وَصَفَ أَوْ أَعْلَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) لَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى مَا وَصَفَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ ، لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِبَيْعِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ الْخِيَارِ .
وَهَلْ يَكُونُ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( قَالَ ) ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : هُوَ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ خِيَارٌ تَعَلَّقَ بِالرُّؤْيَةِ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ وَخِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ( وَقَالَ ) أَبُو إِسْحَاقَ : يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ بِالْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَتِمُّ بِالرُّؤْيَةِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ عُقِدَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ خِيَارٌ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ ( وَأَمَّا ) إذَا رَأَى الْمَبِيعَ قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ جَازَ بَيْعُهُ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ : لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهَا فِي حَالِ الْعَقْدِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَذْهَبُ : الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَعَلَى هَذَا إذَا اشْتَرَاهُ ثُمَّ وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ الْأُولَى أَخَذَهُ ، وَإِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا فَلَهُ الرَّدُّ ; لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ الْعَقْدَ فِيهِ إلَّا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : تَغَيَّرَ . فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّمَنُ فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَبْقَى ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي بَقَائِهِ عَلَى صِفَتِهِ ( وَالثَّانِي ) يَصِحُّ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى صِفَتِهِ فَصَحَّ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَا يَتَغَيَّرُ ) .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث