المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( فَرْعٌ ) لَوْ ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَ تَلَفِ الْمَقْبُوضِ الْمَعِيبِ ذَكَرَ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ إنْ جَوَّزْنَا الِاسْتِبْدَالَ غَرِمَ مَا تَلِفَ عَنْهُ وَيَسْتَبْدِلُ ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ الِاسْتِبْدَالَ فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُخْتَلِفًا يَسْتَرِدُّ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُتَّفِقًا فَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ ، يَعْنِي الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ فِي نَظِيرِهِ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ وَأَصَحُّهَا عِنْدَهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَرْشَ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ خِلَافًا لِمَا جَزَمَ بِهِ كَثِيرُونَ كَمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
123 وَقَدْ أَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دِينَارًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا بَعْدَ تَلَفِهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ فِيهِ وَجْهَانِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُمَا مَبْسُوطَيْنِ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْرِيعًا عَلَى امْتِنَاعِ أَخْذِ الْأَرْشِ : فَإِذَا رَدَّ مِثْلَ الدِّينَارِ الْمَعِيبِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ أَوْ رَدَّ قِيمَتَهُ وَرِقًا فِيمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى الدِّينَارَ الَّذِي بَانَ عَيْبُهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ سَلِيمًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَضَيَا فَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ امْتِنَاعَ مَنْ أَخَذَ الْأَرْشَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَجَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْجِنْسَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَهُوَ عَكْسُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، هَذَا كُلُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ فِي الذِّمَّةِ ، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَوْصُوفًا وَالْآخَرُ مُعَيَّنًا . أَمَّا إذَا كَانَا مُعَيَّنَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا هَاهُنَا .
وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ أَنَّ الصَّرْفَ قِسْمَانِ صَرْفٌ لِلنَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ فَالْعَيْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْكُلِّ أَوْ بِالْبَعْضِ ، فَإِنْ كَانَ بِالْكُلِّ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَنَانِيرَ فَخَرَجَتْ نُحَاسًا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُجَرَّدِ ، وَالْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ أَنَّهُ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ قُدِّرَ عَلَى عَيْنِهِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ : وَإِنْ كَانَ رَأْيُ مَنْ قَبِلَ أَنَّهُ نُحَاسٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ فِضَّةٍ فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَا اشْتَرَى ، وَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا نَصٌّ يُبْطِلُ كُلَّ تَخْرِيجٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجِئْ هَذَا الْخِلَافُ . وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا بَدَلٌ وَهُوَ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لَمْ يَقْتَصِرْ الشَّافِعِيُّ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِاخْتِلَافٍ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَجَعَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَهُوَ غَرِيبٌ 124 أَوْ تَوَسَّعَ فِي الْإِطْلَاقِ ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْثِلَةٌ يَجْمَعُهَا الِاخْتِلَافُ فِي النَّظَرِ إلَى الْإِشَارَةِ أَوْ الْعِبَارَةِ .
( مِنْهَا ) إذَا قَالَ : بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَغْلَةَ فَخَرَجَتْ حِمَارًا وَفِي الْبِغَالِ نَوْعٌ يُشْبِهُ الْحَمِيرَ يَكُونُ بِطَبَرِسْتَانَ .
( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ قُطْنٍ فَإِذَا هُوَ كَتَّانٌ ، نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ الْأَصْحَابِ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَزٌّ فَخَرَجَ كَتَّانًا ، لِأَنَّ الْكَتَّانَ الْخَامَ يُشْبِهُ الْقَزَّ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ .
( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَخَرَجَ زُجَاجًا . نَقَلَهُ الْجَوْزِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى غُلَامًا فَكَانَ جَارِيَةً .
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي آخِرِ شَطْرٍ مِنْ بَابِ الرِّبَا ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ مَا إذَا جَرَى الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، أَمَّا إذَا جَرَى بِلَفْظِ الصَّرْفِ فَيَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ بَيْعَ النَّقْدِ بِالنُّحَاسِ لَا يَشْمَلُهُ اسْمُ الصَّرْفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَذَاكَ ، وَإِنْ رَدَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَأْخُذُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِالْبُطْلَانِ شَرْطُهَا أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْجِنْسِ كَمَا رَأَيْتَ أَمَّا لَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَلَا يَبْطُلُ ، كَمَا إذَا اشْتَرَى دَنَانِيرَ عَلَى أَنَّهَا مَغْرِبِيَّةٌ فَخَرَجَتْ مَشْرِقِيَّةً ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ فَخَرَجَتْ أَصْفَرَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ هَرَوِيٌّ فَإِذَا هُوَ غَيْرُ هَرَوِيٍّ ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَذَكَرَ فِيهَا وَجْهَيْنِ ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَذَكَرَ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ، وَلَعَلَّهُ أَثْبَتَ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ قَوْلًا . وَقَدْ وَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَهْمٌ فِي النَّقْلِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ فِي الْإِجَازَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ بِالْقِسْطِ فَقَالَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّهُ جَزَمَ بِالْقِسْطِ ، وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ إنَّهُ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ ، وَذَلِكَ تَخْلِيطٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ ، وَاخْتِلَافُ أَبِي الطَّيِّبِ 125 وَالْمَاوَرْدِيِّ لَيْسَ فِي هَذَا الْقِسْمِ ، بَلْ فِي قِسْمٍ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ . هَذَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ .
أَمَّا إذَا كَانَ بِبَعْضِهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَرَاهِمَ فَوَجَدَ بَعْضَهَا نُحَاسًا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النُّحَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ . فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَفْرِيقَ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ وَاسْتَرَدَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ ، وَإِنْ قُلْنَا يُفَرَّقُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - كَانَ لَهُ إمْسَاكُ الْبَاقِي ، وَبِمَاذَا يُمْسِكُهُ ؟ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، هَلْ ، يُمْسِكُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِالْجَمِيعِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ ، وَهُمَا الْقَوْلَانِ فِيمَا عَدَاهَا مِنْ صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْحِصَّةِ ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَخُشُونَةِ الْفِضَّةِ وَرَدَاءَةِ الْمَعْدِنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ الْعَيْبُ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ أَوْ بَعْدَ تَلَفِهِ فَإِنْ ظَهَرَ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ وَبَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ . وَحُكْمُ الرَّدِّ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ وَلَا يَسْتَبْدِلَ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، سَوَاءٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ فَإِنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْمَعِيبِ ، لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مَوْضِعُهُ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَفَاصِيلُ ذَلِكَ وَأَحْكَامُهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْفَرْضُ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْشَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ .
( إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ) فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّهِ وَبَيْنَ الرِّضَى بِهِ مَعِيبًا بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْبَعْضِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ لِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي الصَّفْقَةِ ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُمَا إلَّا إذَا كَانَا مَعِيبَيْنِ وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
126 وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيُمْسِكَ السَّلِيمَ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ : فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ ، لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّفْرِيقُ ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ .
وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ . وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّفْقَةَ تُفَرَّقُ فَالْخِلَافُ وَإِنْ كَانَ مُخَرَّجًا عَلَى الْخِلَافِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ الصَّحِيحِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَتَبَعَّضُ كُلًّا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ; إمْسَاكِ الْجَمِيعِ وَرَدِّ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قُلْنَا تُفَرَّقُ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يُخَيَّرُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْعَيْبِ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُخَيَّرُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ حَظُّهُ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرْجِعُ بِإِزَائِهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَيَكُونُ رَدُّهُ سَفَهًا لِأَنَّ تَبْقِيَتَهُ عَلَى مِلْكِهِ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ رَدِّهِ هَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْإِجَازَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ لِإِفْضَائِهِ إلَى هَذَا الْمَحْذُورِ ؟ أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ عَلَى الْكُلِّ ، فَإِذَا ارْتَفَعَ فِي بَعْضِهِ يَسْقُطُ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، بِخِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَلَا يَجْرِي قَوْلُ الْإِجَازَةِ بِالْكُلِّ هَاهُنَا .
الْأَوَّلُ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْجُرْجَانِيِّ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَمْتَنِعُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ وَاللَّفْظُ الثَّانِي هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ قُلْنَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فَلَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ .
ذَكَرَ ذَلِكَ فِي فُرُوعٍ فِي آخِرِ بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ . فَعَلَى الْأَوَّلِ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّةً ; رَدِّ الْجَمِيعِ وَإِمْسَاكِ الْجَمِيعِ ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ لِهَذَا الْمَحْذُورِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ; رَدِّ الْجَمِيعِ ، وَإِمْسَاكِ الْجَمِيعِ ، وَإِمْسَاكِ السَّلِيمِ بِالْحِصَّةِ لَيْسَ إلَّا ، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالْمَحَامِلِيُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ( فَإِنْ قِيلَ ) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ أَخَذَهُ بِحِسَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَيْبُ بَعْضِهَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْجِنْسِ 127 قَبْلَ التَّفَرُّقِ بَيْنَهُمَا ؟ أَنَّ هَاهُنَا قَدْ كَانَ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى الْكُلِّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنَّمَا فُسِخَ فِي الْبَعْضِ الْمَعِيبِ وَأَقَامَ عَلَى الْبَعْضِ السَّلِيمِ طَلَبًا لِلْحَظِّ . فَلَوْ قِيلَ : يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ كَانَ فَسْخُ الْبَيْعِ سَفَهًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ قَدْ بَطَلَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، فَجَازَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ السَّلِيمَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَهَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالصَّرْفِ وَالرِّبَا ، بَلْ هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ أَيْضًا إذَا ظَهَرَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ وَأَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ ، وَإِمْسَاكَ السَّلِيمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُمْسِكَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَدُّ الْمَعِيبِ سَفَهًا بِخِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَحُرًّا ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إمْسَاكُ الْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ . وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَقُلْنَا بِالتَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَطْعًا عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ طَرِيقَةً ضَعِيفَةً أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُمْسِكُ السَّلِيمَ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ . وَأَمَّا امْتِنَاعُ التَّفْرِيقِ أَوْ جَوَازُهُ وَالْقَطْعُ بِالتَّوْزِيعِ فَفِيهِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ الْبَحْثِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إلَّا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ اخْتِلَافِ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ الْمُعَيَّنُ فِي جِنْسَيْنِ
123 وَقَدْ أَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى دِينَارًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا بَعْدَ تَلَفِهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ بِجِنْسِهِ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِالْأَرْشِ ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ فِيهِ وَجْهَانِ . وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُمَا مَبْسُوطَيْنِ فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْرِيعًا عَلَى امْتِنَاعِ أَخْذِ الْأَرْشِ : فَإِذَا رَدَّ مِثْلَ الدِّينَارِ الْمَعِيبِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ أَوْ رَدَّ قِيمَتَهُ وَرِقًا فِيمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ قَدْ اشْتَرَى الدِّينَارَ الَّذِي بَانَ عَيْبُهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَيَّنٍ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ سَلِيمًا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَضَيَا فَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ امْتِنَاعَ مَنْ أَخَذَ الْأَرْشَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَجَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْجِنْسَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّرْفِ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَهُوَ عَكْسُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ ، هَذَا كُلُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ فِي الذِّمَّةِ ، وَمِثْلُهُ جَارٍ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَوْصُوفًا وَالْآخَرُ مُعَيَّنًا . أَمَّا إذَا كَانَا مُعَيَّنَيْنِ فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا هَاهُنَا .
وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ أَنَّ الصَّرْفَ قِسْمَانِ صَرْفٌ لِلنَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَالدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ فَالْعَيْبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْكُلِّ أَوْ بِالْبَعْضِ ، فَإِنْ كَانَ بِالْكُلِّ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَنَانِيرَ فَخَرَجَتْ نُحَاسًا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُجَرَّدِ ، وَالْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي الْإِفْصَاحِ أَنَّهُ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ قُدِّرَ عَلَى عَيْنِهِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ : وَإِنْ كَانَ رَأْيُ مَنْ قَبِلَ أَنَّهُ نُحَاسٌ أَوْ شَيْءٌ غَيْرُ فِضَّةٍ فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَا اشْتَرَى ، وَالْبَيْعُ مُنْتَقَضٌ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا نَصٌّ يُبْطِلُ كُلَّ تَخْرِيجٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجِئْ هَذَا الْخِلَافُ . وَفِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ وَلَا بَدَلٌ وَهُوَ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لَمْ يَقْتَصِرْ الشَّافِعِيُّ عَلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ بِاخْتِلَافٍ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَجَعَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَهُوَ غَرِيبٌ 124 أَوْ تَوَسَّعَ فِي الْإِطْلَاقِ ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمْثِلَةٌ يَجْمَعُهَا الِاخْتِلَافُ فِي النَّظَرِ إلَى الْإِشَارَةِ أَوْ الْعِبَارَةِ .
( مِنْهَا ) إذَا قَالَ : بِعْتُكَ هَذِهِ الْبَغْلَةَ فَخَرَجَتْ حِمَارًا وَفِي الْبِغَالِ نَوْعٌ يُشْبِهُ الْحَمِيرَ يَكُونُ بِطَبَرِسْتَانَ .
( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ قُطْنٍ فَإِذَا هُوَ كَتَّانٌ ، نَقَلَهُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ الْأَصْحَابِ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ قَزٌّ فَخَرَجَ كَتَّانًا ، لِأَنَّ الْكَتَّانَ الْخَامَ يُشْبِهُ الْقَزَّ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ .
( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى فَصًّا عَلَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَخَرَجَ زُجَاجًا . نَقَلَهُ الْجَوْزِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ( وَمِنْهَا ) إذَا اشْتَرَى غُلَامًا فَكَانَ جَارِيَةً .
قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي آخِرِ شَطْرٍ مِنْ بَابِ الرِّبَا ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَفِيهِ الْوَجْهُ الَّذِي تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْوَجْهِ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ مَا إذَا جَرَى الْعَقْدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، أَمَّا إذَا جَرَى بِلَفْظِ الصَّرْفِ فَيَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ بَيْعَ النَّقْدِ بِالنُّحَاسِ لَا يَشْمَلُهُ اسْمُ الصَّرْفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فَذَاكَ ، وَإِنْ رَدَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَأْخُذُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بِالْبُطْلَانِ شَرْطُهَا أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْجِنْسِ كَمَا رَأَيْتَ أَمَّا لَوْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فَلَا يَبْطُلُ ، كَمَا إذَا اشْتَرَى دَنَانِيرَ عَلَى أَنَّهَا مَغْرِبِيَّةٌ فَخَرَجَتْ مَشْرِقِيَّةً ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا ذَهَبٌ أَحْمَرُ فَخَرَجَتْ أَصْفَرَ أَوْ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ هَرَوِيٌّ فَإِذَا هُوَ غَيْرُ هَرَوِيٍّ ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي بَابِ بَيْعِ الْمُصَرَّاةِ وَذَكَرَ فِيهَا وَجْهَيْنِ ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَذَكَرَ ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ، وَلَعَلَّهُ أَثْبَتَ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ قَوْلًا . وَقَدْ وَقَعَ فِي الْكِفَايَةِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ وَهْمٌ فِي النَّقْلِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ فِي الْإِجَازَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ بِالْقِسْطِ فَقَالَ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ : إنَّهُ جَزَمَ بِالْقِسْطِ ، وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ إنَّهُ خَرَّجَهُ عَلَى الْخِلَافِ ، وَذَلِكَ تَخْلِيطٌ نَشَأَ مِنْ عَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ ، وَاخْتِلَافُ أَبِي الطَّيِّبِ 125 وَالْمَاوَرْدِيِّ لَيْسَ فِي هَذَا الْقِسْمِ ، بَلْ فِي قِسْمٍ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ . هَذَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ .
أَمَّا إذَا كَانَ بِبَعْضِهَا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا إذَا اشْتَرَى دَرَاهِمَ فَوَجَدَ بَعْضَهَا نُحَاسًا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النُّحَاسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ . فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَفْرِيقَ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ وَاسْتَرَدَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ ، وَإِنْ قُلْنَا يُفَرَّقُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - كَانَ لَهُ إمْسَاكُ الْبَاقِي ، وَبِمَاذَا يُمْسِكُهُ ؟ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، هَلْ ، يُمْسِكُ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ بِالْجَمِيعِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ ، وَهُمَا الْقَوْلَانِ فِيمَا عَدَاهَا مِنْ صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْحِصَّةِ ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَخُشُونَةِ الْفِضَّةِ وَرَدَاءَةِ الْمَعْدِنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ الْعَيْبُ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ أَوْ بَعْدَ تَلَفِهِ فَإِنْ ظَهَرَ وَالْمَعِيبُ بَاقٍ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ وَيَسْتَرْجِعَ الثَّمَنَ وَبَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ . وَحُكْمُ الرَّدِّ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِبَدَلِهِ وَلَا يَسْتَبْدِلَ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، سَوَاءٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَبَعْدَهُ فَإِنَّ مَوْرِدَ الْعَقْدِ مُعَيَّنٌ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْمَعِيبِ ، لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مَوْضِعُهُ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَفَاصِيلُ ذَلِكَ وَأَحْكَامُهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْفَرْضُ فِي صَرْفِ النَّقْدِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ الْأَرْشَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ .
( إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ) فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْجَمِيعِ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّهِ وَبَيْنَ الرِّضَى بِهِ مَعِيبًا بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالْبَعْضِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ لِوُجُودِ الْعَيْبِ فِي الصَّفْقَةِ ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُمَا إلَّا إذَا كَانَا مَعِيبَيْنِ وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
126 وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَعِيبَ وَيُمْسِكَ السَّلِيمَ ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْأُمِّ : فَإِنْ رَدَّهُ رَدَّ الْبَيْعَ كُلَّهُ ، لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهَذَا الْكَلَامُ قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّفْرِيقُ ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ .
وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَطْبَقُوا عَلَى تَخْرِيجِهِ عَلَى قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ . وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ هُنَا ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّفْقَةَ تُفَرَّقُ فَالْخِلَافُ وَإِنْ كَانَ مُخَرَّجًا عَلَى الْخِلَافِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ الصَّحِيحِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَتَبَعَّضُ كُلًّا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ; إمْسَاكِ الْجَمِيعِ وَرَدِّ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قُلْنَا تُفَرَّقُ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يُخَيَّرُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْعَيْبِ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُخَيَّرُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ حَظُّهُ فِي رَدِّ الْمَعِيبِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَرْجِعُ بِإِزَائِهِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَيَكُونُ رَدُّهُ سَفَهًا لِأَنَّ تَبْقِيَتَهُ عَلَى مِلْكِهِ أَصْلَحُ لَهُ مِنْ رَدِّهِ هَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْإِجَازَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ لِإِفْضَائِهِ إلَى هَذَا الْمَحْذُورِ ؟ أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ عَلَى الْكُلِّ ، فَإِذَا ارْتَفَعَ فِي بَعْضِهِ يَسْقُطُ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، بِخِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَلَا يَجْرِي قَوْلُ الْإِجَازَةِ بِالْكُلِّ هَاهُنَا .
الْأَوَّلُ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْجُرْجَانِيِّ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَمْتَنِعُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ وَاللَّفْظُ الثَّانِي هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ قُلْنَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فَلَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ وَإِمْسَاكُ السَّلِيمِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَعِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ قَرِيبَةٌ مِنْهُمْ .
ذَكَرَ ذَلِكَ فِي فُرُوعٍ فِي آخِرِ بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ . فَعَلَى الْأَوَّلِ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّةً ; رَدِّ الْجَمِيعِ وَإِمْسَاكِ الْجَمِيعِ ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ لِهَذَا الْمَحْذُورِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ; رَدِّ الْجَمِيعِ ، وَإِمْسَاكِ الْجَمِيعِ ، وَإِمْسَاكِ السَّلِيمِ بِالْحِصَّةِ لَيْسَ إلَّا ، وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالْمَحَامِلِيُّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ( فَإِنْ قِيلَ ) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ أَخَذَهُ بِحِسَابِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَوْلًا وَاحِدًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَيْبُ بَعْضِهَا يُخْرِجُهَا مِنْ الْجِنْسِ 127 قَبْلَ التَّفَرُّقِ بَيْنَهُمَا ؟ أَنَّ هَاهُنَا قَدْ كَانَ لَهُ الْمُقَامُ عَلَى الْكُلِّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنَّمَا فُسِخَ فِي الْبَعْضِ الْمَعِيبِ وَأَقَامَ عَلَى الْبَعْضِ السَّلِيمِ طَلَبًا لِلْحَظِّ . فَلَوْ قِيلَ : يَأْخُذُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ كَانَ فَسْخُ الْبَيْعِ سَفَهًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِيهِ قَدْ بَطَلَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، فَجَازَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ السَّلِيمَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَهَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالصَّرْفِ وَالرِّبَا ، بَلْ هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدَيْنِ أَيْضًا إذَا ظَهَرَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ وَأَرَادَ رَدَّ الْمَعِيبِ وَحْدَهُ ، وَإِمْسَاكَ السَّلِيمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُمْسِكَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ رَدُّ الْمَعِيبِ سَفَهًا بِخِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَحُرًّا ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إمْسَاكُ الْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ . وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَقُلْنَا بِالتَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ قَطْعًا عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَى صَاحِبُ التَّتِمَّةِ طَرِيقَةً ضَعِيفَةً أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَيْضًا ، وَصَاحِبُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُمْسِكُ السَّلِيمَ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ . وَأَمَّا امْتِنَاعُ التَّفْرِيقِ أَوْ جَوَازُهُ وَالْقَطْعُ بِالتَّوْزِيعِ فَفِيهِ مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ الْبَحْثِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إلَّا مَا فَهِمْتُهُ مِنْ اخْتِلَافِ عِبَارَاتِ الْأَصْحَابِ كَمَا قَدَّمْتُ لَكَ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ الْمُعَيَّنُ فِي جِنْسَيْنِ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث