المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
10 قَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : إذَا تَخَايَرَا فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّقَابُضِ فَهُوَ كَالتَّفَرُّقِ فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا يَبْطُلُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى يَدًا بِيَدٍ .
( قُلْت ) هَذَا آخِرُ مَا وُجِدَ مِنْ شَرْحِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَقُولُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى : وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ إنَّ الْإِجَارَةَ لَاغِيَةٌ وَالْخِيَارُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَقَدْ شَذَّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ مُطْبِقُونَ عَلَى الْبُطْلَانِ . وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْمَحَامِلِيِّ الْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَحْكُوا خِلَافَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَا غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا سُلَيْمًا فِي التَّقْرِيبِ فَإِنَّهُ حَكَاهُ وَقَالَ : إنَّ الْمَذْهَبَ الْبُطْلَانُ 11 وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ فِي تَعْلِيقَةِ أَبِي حَامِدٍ ، وَقَالَ : إنَّهُ حَكَاهُ فِي آخِرِ الرَّهْنِ . وَأَمَّا الْمَرَاوِزَةُ فَالْفُورَانِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَافَقَ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَزَمَ بِالْبُطْلَانِ . وَأَكْثَرُهُمْ يَحْكِي وَجْهَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا . فَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ حَكَى وَجْهَ الْبُطْلَانِ وَوَجْهَ اللُّزُومِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ بِتَلْخِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَادُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَعَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ هُوَ ابْنُ سُرَيْجٍ . وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَكَى عَنْ نَقْلِ شَيْخِهِ وَصَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَجْهَ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ وَوَجْهَ اللُّزُومِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْبُطْلَانِ . وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ مَعَ زِيَادَةِ تَرْجِيحِ اللُّزُومِ .
وَقَدْ انْفَرَدَ بِتَرْجِيحِ ذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْمُصَنِّفِينَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ زَيْنُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْوَافِي . فَانْتَظَمَ مِنْ النَّقْلَيْنِ فِي طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ كَمَا هِيَ أَيْضًا مُفَرَّقَةٌ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ . وَمِمَّنْ ذَكَرَهَا مَجْمُوعَةً صَاحِبُ الْبَحْرِ . وَعَزَا الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ إلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ . وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ مُفَرَّقَةً فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَقَّفُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . فَفِي بَابِ الرِّبَا قَالَ : وَالتَّخَايُرُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ . خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ ، كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَفِي بَابِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَكَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) إلْغَاءُ الْإِجَارَةِ ( وَالثَّانِي ) لُزُومُ الْعَقْدِ كَمَا فَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَجْهَيْنِ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَى كَلَامُهُ فِي بَابِ الرِّبَا تَرْجِيحَهُ . فَاقْتِصَارُ الرَّافِعِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الْمَكَانِ يُوهِمُ الْجَزْمَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَعَلَ هُنَا حَيْثُ وَقَفَ فِي بَابِ الرِّبَا كَمَا فَعَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ ، وَحَكَى فِي بَابِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَجْهَيْ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ وَلُزُومِ الْعَقْدِ وَقَالَ : إنَّ أَصَحَّهُمَا اللُّزُومُ . قَالَ : وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُبْطِلُ الْعَقْدَ فَجَمَعَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ . لَكِنْ بِعِبَارَةٍ تُوهِمُ أَنَّ الْبُطْلَانَ مَرْجُوحٌ . وَهُوَ قَالَ هُنَا : إنَّهُ الْمَذْهَبُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : أَصَحُّهُمَا اللُّزُومُ فَيُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّهُ الْأَصَحُّ مُطْلَقًا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ أَصَحَّ مِنْهُ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَكَذَلِكَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْفَصْلِ نَقَلَ 12 عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ . وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ مُرَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَقْدَ ؟ أَمْ تَلْغُو الْإِجَارَةُ ؟ وَأَنَّ عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَقْدِ صَادِقٌ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ . لَكِنْ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ بَيَّنَا ذَلِكَ صَرِيحًا فَقَالَا : وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ بِذَلِكَ وَلَا يَبْطُلُ ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَكَلَامُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ أَصْرَحُ ، وَقَوْلُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ هُوَ الْمَذْهَبُ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا رَأَيْتُهَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فَمَنْ بَعْدَهُ ، وَلِأَجْلِ إجْمَالِ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ حَصَلَ الْتِبَاسٌ عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ ، فَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ كَقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ ( وَالْأَصَحُّ ) عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَعِنْدَهُمْ احْتِمَالٌ كَمَذْهَبِنَا ( وَأَمَّا ) مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا تَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمَا ، لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ . تَوْجِيهُ كُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا الْقَوْلُ بِإِلْغَاءِ الْإِجَارَةِ فَقَدْ اسْتَدَلَّ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَقَصِّي عَلْقَةِ الْعَقْدِ ، وَبَقَاءُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ مِنْ تَقَصِّي عَلْقِهِ فَمَنَعَ مِنْ اخْتِيَارِ إمْضَائِهِ ، قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَهَذَا حَسَنٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ سَبْقَ تَقَصِّي عَلْقِهِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَاصِلٌ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَقِ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ ، وَلَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ دُونَ غَيْرِهِ تَحَكُّمٌ ، ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْخِيَارَ يَبْقَى بَعْدَ التَّخَايُرِ كَانَ مُخَالِفًا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ ، بَلْ وَلِمَنْطُوقِهِ عَلَى رَأْيِي ، فَإِنَّ فِيهِ : فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّخَايُرِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّخَايُرَ مُوجِبٌ لِلْعَقْدِ مُطْلَقًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَدْ وُجِدَ ، وَإِلْحَاقُ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ مَمْنُوعٌ . وَاَلَّذِي ثَبَتَ 13 مِنْ الشَّرْعِ مُسَاوَاةُ التَّخَايُرِ لِلتَّفَرُّقِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ لَا مُطْلَقًا ، فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ " وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَقْدِ بِالتَّخَايُرِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ عُقُودِ الرِّبَا وَغَيْرِهَا . قَالَتْ الْحَنَابِلَةُ : اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، لَمْ يَبْطُلْ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ . وَنَحْنُ نَمْنَعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي مَذْهَبِنَا ، وَمَنْ أَثْبَتَ الْقَوْلَ الذَّاهِبَ إلَى ذَلِكَ وَأَجْرَى ذَاكَ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالسَّلَمِ اسْتَحَالَ الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّخَايُرَ مُبْطِلٌ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ ذَاكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَعْنِي صِحَّةَ اشْتِرَاطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ مُوَافِقٍ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي مَسْأَلَتِنَا هُنَا وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِي عُقُودِ الرِّبَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَحِينَئِذٍ أَقُولُ فِي تَوْجِيهِ مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ : إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَدًا بِيَدٍ } وَهَذَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ يُعْطِي بِيَدٍ وَيَأْخُذُ بِأُخْرَى ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَهُ ، لَكِنَّا خَرَجْنَا عَنْ ذَلِكَ . لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ لَمَّا صَرَفَ مِنْ طَلْحَةَ " لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ " فَجَعَلْنَا ذَلِكَ مَنُوطًا بِالتَّفَرُّقِ وَلَيْسَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ لِذَاتِهِ ، بَلْ لِمَعْنًى يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كِلَاهُمَا بِهَذَا اللَّفْظِ . اقْتَضَى الْحَدِيثُ تَنْزِيلَ الْعَقْدِ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَايُرِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ ، وَأَنَّهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ أَوْ الْخِيَارِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ الْقَبْضُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وُجِدَ فِي وَقْتٍ كَأَنَّهُ لَمْ تَتَكَامَلْ حَقِيقَةُ الْعَقْدِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْقَبْضَ الْوَاقِعَ وَقْتَ الْعَقْدِ ، بِأَنْ يُعْطِيَ بِيَدٍ وَيَأْخُذَ بِأُخْرَى ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَدًا بِيَدٍ " بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ اللُّزُومِ .
وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَا أَنَّ التَّقَابُضَ قَبْلَهُ مُطْلَقًا كَافٍ ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ التَّحْرِيمُ ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ 14 شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا تَعَارَضَ مَا يَقْتَضِي إلْحَاقَ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَمَا يَقْتَضِي عَدَمَهُ ، تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَحْصُلْ تَعَارُضٌ ؟ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ الْعَقْدُ ، وَلَا عَلَى جَعْلِ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظِنَّةٌ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْعَقْدُ بِالتَّخَايُرِ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، وَتَقَدُّمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى شَرْطِهِ مُمْتَنِعٌ . وَأَمَّا مَا قَبْلَ التَّخَايُرِ فَالصِّحَّةُ الْمَحْكُومُ بِهَا كَلَا صِحَّةٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَكَذَلِكَ اُكْتُفِيَ بِالْقَبْضِ فِيهَا ، وَأَيْضًا فَالتَّفَرُّقُ اُعْتُبِرَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَامُلِ الرِّضَا ، وَالتَّخَايُرُ الْمُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَوْلَى . " فَإِنْ قُلْتَ " التَّخَايُرُ قَبْلَ التَّقَابُضِ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ اللُّزُومُ كَمَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَجَبَ أَنْ يَلْغُو وَيَبْقَى الْخِيَارُ بِحَالِهِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَالْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ بَعِيدٌ ( قُلْت ) بُطْلَانُ الْعَقْدِ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ التَّخَايُرِ ، بَلْ عَنْ عَدَمِ التَّقَابُضِ ، وَالتَّخَايُرُ مُبَيِّنٌ لَنَا غَايَةَ الْوَقْتِ الَّذِي اُشْتُرِطَ فِيهِ التَّقَابُضُ كَالتَّفَرُّقِ ، فَالتَّخَايُرُ قَاطِعٌ لِلْمَجْلِسِ حَقِيقَةً ، لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الرِّضَا الْكَامِلِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ لُزُومُ الْعَقْدِ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( التَّفْرِيعُ ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَتَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالتَّخَايُرِ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَهَلْ يَأْثَمَانِ بِذَلِكَ ؟ جَزَمَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ أَنَّهُ بِاللُّزُومِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ ، وَأَنَّهُمَا إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَعْدَ اللُّزُومِ وَلَا يَعْصِيَانِ إنْ كَانَ تَفَرُّقُهُمَا عَنْ تَرَاضٍ وَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَعَصَى بِانْفِرَادِهِ بِمَا يُضْمِرُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَاسِقَاطَ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ ، وَمَا جَزَمُوا بِهِ مِنْ كَوْنِهِمَا لَا يَعْصِيَانِ إذَا تَفَرَّقَا عَنْ تَرَاضٍ يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّفَرُّقَ قَبْلَ التَّقَابُضِ فِي عُقُودِ الرِّبَا يَأْثَمَانِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ بَاقِيًا ، وَأَنَّهُ يَكُونُ جَارِيًا مَجْرَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ نَسِيئَةً ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا صَارَ رِبًا ، وَانْفَسَخَ فِيهِ الْبَيْعُ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ 15 الْأُمِّ : إذَا صَرَفَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ صَرَفَ مِنْهُ ، حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ ، وَلَا يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَنْفَسِخَ الْبَيْعُ ثُمَّ يُوَكِّلَ هَذَا بِأَنْ يُصَارِفَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا تَقَدَّمَ : قَالَ أَصْحَابُنَا : فَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا لَزِمَهُمَا أَنْ يَتَفَاسَخَا الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يَأْثَمَا فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ الْخِيَارِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى بِلَا شَكٍّ وَيَتَّجِهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْكَلَامَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَلِلنَّظَرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَجَالٌ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ مُطْلَقًا لِأَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنْ هَذَا الْعَقْدِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَحَكَمَ عَلَى كُلِّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ بِأَنَّهُ رِبًا إلَّا : هَا وَهَا فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الشَّرْطُ حَصَلَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَحَصَلَ الرِّبَا وَالرِّبَا حَرَامٌ وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ لَفْظُ الْحُرْمَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي عُقُودِ الرِّبَا كَقَوْلِهِمْ : حَرُمَ النَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَلَيْسَ تَفَرُّقُهُمَا كَتَفَاسُخِهِمَا فَإِنَّهُمَا بِالتَّفَاسُخِ رَفَعَا الْعَقْدَ فَلَا يَلْزَمُهُمَا شُرُوطُهُ وَإِذَا لَمْ يَرْفَعَاهُ وَتَفَرَّقَا فَقَدْ خَالَفَا بِالتَّفَرُّقِ وَجَعَلَاهُ عَقْدَ رِبًا ، وَالْبُطْلَانِ حُكْمٌ مِنْ الشَّرْعِ عَلَيْهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ شُرُوطٌ فِي الصِّحَّةِ .
قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِ الْمَطْلُوبِ فِي الْخِلَافِ : إنَّ الْمَعْنِيَّ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ هُنَا وُقُوعُهُ مُقْتَضِيًا ثُبُوتَ أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ الْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ ، فَإِنَّهُمَا إذَا تَبَايَعَا وَافْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَا يَأْثَمَانِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَنَا لَا يَمْتَنِعُ يَعْنِي فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ فَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْإِمَامَيْنِ غَيْرُ قَائِلَيْنِ بِالْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَأَقْرَبُ إلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( أَمَّا ) بَعْدَ اللُّزُومِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَرِضَاهُمَا بِالْفَسْخِ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ التَّفَرُّقِ فَيَتَّجِهُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ وَإِنْ رَضِيَا بِهِ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِمَا يُحَقِّقُ الْعَقْدَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، فَالْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مَعَ عَدَمِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ التَّخَايُرِ مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ .
( فَإِنْ قُلْتَ ) الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ التَّخَايُرِ إنَّمَا ذَكَرُوهُ تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ 16 ابْنِ سُرَيْجٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ سُرَيْجٍ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَجْتَمِعَ كَلَامُهُ مَعَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ( قُلْتُ ) الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَمْ يَنْقُلُوا التَّفْرِيعَ الْمَذْكُورَ عَنْهُ وَإِنَّمَا فَرَّعُوهُ كَسَائِرِ التَّفَارِيعِ الْمَذْهَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ الْإِيرَادُ عَلَيْهِمْ ، وَأَيْضًا فَقَدْ قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ مِثْلِ قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَإِذَا ثَبَتْنَا لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ فِيمَا إذَا تَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا .
( فَإِنْ قُلْتَ ) إنَّهُمَا فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مُتَمَكِّنَانِ مِنْ الْفَسْخِ فَلَهُمَا طَرِيقٌ فِي رَفْعِ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَلَا يُبَاحُ لَهُمَا التَّفَرُّقُ ، وَأَمَّا بَعْدَ اللُّزُومِ فَلَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَّا التَّفَرُّقَ ( قُلْتُ ) بَعْدَ اللُّزُومِ لَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ ، وَارْتِفَاعُهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا كَتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا تَفَرَّقَا فَقَدْ فَعَلَا مَا لَيْسَ لَهُمَا فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) جَزْمُهُمْ بِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا يَعْصِي لِقَطْعِهِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ ، فَعَلَى قَاعِدَتِهِمْ وَقَوْلِهِمْ أَنَّهُمَا إذَا تَفَرَّقَا رَاضِيَيْنِ لَا يَعْصِيَانِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَاصِّ مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْجِزُ نَفْسَهُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ عَنْهُ ، وَالزَّوْجُ يُطَلِّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِ الصَّدَاقِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودًا لِلشَّرْعِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُفَارِقَهُ لِاسْتِلْزَامِهِ تَفْوِيتَ التَّقَابُضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ شَرْعًا تَحَرُّزًا عَنْ الرِّبَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا كُلُّهُ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَإِنْ فَرَّعْنَاهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَالْخِيَارُ بَاقٍ بِحَالِهِ فَإِنْ تَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ الْعَقْدُ وَاسْتَقَرَّ وَكَانَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَيَّرَا ، كَذَلِكَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا إشْكَالَ فِي التَّفْرِيعِ ، فَإِنَّ التَّخَايُرَ مُلْحَقٌ بِالتَّفَرُّقِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَأْثَمَا بِهِ كَمَا يَأْثَمَانِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَالتَّخَايُرُ الْمُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُهُمَا كَالتَّفَرُّقِ ، أَمَّا إذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّفَرُّقِ ، حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ ، فَإِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ بَاقٍ فَإِنْ أَجَازَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّقَابُضِ لَا إثْمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْحُكْمِ بِإِثْمِ السَّابِقِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ نَظَرٌ وَهَذَا الَّذِي 17 قُلْتُهُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ تَفَقُّهٌ لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهُ مَنْقُولًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ، كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْبَسِيطِ : وَإِنْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ ، أَمَّا لَوْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا بِرِضَى الْآخَرِ ، فَإِنَّ حُكْمَهُ مَا لَوْ تَفَرَّقَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالصَّرْفِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بِذَلِكَ أَوْ لُزُومِهِ ، أَوْ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ . وَتَفَارِيعُ ذَلِكَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي السَّلَمِ ، لَوْ أَجَزْتَ الْإِجَارَةَ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فِيهِ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَكَلَّمَ فِيهِمَا . وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( قُلْت ) هَذَا آخِرُ مَا وُجِدَ مِنْ شَرْحِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَقُولُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى : وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ إنَّ الْإِجَارَةَ لَاغِيَةٌ وَالْخِيَارُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَقَدْ شَذَّ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ مُطْبِقُونَ عَلَى الْبُطْلَانِ . وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْمَحَامِلِيِّ الْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ وَأَكْثَرُهُمْ لَمْ يَحْكُوا خِلَافَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَلَا غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا سُلَيْمًا فِي التَّقْرِيبِ فَإِنَّهُ حَكَاهُ وَقَالَ : إنَّ الْمَذْهَبَ الْبُطْلَانُ 11 وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّهِ فِي تَعْلِيقَةِ أَبِي حَامِدٍ ، وَقَالَ : إنَّهُ حَكَاهُ فِي آخِرِ الرَّهْنِ . وَأَمَّا الْمَرَاوِزَةُ فَالْفُورَانِيُّ فِي الْعُمْدَةِ وَافَقَ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَزَمَ بِالْبُطْلَانِ . وَأَكْثَرُهُمْ يَحْكِي وَجْهَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا . فَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ حَكَى وَجْهَ الْبُطْلَانِ وَوَجْهَ اللُّزُومِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ بِتَلْخِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَادُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ . وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَعَيَّنَ أَنَّ الْمُخَالِفَ هُوَ ابْنُ سُرَيْجٍ . وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَكَى عَنْ نَقْلِ شَيْخِهِ وَصَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَجْهَ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ وَوَجْهَ اللُّزُومِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْبُطْلَانِ . وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ مَعَ زِيَادَةِ تَرْجِيحِ اللُّزُومِ .
وَقَدْ انْفَرَدَ بِتَرْجِيحِ ذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْمُصَنِّفِينَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ فُضَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ زَيْنُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ شَيْخُ صَاحِبِ الْوَافِي . فَانْتَظَمَ مِنْ النَّقْلَيْنِ فِي طَرِيقَةِ الْمَرَاوِزَةِ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ كَمَا هِيَ أَيْضًا مُفَرَّقَةٌ فِي طَرِيقَةِ الْعِرَاقِ . وَمِمَّنْ ذَكَرَهَا مَجْمُوعَةً صَاحِبُ الْبَحْرِ . وَعَزَا الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ إلَى جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ . وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ مُفَرَّقَةً فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَوَقَّفُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . فَفِي بَابِ الرِّبَا قَالَ : وَالتَّخَايُرُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ . خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ ، كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَفِي بَابِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَكَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) إلْغَاءُ الْإِجَارَةِ ( وَالثَّانِي ) لُزُومُ الْعَقْدِ كَمَا فَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ . وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَجْهَيْنِ مُخَالِفٌ لِمَا اقْتَضَى كَلَامُهُ فِي بَابِ الرِّبَا تَرْجِيحَهُ . فَاقْتِصَارُ الرَّافِعِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذَا الْمَكَانِ يُوهِمُ الْجَزْمَ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَعَلَ هُنَا حَيْثُ وَقَفَ فِي بَابِ الرِّبَا كَمَا فَعَلَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ ، وَحَكَى فِي بَابِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَجْهَيْ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ وَلُزُومِ الْعَقْدِ وَقَالَ : إنَّ أَصَحَّهُمَا اللُّزُومُ . قَالَ : وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُبْطِلُ الْعَقْدَ فَجَمَعَ الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ . لَكِنْ بِعِبَارَةٍ تُوهِمُ أَنَّ الْبُطْلَانَ مَرْجُوحٌ . وَهُوَ قَالَ هُنَا : إنَّهُ الْمَذْهَبُ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : أَصَحُّهُمَا اللُّزُومُ فَيُمْكِنُ الِاعْتِذَارُ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّهُ الْأَصَحُّ مُطْلَقًا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ أَصَحَّ مِنْهُ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَكَذَلِكَ الشَّارِحُ فِي هَذَا الْفَصْلِ نَقَلَ 12 عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعَقْدَ . وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ مُرَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَقْدَ ؟ أَمْ تَلْغُو الْإِجَارَةُ ؟ وَأَنَّ عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَقْدِ صَادِقٌ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ . لَكِنْ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ بَيَّنَا ذَلِكَ صَرِيحًا فَقَالَا : وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ بِذَلِكَ وَلَا يَبْطُلُ ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَكَلَامُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ أَصْرَحُ ، وَقَوْلُ سُلَيْمٍ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْبُطْلَانِ هُوَ الْمَذْهَبُ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا رَأَيْتُهَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فَمَنْ بَعْدَهُ ، وَلِأَجْلِ إجْمَالِ الرَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ حَصَلَ الْتِبَاسٌ عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ ، فَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ كَقَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ ( وَالْأَصَحُّ ) عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَعِنْدَهُمْ احْتِمَالٌ كَمَذْهَبِنَا ( وَأَمَّا ) مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا تَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمَا ، لِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ . تَوْجِيهُ كُلُّ وَجْهٍ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا الْقَوْلُ بِإِلْغَاءِ الْإِجَارَةِ فَقَدْ اسْتَدَلَّ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَقَصِّي عَلْقَةِ الْعَقْدِ ، وَبَقَاءُ الْقَبْضِ يَمْنَعُ مِنْ تَقَصِّي عَلْقِهِ فَمَنَعَ مِنْ اخْتِيَارِ إمْضَائِهِ ، قَالَ فِي الْبَحْرِ : وَهَذَا حَسَنٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمْضَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ يَسْتَدْعِي سَبْقَ صِحَّةِ الْعَقْدِ أَوْ سَبْقَ تَقَصِّي عَلْقِهِ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ حَاصِلٌ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَقِ الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيِّ ، وَلَا تَتَوَقَّفُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَتَخْصِيصُ مَحَلِّ النِّزَاعِ دُونَ غَيْرِهِ تَحَكُّمٌ ، ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْخِيَارَ يَبْقَى بَعْدَ التَّخَايُرِ كَانَ مُخَالِفًا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ ، بَلْ وَلِمَنْطُوقِهِ عَلَى رَأْيِي ، فَإِنَّ فِيهِ : فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّخَايُرِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَاقْتَضَى أَنَّ التَّخَايُرَ مُوجِبٌ لِلْعَقْدِ مُطْلَقًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ فَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَقَدْ وُجِدَ ، وَإِلْحَاقُ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ مَمْنُوعٌ . وَاَلَّذِي ثَبَتَ 13 مِنْ الشَّرْعِ مُسَاوَاةُ التَّخَايُرِ لِلتَّفَرُّقِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ لَا مُطْلَقًا ، فَمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ ، وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ " الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ " وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ الْعَقْدِ بِالتَّخَايُرِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ عُقُودِ الرِّبَا وَغَيْرِهَا . قَالَتْ الْحَنَابِلَةُ : اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، لَمْ يَبْطُلْ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ . وَنَحْنُ نَمْنَعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي مَذْهَبِنَا ، وَمَنْ أَثْبَتَ الْقَوْلَ الذَّاهِبَ إلَى ذَلِكَ وَأَجْرَى ذَاكَ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالسَّلَمِ اسْتَحَالَ الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّخَايُرَ مُبْطِلٌ .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ يُثْبِتُ أَنَّ ذَاكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَعْنِي صِحَّةَ اشْتِرَاطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ مُوَافِقٍ لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي مَسْأَلَتِنَا هُنَا وَلَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِي عُقُودِ الرِّبَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَحِينَئِذٍ أَقُولُ فِي تَوْجِيهِ مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ : إنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَدًا بِيَدٍ } وَهَذَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ يُعْطِي بِيَدٍ وَيَأْخُذُ بِأُخْرَى ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لَهُ ، لَكِنَّا خَرَجْنَا عَنْ ذَلِكَ . لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَالِكِ بْنِ أَوْسٍ لَمَّا صَرَفَ مِنْ طَلْحَةَ " لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ " فَجَعَلْنَا ذَلِكَ مَنُوطًا بِالتَّفَرُّقِ وَلَيْسَ اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ لِذَاتِهِ ، بَلْ لِمَعْنًى يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كِلَاهُمَا بِهَذَا اللَّفْظِ . اقْتَضَى الْحَدِيثُ تَنْزِيلَ الْعَقْدِ الَّذِي لَمْ يَلْزَمْ بِالتَّفَرُّقِ أَوْ التَّخَايُرِ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ ، وَأَنَّهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ أَوْ الْخِيَارِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ الْقَبْضُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وُجِدَ فِي وَقْتٍ كَأَنَّهُ لَمْ تَتَكَامَلْ حَقِيقَةُ الْعَقْدِ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْقَبْضَ الْوَاقِعَ وَقْتَ الْعَقْدِ ، بِأَنْ يُعْطِيَ بِيَدٍ وَيَأْخُذَ بِأُخْرَى ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَدًا بِيَدٍ " بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ اللُّزُومِ .
وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ وَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَا أَنَّ التَّقَابُضَ قَبْلَهُ مُطْلَقًا كَافٍ ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ التَّحْرِيمُ ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ إنْ 14 شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا تَعَارَضَ مَا يَقْتَضِي إلْحَاقَ التَّخَايُرِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَمَا يَقْتَضِي عَدَمَهُ ، تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ ، فَكَيْفَ وَلَمْ يَحْصُلْ تَعَارُضٌ ؟ فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ صَحَّ الْعَقْدُ ، وَلَا عَلَى جَعْلِ التَّفَرُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَظِنَّةٌ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ ، وَالْعَقْدُ بِالتَّخَايُرِ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، وَتَقَدُّمُ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى شَرْطِهِ مُمْتَنِعٌ . وَأَمَّا مَا قَبْلَ التَّخَايُرِ فَالصِّحَّةُ الْمَحْكُومُ بِهَا كَلَا صِحَّةٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فَكَذَلِكَ اُكْتُفِيَ بِالْقَبْضِ فِيهَا ، وَأَيْضًا فَالتَّفَرُّقُ اُعْتُبِرَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَامُلِ الرِّضَا ، وَالتَّخَايُرُ الْمُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَوْلَى . " فَإِنْ قُلْتَ " التَّخَايُرُ قَبْلَ التَّقَابُضِ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ اللُّزُومُ كَمَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَجَبَ أَنْ يَلْغُو وَيَبْقَى الْخِيَارُ بِحَالِهِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ، فَالْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ بَعِيدٌ ( قُلْت ) بُطْلَانُ الْعَقْدِ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ التَّخَايُرِ ، بَلْ عَنْ عَدَمِ التَّقَابُضِ ، وَالتَّخَايُرُ مُبَيِّنٌ لَنَا غَايَةَ الْوَقْتِ الَّذِي اُشْتُرِطَ فِيهِ التَّقَابُضُ كَالتَّفَرُّقِ ، فَالتَّخَايُرُ قَاطِعٌ لِلْمَجْلِسِ حَقِيقَةً ، لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الرِّضَا الْكَامِلِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ لُزُومُ الْعَقْدِ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( التَّفْرِيعُ ) إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَتَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ لَزِمَ بِالتَّخَايُرِ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَهَلْ يَأْثَمَانِ بِذَلِكَ ؟ جَزَمَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْخِيَارِ أَنَّهُ بِاللُّزُومِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ ، وَأَنَّهُمَا إنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَعْدَ اللُّزُومِ وَلَا يَعْصِيَانِ إنْ كَانَ تَفَرُّقُهُمَا عَنْ تَرَاضٍ وَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَعَصَى بِانْفِرَادِهِ بِمَا يُضْمِرُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَاسِقَاطَ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ ، وَمَا جَزَمُوا بِهِ مِنْ كَوْنِهِمَا لَا يَعْصِيَانِ إذَا تَفَرَّقَا عَنْ تَرَاضٍ يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّفَرُّقَ قَبْلَ التَّقَابُضِ فِي عُقُودِ الرِّبَا يَأْثَمَانِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ بَاقِيًا ، وَأَنَّهُ يَكُونُ جَارِيًا مَجْرَى بَيْعِ الرِّبَوِيِّ نَسِيئَةً ، وَكَذَلِكَ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْإِمْلَاءِ إذَا تَفَرَّقَ الْمُتَبَايِعَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا صَارَ رِبًا ، وَانْفَسَخَ فِيهِ الْبَيْعُ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ 15 الْأُمِّ : إذَا صَرَفَ الرَّجُلُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ مَنْ صَرَفَ مِنْهُ ، حَتَّى يَقْبِضَ مِنْهُ ، وَلَا يُوَكِّلَ بِهِ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَنْفَسِخَ الْبَيْعُ ثُمَّ يُوَكِّلَ هَذَا بِأَنْ يُصَارِفَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا تَقَدَّمَ : قَالَ أَصْحَابُنَا : فَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا لَزِمَهُمَا أَنْ يَتَفَاسَخَا الْعَقْدَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يَأْثَمَا فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي زَمَانِ الْخِيَارِ فَبَعْدَهُ أَوْلَى بِلَا شَكٍّ وَيَتَّجِهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ كُلٍّ مِنْ الْكَلَامَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَلِلنَّظَرِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَجَالٌ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ مُطْلَقًا لِأَنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنْ هَذَا الْعَقْدِ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَحَكَمَ عَلَى كُلِّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ بِأَنَّهُ رِبًا إلَّا : هَا وَهَا فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ هَذَا الشَّرْطُ حَصَلَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَحَصَلَ الرِّبَا وَالرِّبَا حَرَامٌ وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ لَفْظُ الْحُرْمَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فِي عُقُودِ الرِّبَا كَقَوْلِهِمْ : حَرُمَ النَّسَاءُ وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَلَيْسَ تَفَرُّقُهُمَا كَتَفَاسُخِهِمَا فَإِنَّهُمَا بِالتَّفَاسُخِ رَفَعَا الْعَقْدَ فَلَا يَلْزَمُهُمَا شُرُوطُهُ وَإِذَا لَمْ يَرْفَعَاهُ وَتَفَرَّقَا فَقَدْ خَالَفَا بِالتَّفَرُّقِ وَجَعَلَاهُ عَقْدَ رِبًا ، وَالْبُطْلَانِ حُكْمٌ مِنْ الشَّرْعِ عَلَيْهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْحُرْمَةِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ شُرُوطٌ فِي الصِّحَّةِ .
قَالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِ الْمَطْلُوبِ فِي الْخِلَافِ : إنَّ الْمَعْنِيَّ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ هُنَا وُقُوعُهُ مُقْتَضِيًا ثُبُوتَ أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةٍ دُونَ الْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ ، فَإِنَّهُمَا إذَا تَبَايَعَا وَافْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَا يَأْثَمَانِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَنَا لَا يَمْتَنِعُ يَعْنِي فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ فَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْإِمَامَيْنِ غَيْرُ قَائِلَيْنِ بِالْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَأَقْرَبُ إلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( أَمَّا ) بَعْدَ اللُّزُومِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ فَرِضَاهُمَا بِالْفَسْخِ لَا أَثَرَ لَهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا صُورَةُ التَّفَرُّقِ فَيَتَّجِهُ الْجَزْمُ بِالتَّحْرِيمِ وَإِنْ رَضِيَا بِهِ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِمَا يُحَقِّقُ الْعَقْدَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، فَالْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مَعَ عَدَمِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ التَّخَايُرِ مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ .
( فَإِنْ قُلْتَ ) الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ التَّخَايُرِ إنَّمَا ذَكَرُوهُ تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ 16 ابْنِ سُرَيْجٍ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ سُرَيْجٍ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَجْتَمِعَ كَلَامُهُ مَعَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ( قُلْتُ ) الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ لَمْ يَنْقُلُوا التَّفْرِيعَ الْمَذْكُورَ عَنْهُ وَإِنَّمَا فَرَّعُوهُ كَسَائِرِ التَّفَارِيعِ الْمَذْهَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ الْإِيرَادُ عَلَيْهِمْ ، وَأَيْضًا فَقَدْ قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ مِثْلِ قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَإِذَا ثَبَتْنَا لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ فِيمَا إذَا تَبَايَعَا عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا .
( فَإِنْ قُلْتَ ) إنَّهُمَا فِي زَمَانِ الْخِيَارِ مُتَمَكِّنَانِ مِنْ الْفَسْخِ فَلَهُمَا طَرِيقٌ فِي رَفْعِ الْعَقْدِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَلَا يُبَاحُ لَهُمَا التَّفَرُّقُ ، وَأَمَّا بَعْدَ اللُّزُومِ فَلَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَّا التَّفَرُّقَ ( قُلْتُ ) بَعْدَ اللُّزُومِ لَا طَرِيقَ لَهُمَا إلَى رَفْعِ الْعَقْدِ ، وَارْتِفَاعُهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمَا كَتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِذَا تَفَرَّقَا فَقَدْ فَعَلَا مَا لَيْسَ لَهُمَا فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ بِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) جَزْمُهُمْ بِأَنَّهُ إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا يَعْصِي لِقَطْعِهِ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ ، فَعَلَى قَاعِدَتِهِمْ وَقَوْلِهِمْ أَنَّهُمَا إذَا تَفَرَّقَا رَاضِيَيْنِ لَا يَعْصِيَانِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَفْسِهِ أَوْ خَاصِّ مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ فِي نَفْسِهِ مُبَاحًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْجِزُ نَفْسَهُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ عَنْهُ ، وَالزَّوْجُ يُطَلِّقُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فِي نَفْسِ الصَّدَاقِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودًا لِلشَّرْعِ فَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُفَارِقَهُ لِاسْتِلْزَامِهِ تَفْوِيتَ التَّقَابُضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ شَرْعًا تَحَرُّزًا عَنْ الرِّبَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا كُلُّهُ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ ، وَإِنْ فَرَّعْنَاهُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فَالْخِيَارُ بَاقٍ بِحَالِهِ فَإِنْ تَقَابَضَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ الْعَقْدُ وَاسْتَقَرَّ وَكَانَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَيَّرَا ، كَذَلِكَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَا إشْكَالَ فِي التَّفْرِيعِ ، فَإِنَّ التَّخَايُرَ مُلْحَقٌ بِالتَّفَرُّقِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَأْثَمَا بِهِ كَمَا يَأْثَمَانِ بِالتَّفَرُّقِ ، وَالتَّخَايُرُ الْمُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا مَعًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ خِيَارُهُمَا كَالتَّفَرُّقِ ، أَمَّا إذَا أَجَازَ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّفَرُّقِ ، حَتَّى يَبْطُلَ بِهِ ، فَإِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ بَاقٍ فَإِنْ أَجَازَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّقَابُضِ لَا إثْمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْحُكْمِ بِإِثْمِ السَّابِقِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ نَظَرٌ وَهَذَا الَّذِي 17 قُلْتُهُ مِنْ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ تَفَقُّهٌ لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهُ مَنْقُولًا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا فَارَقَ أَحَدُهُمَا تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ ابْنِ سُرَيْجٍ صُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ، كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْبَسِيطِ : وَإِنْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمَقْصُودِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْإِمَامِ وَالرَّافِعِيِّ ، أَمَّا لَوْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا بِرِضَى الْآخَرِ ، فَإِنَّ حُكْمَهُ مَا لَوْ تَفَرَّقَا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ فِي عُقُودِ الرِّبَا وَالصَّرْفِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّقَابُضُ وَبِبُطْلَانِ الْعَقْدِ بِذَلِكَ أَوْ لُزُومِهِ ، أَوْ إلْغَاءِ الْإِجَارَةِ . وَتَفَارِيعُ ذَلِكَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي السَّلَمِ ، لَوْ أَجَزْتَ الْإِجَارَةَ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ فِيهِ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَتَكَلَّمَ فِيهِمَا . وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث