المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
الصفحة 5680 · ص. المطبوع 457 · الشرح
( فَرْعٌ ) لَوْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي - فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ وَالْمَوْطُوءَةُ جَاهِلَيْنِ - فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِلْبَائِعِ ، لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ ، فَلَوْ تَكَرَّرَ الْوَطْءُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ ، وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ لَزِمَهُمَا الْحَدُّ إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِمَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَلَا يُبَاحُ وَطْؤُهَا لَهُ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِخَمْرٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ فَلَا حَدَّ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُولِ الْمِلْكِ لَهُ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْحَالِ : إنَّهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا حَقِيقِيًّا ، فَصَارَ كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِالْأَوْلَى ، وَنَحْوُهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : يَجِبُ الْحَدُّ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ فَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِالْأَوْلَى ، فَحَيْثُ قُلْنَا : لَا حَدَّ ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَجَبَ مَهْرُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَجَبَ مَهْرُ بِكْرٍ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ أَيْضًا . 457 أَمَّا ) أَرْشُ الْبَكَارَةِ فَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ( وَأَمَّا ) مَهْرُ الْبِكْرِ ، فَلِأَنَّهُ وَطِئَ بِكْرًا بِشُبْهَةٍ ، هَكَذَا صَرَّحَ بِوُجُوبِ مَهْرِ بِكْرٍ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَسَائِرُ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي وَالْأَصْحَابُ : ( فَإِنْ قِيلَ ) هَذَا يُؤَدِّي إلَى ضَمَانِ الْبَكَارَةِ مَرَّتَيْنِ ( قُلْتُ ) : إلَّا أَنَّهُ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ بَدَنِهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ لَهُ الْإِذْنُ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُ ، وَوَطِئَهَا بِكْرًا فَحَصَلَ لَهُ كَمَالُ اللَّذَّةِ ، فَلَزِمَهُ مَهْرُ بِكْرٍ ، وَلَا يَتَدَاخَلَانِ لِأَنَّهُمَا وَجَبَا بِشَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، لِأَنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ بِإِتْلَافِ الْجُزْءِ وَهُوَ سَابِقٌ لِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ .
( فَإِنْ قِيلَ ) إذَا فَصَلْتُمْ إتْلَافَ الْبَكَارَةِ عَنْ الْوَطْءِ فَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَةٍ وَمَهْرُ ثَيِّبٍ ، لِأَنَّ تَغْيِيبَ كَمَالِ الْحَشَفَةِ صَادَفَهَا ثَيِّبًا فَصَارَ كَمَا لَوْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ وَمَهْرُ ثَيِّبٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ لَذَّةُ جِمَاعِ بِكْرٍ وَيُسَمَّى وَاطِئَ بِكْرٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْأُصْبُعِ ( فَإِنْ قِيلَ ) فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا وَوَطِئَهَا وَهِيَ بِكْرٌ لَزِمَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِكْرًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافُ بَكَارَتِهَا بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا صَحِيحًا ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ إتْلَافَ الْبَكَارَةِ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَا أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَطْءُ فَهِيَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَنْ قَالَتْ لِإِنْسَانٍ : أَذْهِبْ بَكَارَتِي بِأُصْبُعِك ، وَكَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ ، اقْطَعْ يَدِي ، أَوْ أَتْلِفْ سَوْأَتِي ، فَلَا ضَمَانَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ أَحَبْلَهَا فَالْوَلَدُ حُرٌّ لِلشُّبْهَةِ ، وَهَلْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ ( الصَّحِيحُ ) لَا وَلَاءَ ، لِأَنَّهُ انْعَقَدَ حُرًّا ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ 458 وَالْجُمْهُورُ ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ حَيًّا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ ، لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا بِظَنِّهِ فَأَتْلَفَ رِقَّهُ عَلَى مَالِكِ الْأَمَةِ ، وَتَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ ، فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، فَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي مَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ فِيمَنْ أَوَلَدَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ ثُمَّ مَلَكَهَا ( أَصَحُّهُمَا ) لَا تَصِيرُ . فَإِنْ نَقَصَتْ بِالْحَمْلِ أَوْ الْوِلَادَةِ لَزِمَهُ أَرْشُهُ . وَإِنْ خَرَجَ الْوَلَدُ مَيِّتًا فَلَا قِيمَةَ . لَكِنْ إنْ سَقَطَ بِجِنَايَةٍ وَجَبَتْ الْغُرَّةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي ، وَيَجِبُ حِينَئِذٍ لِلْبَائِعِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ ، وَالْغُرَّةِ ، يُطَالِبُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْجَانِي وَالْمُشْتَرِي ، لِأَنَّ ضَمَانَ الْجَانِي لَهُ قَامَ مَقَامَ خُرُوجِهِ حَيًّا ، فَإِنْ كَانَتْ الْغُرَّةُ أَقَلَّ أَخَذَهَا الْبَائِعُ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَخَذَ قَدْرَ الْقِيمَةِ وَكَانَتْ الْبَقِيَّةُ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ . وَلَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ إلَى الْبَائِعِ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ وَمَاتَتْ فِي الطَّلْقِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهَا بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ تَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي ؟ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ هَلْ تَحْمِلُ قِيمَةَ الْعَبْدِ ؟ ( أَصَحُّهُمَا ) تَحْمِلُهَا . وَلَوْ وَطِئَ أَمَةَ الْغَيْرِ بِشُبْهَةٍ فَمَاتَتْ فِي الطَّلْقِ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا فِي مَالِهِ عَلَى قَوْلٍ ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْأَصَحِّ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ .
وَلَوْ وَطِئَ حُرَّةً بِشُبْهَةٍ ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، فَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ ، فَفِي وُجُوبِ دِيَتِهَا وَجْهَانِ ، وَحَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَوْلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) تَجِبُ كَالْأَمَةِ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا تَجِبُ ، لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبٌ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ فِي الْأَمَةِ لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِيلَاءٌ عَلَيْهَا ، وَالْعَلُوقِ مِنْ آثَارِهِ ، فَأَدَمْنَا الِاسْتِيلَاءَ كَالْمُحْرِمِ إذَا نَفَّرَ صَيْدًا ، وَبَقِيَ نِفَارُهُ إلَى الْهَلَاكِ بِالْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ ، 459 فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ ( وَأَمَّا ) الْحُرَّةُ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِيلَاءِ . وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ فَمَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، فَفِيهَا قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَا ضَمَانَ ، لِأَنَّ الْوِلَادَةَ غَيْرُ مُضَافَةٍ شَرْعًا لِعَدَمِ النَّسَبِ ( وَالثَّانِي ) يَجِبُ لِأَنَّهُ مُوَلَّدٌ مِنْ فِعْلِهِ . وَلَوْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ فِي الطَّلْقِ مِنْ حَمْلِهَا مِنْهُ ، لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ بِلَا خِلَافٍ ، لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مُسْتَحِقٍّ . وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا ضَمَانَ الْحُرَّةِ فَهُوَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَاطِئِ وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا ضَمَانَ قِيمَةِ الْأَمَةِ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي مَالِهِ فِي الْآخَرِ ، وَمَتَى تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) يَوْمُ الْإِحْبَالِ ، لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّلَفِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا إلَى أَنْ مَاتَ مِنْهُ وَقِيمَتُهُ عَشْرَةٌ ، يَلْزَمُهُ مِائَةٌ ( وَالثَّانِي ) يَوْمُ الْمَوْتِ ، لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّلَفِ ( وَالثَّالِثُ ) يَجِبُ أَكْثَرُهُمَا كَالْغَصْبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث