المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ أَوَّلَ الْبَابِ .
وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، لَكِنْ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ لَهُ فِي صَحِيحِهِ .
( قَوْلُهُ ) : " الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ " بِإِسْكَانِ الرَّاءِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا : مَنْسُوبٌ إلَى مَرْوَ الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورَةِ بِخُرَاسَانَ ، وَالزِّنْجِيُّ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا - 350 وَالْإِصْطَبْلُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ( قَوْلُهُ ) : قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالصَّرْفُ أَيْ فِي بَيَانِ الصَّرْفِ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ كُتُبِ الْأُمِّ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ اسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - ابْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ التَّيْمِيُّ الْمَكِّيُّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ ، كَانَ قَاضِي مَكَّةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُؤَذِّنًا لَهُ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ( وَقَوْلُهُ ) " نَاقَلَهُ بِأَرْضٍ لَهُ بِالْكُوفَةِ " هُوَ - بِالنُّونِ وَالْقَافِ - أَيْ بَادَلَهُ بِهَا ، وَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِلْكَهُ إلَى مَوْضِعِ الْآخَرِ ( وَقَوْلُهُ ) ابْتَعْتُ مُغَيَّبًا هُوَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ - ( وَقَوْلُهُ : ) عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ السَّلَمِ ( وَقَوْلُهُ ) نَوْعُ بَيْعٍ ، احْتِرَازٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَالنِّكَاحِ ( وَقَوْلُهُ : ) خِيَارٌ تَعَلَّقَ بِالرُّؤْيَةِ احْتِرَازٌ مِنْ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ كَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ وَعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ وَهَذَا الْفَصْلُ مَعَ الْفُصُولِ الَّتِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ ، وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَمْ تُرَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( قَالَ ) فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصَّرْفِ مِنْ الْجَدِيدِ : يَصِحُّ ( وَقَالَ ) فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ : لَا يَصِحُّ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصُّلْحِ وَالصَّدَاقِ وَالصَّرْفِ وَالْمُزَارَعَةِ ، وَنَصَّ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الرِّسَالَةِ وَالسِّيَرِ وَالْإِجَارَةِ وَالْغَصْبِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْعُرُوضِ . وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ صِحَّتَهُ ، وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ بُطْلَانَهُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَالرَّبِيعُ ، وَحَكَاهُ عَنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى الْجُمْهُورِ مِنْ الْأَصْحَابِ ، 351 وَعَلَيْهِ يُفَرِّعُونَ فِيمَا عَدَا هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا الْقَوْلُ لِأَنَّهُ الْآخِرُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ : جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ الْغَائِبِ فِي الْقَدِيمِ وَكِتَابِ الصُّلْحِ وَالصَّرْفِ وَغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ ( أَصَحُّهَا ) طَرْدُهُمَا فِيمَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُمَا فِيمَا رَآهُ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ فَبَاطِلٌ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْخِيَارَ ، وَالْخِيَارُ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ تَعَبُّدٌ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ رَآهُ الْمُشْتَرِي صَحَّ قَطْعًا ، سَوَاءٌ رَآهُ الْبَائِعُ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَرَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُحَصِّلٌ ، وَالْبَائِعُ مُعَرِّضٌ ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُحَصِّلِ أَوْلَى ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَشِرَائِهِ فِي إجَارَتِهِ وَكَوْنِهِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ إذَا سَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَفِي الْمُصَالَحَةِ عَلَيْهِ ، وَفِي وَقْفِهِ ( وَأَمَّا ) إذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا غَائِبَةً ، أَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهَا أَوْ عَفَى عَنْ الْقِصَاصِ ، صَحَّ النِّكَاحُ ، وَحَصَلَتْ الْبَيْنُونَةُ فِي الْخُلْعِ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ . وَفِي صِحَّةِ الْمُسَمَّى فِيهَا الْقَوْلَانِ ، فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَهَا فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ . وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَفِي رَهْنِ الْغَائِبِ وَهِبَتِهِ الْقَوْلَانِ ، وَقِيلَ : هُمَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِعَدَمِ الْغَرَرِ ، وَلِهَذَا إذَا صَحَّحْنَاهُمَا فَلَا خِيَارَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ( الثَّانِيَةُ ) إذَا لَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَ الْغَائِبِ وَشِرَاءَهُ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ ( أَحَدُهَا ) اسْتِقْصَاءُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ ، هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ ؟ وَكَذَا سَمَاعُ وَصْفِهِ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ ، فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَقُومُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ ( الثَّانِي ) إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا لَا يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ عَلَى الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْمَرْئِيُّ صِوَانًا لَهُ - بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا - كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَالْقِشْرِ الْأَسْفَلِ 352 مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَقِشْرِ الْبُنْدُقِ وَنَحْوِهِ كَالْخُشْكَنَانِ كَفَى رُؤْيَتُهُ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ لُبِّ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَنَحْوِهِمَا بِانْفِرَادِهِ مَا دَامَ فِي قِشْرِهِ بِلَا خِلَافٍ ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَغْيِيرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ .
( أَمَّا ) إذَا رَأَى الْمَبِيعَ مِنْ وَرَاءِ قَارُورَةٍ هُوَ فِيهَا ، لَمْ يَكْفِ بَلْ هُوَ بَيْعُ غَائِبٍ ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُ ، بِخِلَافِ السَّمَكِ يَرَاهُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي مَعَ سُهُولَةِ أَخْذِهِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا سَبَقَ ، وَكَذَا الْأَرْضُ يَعْلُوهَا مَاءٌ صَافٍ ، لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ صَلَاحِهَا ( وَأَمَّا ) إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكْفِي رُؤْيَةُ الْبَعْضِ عَلَى قَوْلِنَا بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْغَائِبِ ( وَأَمَّا ) التَّفْرِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( الثَّالِثُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : الرُّؤْيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ ، فَفِي شِرَاءِ الدَّارِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْبُيُوتِ وَالسُّقُوفِ وَالسُّطُوحِ وَالْجُدْرَانِ دَاخِلًا وَخَارِجًا ، وَالْمُسْتَحَمِّ وَالْبَالُوعَةِ ، وَفِي الْبُسْتَانِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْجُدْرَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَرْضِ وَمَسَايِلِ الْمَاءِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ أَسَاسِ الْبُنْيَانِ وَالْبُسْتَانِ وَالدَّارِ ، وَلَا عُرُوقِ الْأَشْجَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ طَرِيقِ الدَّارِ وَالْمَاءِ الَّذِي يَدُورُ بِهِ الرَّحَى وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَبْدِ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ وَلَا تَجُوزُ رُؤْيَةُ الْعَوْرَةِ ، وَفِي بَاقِي الْبَدَنِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ فِي كِتَابِ الرَّقْمِ وَفِي الْجَارِيَةِ أَوْجُهٌ ( أَصَحُّهَا ) كَالْعَبْدِ ( وَالثَّانِي ) يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْخِدْمَةِ وَالتَّصَرُّفِ ( وَالثَّالِثُ ) يَكْفِي رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَفِي الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ وَجْهَانِ ( الْأَصَحُّ ) لَا يُشْتَرَطُ ، وَفِي رُؤْيَةِ الشَّعْرِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ . وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّوَابِّ رُؤْيَةُ مُقَدِّمِهَا وَمُؤَخِّرِهَا وَقَوَائِمِهَا وَرَفْعُ السَّرْجِ أَوْ الْإِكَافِ وَالْجُلِّ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَجْرِيَ الْفَرَسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَعْرِفَ سَيْرَهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ 353 وَالرَّافِعِيُّ ( الْأَصَحُّ ) لَا يُشْتَرَطُ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ نَشْرُهُ ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ .
( قَالَ ) إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ النَّشْرُ فِي بَيْعِ الثَّوْبِ الَّتِي لَا تُنْشَرُ أَصْلًا عِنْدَ الْعَقْدِ ، لِمَا فِي نَشْرِهَا مِنْ النَّقْصِ وَالضَّرَرِ . ثُمَّ إذَا نُشِرَتْ الثِّيَابُ فَمَا كَانَ مِنْهَا صَفِيقًا كَالدِّيبَاجِ الْمَنْقُوشِ اُشْتُرِطَ رُؤْيَةُ وَجْهَيْهِ ، وَكَذَا رُؤْيَةُ وَجْهَيْ الْبُسُطِ وَالزَّلَالِيِّ . وَأَمَّا مَا كَانَ رَفِيعًا كَالْكِرْبَاسِ فَيَكْفِي رُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْهِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ( قَالَ ) أَصْحَابُنَا : وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الثِّيَابِ التُّوزِيَّةُ فِي الْمَنْسُوجِ عَلَى هَذَا الْقَوْل ، وَهِيَ التُّوزِيَّةُ - بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ وَاوٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ زَايٍ - وَيُشْتَرَطُ فِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ ، وَرُؤْيَةُ جَمِيعِهَا ، وَفِي الْوَرَقِ الْبَيَاضِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِ الطَّاقَاتِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالرَّافِعِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
( فَرْعٌ ) أَمَّا الْقُفَاعُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ : يُفْتَحُ رَأْسُهُ فَيُنْظَرُ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِيَصِحَّ بَيْعُهُ . وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الْكُوزِ مِنْ مَصَالِحِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَشُقُّ رُؤْيَتُهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ غَرَرٌ يَفُوتُ بِهِ مَقْصُودٌ مُعْتَبَرٌ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ ( أَحَدُهَا ) إذَا لَمْ تُشْتَرَطْ الرُّؤْيَةُ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ ، فَيَقُولُ : بِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِيَّ ، وَفَرَسِي الْعَرَبِيَّ ، أَوْ الْأَدْهَمَ أَوْ ثَوْبِي الْمَرْوِيَّ ، أَوْ الْحِنْطَةَ الْجَبَلِيَّةَ ، أَوْ السَّهْلِيَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَوْ أَخَلَّ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ فَقَالَ : بِعْتُكَ مَا فِي كَفِي 354 أَوْ كُمِّي أَوَخِزَانَتِي أَوْ مِيرَاثِي مِنْ فُلَانٍ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ . وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُمَا لَا يُشْتَرَطَانِ ، فَيَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي الْكُمِّ وَنَحْوِهِ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجِنْسِ دُونَ النَّوْعِ ، فَيَقُولُ : عَبْدِي ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ . وَإِذَا ذَكَرَ الْجِنْسَ وَالنَّوْعَ فَفِي افْتِقَارِهِ مَعَ ذَلِكَ إلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يَفْتَقِرُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصَّرْفِ ( وَالثَّانِي ) : يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ مُعْظَمِ الصِّفَاتِ ، وَضَبَطَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ بِمَا يَصِفُ بِهِ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي ( وَالثَّالِثُ ) : يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ صِفَاتِ السَّلَمِ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ ، وَالثَّالِثُ أَضْعَفُ مِنْ الثَّانِي وَالثَّانِي قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فَعَلَى الْمَنْصُوصِ لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ مِنْ نَوْعٍ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا اُشْتُرِطَ تَمْيِيزُهُ بِسِنٍّ أَوْ غَيْرِهِ - قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ ، فَإِنْ وَصَفَهَا بِجَمِيعِهَا فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ : يَصِحُّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي نَفْيِ الْغَرَرِ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ : لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي السَّلَمِ ، وَالسَّلَمُ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَيَقُولُ بِعْتُكَ دَارًا بِبَغْدَادَ ، وَفِي اشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْبُقْعَةِ مِنْ الْبَلَدِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ يُتَعَجَّلُ إنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ يُؤَجَّلُ إنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْبُقْعَةِ مِنْ الْبَلَدِ ، وَإِذَا ذَكَرَ الْبَلَدَ الَّذِي فِيهِ الْمَبِيعُ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ وَكَانَ الْمَبِيعُ فِي غَيْرِهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِخِلَافِ السَّلَمِ ، لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ . 355 الثَّانِي ) إذَا شَرْطَنَا الْوَصْفَ فَوَصَفَهُ ، فَإِنْ وَجَدَهُ دُونَ مَا وَصَفَ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ وَجَدَهُ كَمَا وَصَفَ فَطَرِيقَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْقَطْعُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمَاعَةٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ( وَأَشْهُرُهُمَا ) أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا هُنَا ( أَصَحُّهُمَا ) ثُبُوتُهُ ( أَمَّا ) إذَا قُلْنَا : لَا يُشْتَرَطُ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ شَرَطَ الْخِيَارَ أَمْ لَا ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَهُ وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ ، وَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَنْفُذَ فَسْخُهُ وَإِجَازَتُهُ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) يَنْفُذَانِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَنْفُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ يَنْفُذُ فَسْخُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ دُونَ إجَازَتِهِ .
هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُشْتَرِي ( وَأَمَّا ) الْبَائِعُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا خِيَارَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ رَأَى الْمَبِيعَ أَمْ لَا ، لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي جَانِبِهِ تَعَبُّدٌ ( وَالثَّانِي ) لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ كَالْمُشْتَرِي ( وَالثَّالِثُ ) لَهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ ، وَحَيْثُ قُلْنَا : يَثْبُتُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ هَلْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) يَمْتَدُّ مَا دَامَ مَجْلِسُ الرُّؤْيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ السِّلْسِلَةِ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ ( أَحَدُهُمَا ) يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَثْبُتُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْفَوْرِ ، لِئَلَّا يَثْبُتَ خِيَارُ مَجْلِسَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ ، قَالَ : وَالْفَرْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ إلَى الْوَارِثِ فَإِلَى مَتَى يَمْتَدُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) عَلَى الْفَوْرِ ( وَالثَّانِي ) مَا دَامَ الْوَارِثُ فِي مَجْلِسِ خَبَرِ الْمَوْتِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً . 356 الثَّالِثُ ) هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَسْتَصْوِبُهُ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إجَازَةٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي خِيَارِ الْخُلْفِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ( وَالثَّانِي ) لَا ، لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْصٍ وَلَا غَرَضٍ ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي الِاخْتِيَارِ .
( الرَّابِعُ ) إذَا لَمْ نَشْتَرِطْ الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي : أَنْتَ رَأَيْتَ الْمَبِيعَ فَلَا خِيَارَ لَكَ ، فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ، فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ ( وَالثَّانِي ) الْبَائِعُ ، فَإِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : فَلَا يَنْفَكُّ هَذَا عَنْ خِلَافٍ ، قُلْتُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي شَرْطٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ ، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ ، الْأَصَحُّ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادِ ، فَيَتَعَيَّنُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَعَلَّ الْغَزَالِيَّ فَرَّعَهَا عَلَى الْأَصَحِّ .
( فَرْعٌ ) لَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ فَسَرَقَ أَحَدَهُمَا فَاشْتَرَى الثَّانِيَ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمَسْرُوقَ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ : إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَصِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ وَاحِدٍ صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ ، وَلَا يُقَالُ : هَذَا بَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُنَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ مَرْئِيًّا حَالَةَ الْعَقْدِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ فَاكْتُفِيَ بِهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَمْرِو بْنَ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَرَضَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي هَذَا الْفَرْعِ فَقَالَ : جَزَمَ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا تَسَاوَتْ صِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا مَعَ إجْرَائِهِ الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ يُوجِبُ إجْرَاءَ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْأَوْصَافِ فِي صُورَةِ التَّسَاوِي كَمَا أَجْرَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مُسَاوَاةَ غَيْرِ الْمَبِيعِ لِلْمَبِيعِ فِي 357 الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ بِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ كَالْأُنْمُوذَجِ الَّذِي لَيْسَ بِمَبِيعٍ ، الْمُسَاوِي فِي الصِّفَةِ لِلْمَبِيعِ وَلَا فَرْقَ ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ التَّسَاوِي فِي الْقِيمَةِ اعْتِبَارٌ لِلْقِيمَةِ مَعَ الْوَصْفِ وَلَا وُجُودَ لِمِثَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو ، وَهَذَانِ الِاعْتِرَاضَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فَاسِدَانِ ( أَمَّا الْأَوَّلُ ) فَلَيْسَ هَذَا كَمَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ الْأُنْمُوذَجِ لَيْسَ مَرْئِيًّا وَلَا سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ ، وَهُنَا سَبَقَتْ رُؤْيَةُ الثَّوْبَيْنِ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : يَجِبُ إجْرَاءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْأُولَى فَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ مُخْتَلِفَانِ ، فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ بِخِلَافِ الْأُولَى ( وَأَمَّا ) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ مَعَ اتِّحَادِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِي نَحْوِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) هَلْ يُشْتَرَطُ الذَّوْقُ فِي الْخَلِّ وَنَحْوِهِ عَلَى قَوْلِنَا بِاشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ ؟ وَكَذَلِكَ الشَّمُّ فِي الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ وَاللُّبْسُ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ ( وَالثَّانِي ) حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُهَا ( وَالثَّانِي ) يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي هَذَا النَّوْعِ اخْتِلَافٌ .
وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، لَكِنْ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ لَهُ فِي صَحِيحِهِ .
( قَوْلُهُ ) : " الثَّوْبَ الْمَرْوِيَّ " بِإِسْكَانِ الرَّاءِ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَجُوزُ فَتْحُهَا : مَنْسُوبٌ إلَى مَرْوَ الْمَدِينَةِ الْمَشْهُورَةِ بِخُرَاسَانَ ، وَالزِّنْجِيُّ - بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِهَا - 350 وَالْإِصْطَبْلُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ( قَوْلُهُ ) : قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَالصَّرْفُ أَيْ فِي بَيَانِ الصَّرْفِ مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ كُتُبِ الْأُمِّ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ اسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ - بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - ابْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ التَّيْمِيُّ الْمَكِّيُّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ ، كَانَ قَاضِي مَكَّةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُؤَذِّنًا لَهُ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ( وَقَوْلُهُ ) " نَاقَلَهُ بِأَرْضٍ لَهُ بِالْكُوفَةِ " هُوَ - بِالنُّونِ وَالْقَافِ - أَيْ بَادَلَهُ بِهَا ، وَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِلْكَهُ إلَى مَوْضِعِ الْآخَرِ ( وَقَوْلُهُ ) ابْتَعْتُ مُغَيَّبًا هُوَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ - ( وَقَوْلُهُ : ) عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ هُوَ احْتِرَازٌ مِنْ السَّلَمِ ( وَقَوْلُهُ ) نَوْعُ بَيْعٍ ، احْتِرَازٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ وَالنِّكَاحِ ( وَقَوْلُهُ : ) خِيَارٌ تَعَلَّقَ بِالرُّؤْيَةِ احْتِرَازٌ مِنْ اخْتِيَارِ الْفَسْخِ كَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الْمَبِيعِ وَعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ وَهَذَا الْفَصْلُ مَعَ الْفُصُولِ الَّتِي بَعْدَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ ، وَفِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَمْ تُرَ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( قَالَ ) فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصَّرْفِ مِنْ الْجَدِيدِ : يَصِحُّ ( وَقَالَ ) فِي الْأُمِّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَعَامَّةِ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ : لَا يَصِحُّ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي : نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصُّلْحِ وَالصَّدَاقِ وَالصَّرْفِ وَالْمُزَارَعَةِ ، وَنَصَّ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الرِّسَالَةِ وَالسِّيَرِ وَالْإِجَارَةِ وَالْغَصْبِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْعُرُوضِ . وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ صِحَّتَهُ ، وَصَحَّحَ الْأَكْثَرُونَ بُطْلَانَهُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ وَالرَّبِيعُ ، وَحَكَاهُ عَنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَعَلَيْهِ فَتْوَى الْجُمْهُورِ مِنْ الْأَصْحَابِ ، 351 وَعَلَيْهِ يُفَرِّعُونَ فِيمَا عَدَا هَذَا الْمَوْضِعَ ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا الْقَوْلُ لِأَنَّهُ الْآخِرُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ : جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ الْغَائِبِ فِي الْقَدِيمِ وَكِتَابِ الصُّلْحِ وَالصَّرْفِ وَغَيْرِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ ( أَصَحُّهَا ) طَرْدُهُمَا فِيمَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُمَا فِيمَا رَآهُ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْبَائِعُ فَبَاطِلٌ قَطْعًا ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْخِيَارَ ، وَالْخِيَارُ فِي جَانِبِ الْبَائِعِ تَعَبُّدٌ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ رَآهُ الْمُشْتَرِي صَحَّ قَطْعًا ، سَوَاءٌ رَآهُ الْبَائِعُ أَمْ لَا فَإِنْ لَمْ يَرَهُ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُحَصِّلٌ ، وَالْبَائِعُ مُعَرِّضٌ ، وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُحَصِّلِ أَوْلَى ، وَهَذَا الطَّرِيقُ هُوَ اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَشِرَائِهِ فِي إجَارَتِهِ وَكَوْنِهِ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ إذَا سَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَفِي الْمُصَالَحَةِ عَلَيْهِ ، وَفِي وَقْفِهِ ( وَأَمَّا ) إذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا غَائِبَةً ، أَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهَا أَوْ عَفَى عَنْ الْقِصَاصِ ، صَحَّ النِّكَاحُ ، وَحَصَلَتْ الْبَيْنُونَةُ فِي الْخُلْعِ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ . وَفِي صِحَّةِ الْمُسَمَّى فِيهَا الْقَوْلَانِ ، فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ لَهَا فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ . وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَفِي رَهْنِ الْغَائِبِ وَهِبَتِهِ الْقَوْلَانِ ، وَقِيلَ : هُمَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِعَدَمِ الْغَرَرِ ، وَلِهَذَا إذَا صَحَّحْنَاهُمَا فَلَا خِيَارَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ( الثَّانِيَةُ ) إذَا لَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَ الْغَائِبِ وَشِرَاءَهُ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ ( أَحَدُهَا ) اسْتِقْصَاءُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ ، هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ ؟ وَكَذَا سَمَاعُ وَصْفِهِ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ ، فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا يَقُومُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ ( الثَّانِي ) إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا لَا يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ عَلَى الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْمَرْئِيُّ صِوَانًا لَهُ - بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا - كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ وَالْقِشْرِ الْأَسْفَلِ 352 مِنْ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَقِشْرِ الْبُنْدُقِ وَنَحْوِهِ كَالْخُشْكَنَانِ كَفَى رُؤْيَتُهُ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ لُبِّ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَنَحْوِهِمَا بِانْفِرَادِهِ مَا دَامَ فِي قِشْرِهِ بِلَا خِلَافٍ ، لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِتَغْيِيرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ .
( أَمَّا ) إذَا رَأَى الْمَبِيعَ مِنْ وَرَاءِ قَارُورَةٍ هُوَ فِيهَا ، لَمْ يَكْفِ بَلْ هُوَ بَيْعُ غَائِبٍ ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُ ، بِخِلَافِ السَّمَكِ يَرَاهُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي مَعَ سُهُولَةِ أَخْذِهِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا سَبَقَ ، وَكَذَا الْأَرْضُ يَعْلُوهَا مَاءٌ صَافٍ ، لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ صَلَاحِهَا ( وَأَمَّا ) إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَكْفِي رُؤْيَةُ الْبَعْضِ عَلَى قَوْلِنَا بِبُطْلَانِ بَيْعِ الْغَائِبِ ( وَأَمَّا ) التَّفْرِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( الثَّالِثُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : الرُّؤْيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ ، فَفِي شِرَاءِ الدَّارِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْبُيُوتِ وَالسُّقُوفِ وَالسُّطُوحِ وَالْجُدْرَانِ دَاخِلًا وَخَارِجًا ، وَالْمُسْتَحَمِّ وَالْبَالُوعَةِ ، وَفِي الْبُسْتَانِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْجُدْرَانِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَرْضِ وَمَسَايِلِ الْمَاءِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ أَسَاسِ الْبُنْيَانِ وَالْبُسْتَانِ وَالدَّارِ ، وَلَا عُرُوقِ الْأَشْجَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ طَرِيقِ الدَّارِ وَالْمَاءِ الَّذِي يَدُورُ بِهِ الرَّحَى وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَبْدِ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْأَطْرَافِ وَلَا تَجُوزُ رُؤْيَةُ الْعَوْرَةِ ، وَفِي بَاقِي الْبَدَنِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ فِي كِتَابِ الرَّقْمِ وَفِي الْجَارِيَةِ أَوْجُهٌ ( أَصَحُّهَا ) كَالْعَبْدِ ( وَالثَّانِي ) يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْخِدْمَةِ وَالتَّصَرُّفِ ( وَالثَّالِثُ ) يَكْفِي رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَفِي الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ وَجْهَانِ ( الْأَصَحُّ ) لَا يُشْتَرَطُ ، وَفِي رُؤْيَةِ الشَّعْرِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) الِاشْتِرَاطُ . وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّوَابِّ رُؤْيَةُ مُقَدِّمِهَا وَمُؤَخِّرِهَا وَقَوَائِمِهَا وَرَفْعُ السَّرْجِ أَوْ الْإِكَافِ وَالْجُلِّ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَجْرِيَ الْفَرَسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَعْرِفَ سَيْرَهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ 353 وَالرَّافِعِيُّ ( الْأَصَحُّ ) لَا يُشْتَرَطُ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ نَشْرُهُ ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَقَطَعُوا بِهِ .
( قَالَ ) إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ النَّشْرُ فِي بَيْعِ الثَّوْبِ الَّتِي لَا تُنْشَرُ أَصْلًا عِنْدَ الْعَقْدِ ، لِمَا فِي نَشْرِهَا مِنْ النَّقْصِ وَالضَّرَرِ . ثُمَّ إذَا نُشِرَتْ الثِّيَابُ فَمَا كَانَ مِنْهَا صَفِيقًا كَالدِّيبَاجِ الْمَنْقُوشِ اُشْتُرِطَ رُؤْيَةُ وَجْهَيْهِ ، وَكَذَا رُؤْيَةُ وَجْهَيْ الْبُسُطِ وَالزَّلَالِيِّ . وَأَمَّا مَا كَانَ رَفِيعًا كَالْكِرْبَاسِ فَيَكْفِي رُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْهِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ( قَالَ ) أَصْحَابُنَا : وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الثِّيَابِ التُّوزِيَّةُ فِي الْمَنْسُوجِ عَلَى هَذَا الْقَوْل ، وَهِيَ التُّوزِيَّةُ - بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ وَاوٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ زَايٍ - وَيُشْتَرَطُ فِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا تَقْلِيبُ الْأَوْرَاقِ ، وَرُؤْيَةُ جَمِيعِهَا ، وَفِي الْوَرَقِ الْبَيَاضِ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِ الطَّاقَاتِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالرَّافِعِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ .
( فَرْعٌ ) أَمَّا الْقُفَاعُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ : يُفْتَحُ رَأْسُهُ فَيُنْظَرُ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ لِيَصِحَّ بَيْعُهُ . وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ رُؤْيَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الْكُوزِ مِنْ مَصَالِحِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَشُقُّ رُؤْيَتُهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ يُتَسَامَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ غَرَرٌ يَفُوتُ بِهِ مَقْصُودٌ مُعْتَبَرٌ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) إذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ ( أَحَدُهَا ) إذَا لَمْ تُشْتَرَطْ الرُّؤْيَةُ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ ، فَيَقُولُ : بِعْتُكَ عَبْدِي التُّرْكِيَّ ، وَفَرَسِي الْعَرَبِيَّ ، أَوْ الْأَدْهَمَ أَوْ ثَوْبِي الْمَرْوِيَّ ، أَوْ الْحِنْطَةَ الْجَبَلِيَّةَ ، أَوْ السَّهْلِيَّةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَوْ أَخَلَّ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ فَقَالَ : بِعْتُكَ مَا فِي كَفِي 354 أَوْ كُمِّي أَوَخِزَانَتِي أَوْ مِيرَاثِي مِنْ فُلَانٍ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ . وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُمَا لَا يُشْتَرَطَانِ ، فَيَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي الْكُمِّ وَنَحْوِهِ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجِنْسِ دُونَ النَّوْعِ ، فَيَقُولُ : عَبْدِي ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ . وَإِذَا ذَكَرَ الْجِنْسَ وَالنَّوْعَ فَفِي افْتِقَارِهِ مَعَ ذَلِكَ إلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ ، ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بِأَدِلَّتِهَا ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْأَصْحَابِ : لَا يَفْتَقِرُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَالصَّرْفِ ( وَالثَّانِي ) : يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ مُعْظَمِ الصِّفَاتِ ، وَضَبَطَ الْأَصْحَابُ ذَلِكَ بِمَا يَصِفُ بِهِ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْقَاضِي ( وَالثَّالِثُ ) : يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ صِفَاتِ السَّلَمِ ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ ، وَالثَّالِثُ أَضْعَفُ مِنْ الثَّانِي وَالثَّانِي قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَالثَّالِثُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فَعَلَى الْمَنْصُوصِ لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ مِنْ نَوْعٍ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا اُشْتُرِطَ تَمْيِيزُهُ بِسِنٍّ أَوْ غَيْرِهِ - قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ ، فَإِنْ وَصَفَهَا بِجَمِيعِهَا فَوَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ : يَصِحُّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي نَفْيِ الْغَرَرِ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ : لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي السَّلَمِ ، وَالسَّلَمُ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَيَقُولُ بِعْتُكَ دَارًا بِبَغْدَادَ ، وَفِي اشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْبُقْعَةِ مِنْ الْبَلَدِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ يُتَعَجَّلُ إنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ يُؤَجَّلُ إنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْبُقْعَةِ مِنْ الْبَلَدِ ، وَإِذَا ذَكَرَ الْبَلَدَ الَّذِي فِيهِ الْمَبِيعُ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي بَلَدِ الْبَيْعِ وَكَانَ الْمَبِيعُ فِي غَيْرِهِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ بِخِلَافِ السَّلَمِ ، لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ . 355 الثَّانِي ) إذَا شَرْطَنَا الْوَصْفَ فَوَصَفَهُ ، فَإِنْ وَجَدَهُ دُونَ مَا وَصَفَ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ وَجَدَهُ كَمَا وَصَفَ فَطَرِيقَانِ ( أَحَدُهُمَا ) الْقَطْعُ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمَاعَةٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ ( وَأَشْهُرُهُمَا ) أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا هُنَا ( أَصَحُّهُمَا ) ثُبُوتُهُ ( أَمَّا ) إذَا قُلْنَا : لَا يُشْتَرَطُ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ شَرَطَ الْخِيَارَ أَمْ لَا ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَهُ وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ ، وَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَنْفُذَ فَسْخُهُ وَإِجَازَتُهُ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) يَنْفُذَانِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَنْفُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ يَنْفُذُ فَسْخُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ دُونَ إجَازَتِهِ .
هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُشْتَرِي ( وَأَمَّا ) الْبَائِعُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا خِيَارَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ رَأَى الْمَبِيعَ أَمْ لَا ، لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي جَانِبِهِ تَعَبُّدٌ ( وَالثَّانِي ) لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ كَالْمُشْتَرِي ( وَالثَّالِثُ ) لَهُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ ، وَحَيْثُ قُلْنَا : يَثْبُتُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ هَلْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) يَمْتَدُّ مَا دَامَ مَجْلِسُ الرُّؤْيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ السِّلْسِلَةِ : هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ ( أَحَدُهُمَا ) يَثْبُتُ كَمَا يَثْبُتُ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ ( وَالثَّانِي ) لَا يَثْبُتُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْفَوْرِ ، لِئَلَّا يَثْبُتَ خِيَارُ مَجْلِسَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يَمْتَدُّ إلَى انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ ، قَالَ : وَالْفَرْعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ وَقُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ إلَى الْوَارِثِ فَإِلَى مَتَى يَمْتَدُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) عَلَى الْفَوْرِ ( وَالثَّانِي ) مَا دَامَ الْوَارِثُ فِي مَجْلِسِ خَبَرِ الْمَوْتِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ وَاضِحَةً . 356 الثَّالِثُ ) هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَسْتَصْوِبُهُ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إجَازَةٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي خِيَارِ الْخُلْفِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ( وَالثَّانِي ) لَا ، لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْصٍ وَلَا غَرَضٍ ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي الِاخْتِيَارِ .
( الرَّابِعُ ) إذَا لَمْ نَشْتَرِطْ الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي : أَنْتَ رَأَيْتَ الْمَبِيعَ فَلَا خِيَارَ لَكَ ، فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ، فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ ( وَالثَّانِي ) الْبَائِعُ ، فَإِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَقْدِ اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : فَلَا يَنْفَكُّ هَذَا عَنْ خِلَافٍ ، قُلْتُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي شَرْطٍ يُفْسِدُ الْعَقْدَ ، وَفِيهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ ، الْأَصَحُّ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ ( وَالثَّانِي ) قَوْلُ مُدَّعِي الْفَسَادِ ، فَيَتَعَيَّنُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَلَعَلَّ الْغَزَالِيَّ فَرَّعَهَا عَلَى الْأَصَحِّ .
( فَرْعٌ ) لَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ فَسَرَقَ أَحَدَهُمَا فَاشْتَرَى الثَّانِيَ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمَسْرُوقَ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ : إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَصِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ وَاحِدٍ صَحَّ الْبَيْعُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ ، وَلَا يُقَالُ : هَذَا بَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُنَا وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ مَرْئِيًّا حَالَةَ الْعَقْدِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ فَاكْتُفِيَ بِهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا عَمْرِو بْنَ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَرَضَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِي هَذَا الْفَرْعِ فَقَالَ : جَزَمَ بِالصِّحَّةِ فِيمَا إذَا تَسَاوَتْ صِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا مَعَ إجْرَائِهِ الْخِلَافَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ : وَالتَّحْقِيقُ يُوجِبُ إجْرَاءَ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْأَوْصَافِ فِي صُورَةِ التَّسَاوِي كَمَا أَجْرَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ اعْتَمَدَ مُسَاوَاةَ غَيْرِ الْمَبِيعِ لِلْمَبِيعِ فِي 357 الصِّفَةِ الْمُعَلَّقِ بِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فَهُوَ كَالْأُنْمُوذَجِ الَّذِي لَيْسَ بِمَبِيعٍ ، الْمُسَاوِي فِي الصِّفَةِ لِلْمَبِيعِ وَلَا فَرْقَ ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ التَّسَاوِي فِي الْقِيمَةِ اعْتِبَارٌ لِلْقِيمَةِ مَعَ الْوَصْفِ وَلَا وُجُودَ لِمِثَالِهِ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو ، وَهَذَانِ الِاعْتِرَاضَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا فَاسِدَانِ ( أَمَّا الْأَوَّلُ ) فَلَيْسَ هَذَا كَمَسْأَلَةِ الْأُنْمُوذَجِ ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ الْأُنْمُوذَجِ لَيْسَ مَرْئِيًّا وَلَا سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ ، وَهُنَا سَبَقَتْ رُؤْيَةُ الثَّوْبَيْنِ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : يَجِبُ إجْرَاءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْأُولَى فَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ مُخْتَلِفَانِ ، فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ بِخِلَافِ الْأُولَى ( وَأَمَّا ) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَجَوَابُهُ أَنَّهُ قَدْ تَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ مَعَ اتِّحَادِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِي نَحْوِ الْعَبِيدِ وَالْجَوَارِي فَيَحْصُلُ الْغَرَرُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) هَلْ يُشْتَرَطُ الذَّوْقُ فِي الْخَلِّ وَنَحْوِهِ عَلَى قَوْلِنَا بِاشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ ؟ وَكَذَلِكَ الشَّمُّ فِي الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ وَاللُّبْسُ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ ( وَالثَّانِي ) حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) هَذَا ، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَقْصُودِ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُهَا ( وَالثَّانِي ) يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي هَذَا النَّوْعِ اخْتِلَافٌ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث