المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5583 · ص. المطبوع 370 · الشرح
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَآخَرُونَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي الْبَاقِلَّا لُغَتَانِ سَبَقَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ التَّخْفِيفُ مَعَ الْمَدِّ ، وَالتَّشْدِيدُ مَعَ الْقَصْرِ ( وَقَوْلُهُ : ) غَرَرٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، احْتِرَازٌ مِنْ أَسَاسِ الدَّارِ وَمِنْ السَّلَمِ ، وَنَافِجَةُ الْمِسْكِ - بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ - وَهِيَ ظَرْفُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنْ 370 أَصْلِهِ ، وَالْجِرَابُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا - الْكَسْرُ أَفْصَحُ وَالْقِثَّاءُ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَضَمِّهَا - الْكَسْرُ أَفْصَحُ ، وَهُوَ مَمْدُودٌ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ : ( إحْدَاهَا ) يَجُوزُ بَيْعُ الْبَاقِلَّا فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ بِلَا خِلَافٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَخْضَرَ أَوْ يَابِسًا وَأَمَّا بَيْعُهُ فِي قِشْرَةِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ - فَإِنْ كَانَ يَابِسًا - لَمْ يَجُزْ عَلَى قَوْلِنَا بِمَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَازَ ، وَهَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ . وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ إنْ مَنَعْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَقَائِهِ فِيهِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى شِرَائِهِ كَذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ رَطْبًا فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ يَجُوزُ ، وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الْأَصَحَّ صِحَّتُهُ ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى لَهُ الْبَاقِلَّا الرَّطْبُ ( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَآخَرِينَ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ .
( الثَّانِيَةُ ) فِي بَيْعِ طَلْعِ النَّخْلِ مَعَ قِشْرِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا ( أَصَحُّهُمَا ) جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( الثَّالِثَةُ ) الْمِسْكُ طَاهِرٌ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَهُوَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، نَقَلَ جَمَاعَةٌ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَآخَرُونَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ ، قَالُوا : لِأَنَّهُ دَمٌ وَلِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ ، وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَلْطٌ صَرِيحٌ وَجَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ ، وَلَوْلَا خَوْفُ الِاغْتِرَارِ بِهِ لَمَا تَجَاسَرْتُ عَلَى حِكَايَتِهِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ عَائِشَةَ 371 وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْا وَبِيصَ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْعَقَدَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّهُ دَمٌ فَلَا يَسْلَمُ وَلَوْ سَلِمَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَجَاسَتُهُ فَإِنَّهُ دَمٌ غَيْرُ مَسْفُوحٍ كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : مُنْفَصِلٌ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الظَّبْيَةَ تَلْقِيهِ كَمَا تُلْقِي الْوَلَدَ ، وَكَمَا يُلْقِي الطَّائِرُ الْبَيْضَةَ ، فَيَكُونُ طَاهِرًا كَوَلَدِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ وَبَيْضِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ نَجَاسَتُهُ ، فَإِنَّ الْعَسَلَ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ طَاهِرٌ حَلَالٌ بِلَا شَكٍّ ( وَالْجَوَابُ الثَّانِي ) أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) بَيْعُ الْمِسْكِ فِي فَأْرَتِهِ ، وَهِيَ نَافِجَتُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) يَجُوزُ مُطْلَقًا ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ لَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ( وَالثَّانِي ) إنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً وَشَاهَدَ الْمِسْكَ فِيهَا وَلَمْ يَتَفَاوَتْ ثَمَنُهَا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِلَّا فَلَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَيَانِ ( وَالثَّالِثُ ) وَهُوَ الصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فِيهَا مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ بِيعَ مَعَهَا أَوْ دُونَهَا ، مَفْتُوحَةً وَغَيْرَ مَفْتُوحَةٍ ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ ، وَلَوْ رَأَى الْمِسْكَ خَارِجَ الْفَأْرَةِ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ وَبَاعَهُ فِيهَا وَهِيَ مَفْتُوحَةُ الرَّأْسِ صَحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَفْتُوحَةٍ فَقَدْ قَالُوا : فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ يَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِبًا ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْ بَاعَ الْمِسْكَ الْمَخْلُوطَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ قَوْلًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
372 فَرْعٌ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَأَمَّا الزَّبَادُ فَهُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ ، يَكُونُ فِي الْبَحْرِ ، قَالَ : وَلِأَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ ، إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ( أَحَدُهُمَا ) نَجِسٌ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ( وَالثَّانِي ) طَاهِرٌ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَالْمِسْكِ ، هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالصَّوَابُ طَهَارَتُهُ وَصِحَّةُ بَيْعِهِ ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ حِلُّ لَحْمِ كُلِّ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، وَحِلُّ لَبَنِهِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِهِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث