المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
هَذِهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَعَلَى مَا إذَا كَانَ نَوْعَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ . وَيُعَبِّرُ الْأَصْحَابُ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بِقَاعِدَةِ ( مَدُّ عَجْوَةٍ ) وَضَابِطُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ تَشْتَمِلَ الصَّفْقَةُ عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَيَخْتَلِفُ مَعَ ذَلِكَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا جِنْسًا أَوْ نَوْعًا أَوْ صَفْقَةً فَقَوْلُنَا : مَالٌ وَاحِدٌ خَرَجَ بِهِ مَا إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى جِنْسِ مَالِ الرِّبَا كَمَا إذَا بَاعَ قَمْحًا وَشَعِيرًا بِتَمْرٍ وَزَبِيبٍ فَإِنَّهُ لَوْلَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَدَخَلَ تَحْتَ الضَّابِطِ ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ : أَنْ يَبِيعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا غَيْرُهُ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا ، أَوْ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ وَهَذِهِ عِبَارَةُ أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ . وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكِتَابِ وَفِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَحْسَنِ الْعِبَارَاتِ وَأَسْلَمِهَا ، لَكِنْ فِيهَا اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا ، وَسَأَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَوَّلُ مَا يُعْتَنَى بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَصْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْجَهْلَ بِالْمُمَاثَلَةِ لِحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا ، وَيَشْهَدُ لَهُ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ لَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهَا وَمَنَعَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ خَرْصًا فِي غَيْرِ الْعَرَايَا . قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ : وَهِيَ تُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي عُرِفَ لَنَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا ، 245 وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَيْعِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ الْحَظْرِ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَلَّصُ عَنْ الْحَظْرِ بِالْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْوَجْهُ يَبْقَى مَحْظُورًا تَمَسُّكًا بِالْأَصْلِ .
( وَالْأَصْلُ الثَّانِي ) أَنَّ اخْتِلَافَ الْعِوَضَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ وَتَوْزِيعَ الثَّمَنِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ لِدَلِيلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ فَإِنَّ التُّجَّارَ يَقْصِدُونَ بِالشِّرَاءِ التَّثْمِينَ ( وَالثَّانِي ) مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا وَثَوْبًا ثُمَّ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مُسْتَحِقًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَالشَّفِيعُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ ، وَلَهُ حَالَةُ الْعَقْدِ ، فَلَوْلَا أَنَّ التَّوْزِيعَ حَاصِلٌ حِينَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ ، وَكَمَا فِي رَدِّ الْبَعْضِ بِالْعَيْبِ وَتَلَفِ الْبَعْضِ عِنْدَ الْبَائِعِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْلَا التَّوْزِيعُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا تَوَزَّعَ فِي الِانْتِهَاءِ ، وَلَا يُتْرَكُ التَّوْزِيعُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ لَهُ مُقْتَضَى حُمِلَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَدَّى إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ أَوْ إلَى صَلَاحِهِ ، كَمَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُقَابَلَةَ جَمِيعِ الثَّمَنِ حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى فَسَادِهِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةٌ وَالْآخَرُ ثَمَنٌ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَغْلِبُ وَجْهُ الصِّحَّةِ بِكُلِّ حَالٍ مَمْنُوعٍ قَالَ الْعِجْلِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْوَسِيطِ بِعَرَضِ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَيِّدُ لِوَاحِدٍ وَالرَّدِيءُ لِآخَرَ قَائِلًا : هُمَا ثَمَانُونَ ، فَيَقُولُ صَاحِبُ الْمِائَةِ الْجَيِّدَةِ نَزَلَ عَنْ مِائَةٍ ، وَحَصَلَ أَكْثَرُ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ بِالْبَيْعِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بَيَانُهُ أَنَّ قِيمَةَ الْجَيِّدَةِ إذَا كَانَتْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الرَّدِيءِ أَلْفًا ، وَصَاحِبُ الْجَيِّدَةِ أَخَذَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ وَهُوَ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ ، وَصَاحِبُ الرَّدِيءِ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِالْمِائَةِ ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلْثَانِ ، وَهَذَا عَيْنُ الرِّبَا وَهَذَا مُقْتَضَى لِلْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ : لَمْ يَقْتَضِ الْعَقْدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكًا أَصْلًا ، أَوْ اقْتَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مُلْكًا فِي الْكُلِّ أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا فِي النِّصْفِ عَلَى التَّسَاوِي ، أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا بِحَسَبِ مَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ الْقِيمَةِ . وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى ظَاهِرَةُ الْبُطْلَانِ فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنَّ مَا ظَهَرَ بِالْقِيمَةِ ، وَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمِلْكِ فَكَذَا عِنْدَ اتِّحَادِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى 246 الْعَقْدِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَالْقِسْمَةِ ، لَا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ إذْ بَاذِلُ الْجَيِّدِ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْتَفِيدَ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ ، وَلَا بَاذِلَ الثَّمَنِ يَبْذُلُهُ عَلَى التَّسَاوِي ، بَلْ هَذَا الْقَصْدُ ضَرُورِيٌّ فِي نَفْسِ الْمُعَاقَدِ . وَمُطْلَقُ كَلَامِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا يُقْصَدُ فِي عَادَةِ التَّعَامُلِ . فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ بِزِيَادَةٍ . انْتَهَى .
ثُمَّ أَلْزَمَهُمْ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : التَّفَاضُلُ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ ، وَالِانْقِسَامُ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْمِلْكِ ، أَوْ اخْتِلَافَ الْعَيْبِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقَ أَوْ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ الْأَرْبَعَةِ أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكُلَّ بِالْكُلِّ ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَفَاضُلٌ ( قُلْنَا ) كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ ، وَأَنْتُمْ تُصَحِّحُونَ الْعَقْدَ مَعَ أَنْ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ وَالتَّفَاضُلِ مَوْجُودٌ . انْتَهَى . وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فَرَضَهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَرْضَ ، وَلِأَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَيْضًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ فَيَصِحُّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَلْزَمَ أَصْحَابُنَا الْخَصْمَ بِالتَّوْزِيعِ ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ نَسِيئَةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ آخَرَ بِأَكْثَرَ نَقْدًا فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ ، وَاعْتَذَرُوا عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِأَنَّ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وُجُوهُ الصِّحَّةِ كَثِيرَةٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ أَلْفًا وَمَا فَوْقَهُ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمُ الْعَقْدِ الثَّانِي ، وَإِذَا كَثُرَتْ الْوُجُوهُ صَارَ مَا قَابَلَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْمَانِ مَجْهُولًا فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ ، وَأَبْطَلَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِعَشَرَةٍ وَأَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً وَأَكْرَاهَا بِأَحَدَ عَشَرَةَ أُجْرَةً فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ دِرْهَمًا ، وَمَا زَادَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَمْ يَفْعَلُوا ، بَلْ جَعَلُوا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ وَالزِّيَادَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ ، وَصَحَّحُوهُ . 247 قَالَ أَصْحَابُنَا : وَقَدْ تَكْثُرُ وُجُوهُ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ ، وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَجْعَلَ مُدَّيْ الْحِنْطَةِ بِمُدَّيْ شَعِيرٍ ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدَّيْ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَكَذَا مُدُّ حِنْطَةٍ وَمُدُّ شَعِيرٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ مُدَّيْ شَعِيرٍ .
فَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوهُ الصِّحَّةِ . وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزْتُمْ وَأَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَتَصَرَّفَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ . وَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مُقَابَلَةٍ لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهَا . بِأَنْ يَجْعَلَ الدِّرْهَمَ بِالْمُدِّ فَقَدْ اتَّضَحَ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ نَظَرًا وَأَلْزَمَا اتِّجَاهَ الْقَوْلِ بِالتَّوْزِيعِ . قَالَ الْفَارِقِيُّ : وَهَذَا أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْذُلُ مِنْ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ مَا يَبْذُلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ . عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا ، بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ مِمَّا فِي الشِّقِّ الْآخَرِ ، بِأَنْ يُقَالَ : ثُلُثُ الْمُدِّ وَثُلُثُ الدِّرْهَمِ يُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ ، يَعْنِي إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَكْلِيفِ تَوْزِيعٍ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ .
( قَالَ ) وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدِي فِي التَّعْلِيلِ أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِالْمُمَاثَلَةِ تَحْقِيقًا ، وَإِذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ لَمْ يُحَقِّقْ الْمُمَاثَلَةَ فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلِنَاصِرِيهَا أَنْ يَقُولُوا : أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ التَّوْزِيعُ الْمُفَضَّلُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّفْعِ ؟ وَلَوْلَا كَوْنُهُ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ لَكَانَ ضَمُّ السَّيْفِ إلَى الشِّقْصِ مِنْ الْأَسْبَابِ الدَّافِعَةِ لِلشُّفْعَةِ ، فَإِنَّهَا قَدْ تَنْدَفِعُ بِعَوَارِضَ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّا تَعَبَّدْنَا بِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ تَعَبَّدْنَا بِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا إذَا تَمَحَّضَتْ مُقَابَلَةُ شَيْءٍ مِنْهَا بِجِنْسِهِ أَمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ ( إنْ قُلْنَا ) بِالثَّانِي فَمَمْنُوعٌ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ فَمُسَلَّمٌ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ ، وَالِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْإِمَامِ حَقٌّ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَا يُقَوِّيهِ فِيمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ( وَأَمَّا ) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَضَعِيفٌ ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَرْضِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ ، لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ مَبِيعٌ قَطْعًا ، وَلَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا تَمْرٌ ، وَمَتَى 248 صَدَقَ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ وَجَبَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِالنَّصِّ وَبِمَحْضِ الْمُقَابَلَةِ ، فَمُدٌّ زَائِدٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ فِي جَعْلِهِ الْعَمْدَ فِي التَّوْزِيعِ مَنْسُوبَةً لِلْأَصْحَابِ فَإِنَّهَا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَمَدَ حَدِيثَ الْقِلَادَةِ قَالَ : وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعَرُّضًا لَهُ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ بَلْ عَنْ الْأَصْحَابِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
( وَالْأَصْلُ الثَّانِي ) أَنَّ اخْتِلَافَ الْعِوَضَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ وَتَوْزِيعَ الثَّمَنِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ لِدَلِيلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ فَإِنَّ التُّجَّارَ يَقْصِدُونَ بِالشِّرَاءِ التَّثْمِينَ ( وَالثَّانِي ) مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ كَمَا إذَا بَاعَ عَبْدًا وَثَوْبًا ثُمَّ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مُسْتَحِقًّا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَالشَّفِيعُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِمَا شَاءَ ، وَلَهُ حَالَةُ الْعَقْدِ ، فَلَوْلَا أَنَّ التَّوْزِيعَ حَاصِلٌ حِينَ الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ ، وَكَمَا فِي رَدِّ الْبَعْضِ بِالْعَيْبِ وَتَلَفِ الْبَعْضِ عِنْدَ الْبَائِعِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَوْلَا التَّوْزِيعُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا تَوَزَّعَ فِي الِانْتِهَاءِ ، وَلَا يُتْرَكُ التَّوْزِيعُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ الْبَيْعِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ لَهُ مُقْتَضَى حُمِلَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَدَّى إلَى فَسَادِ الْعَقْدِ أَوْ إلَى صَلَاحِهِ ، كَمَا إذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُقَابَلَةَ جَمِيعِ الثَّمَنِ حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَدَّى إلَى فَسَادِهِ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَحَدِ الدِّرْهَمَيْنِ هِبَةٌ وَالْآخَرُ ثَمَنٌ لِيَصِحَّ الْعَقْدُ . وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَغْلِبُ وَجْهُ الصِّحَّةِ بِكُلِّ حَالٍ مَمْنُوعٍ قَالَ الْعِجْلِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْوَسِيطِ بِعَرَضِ الْكَلَامِ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَيِّدُ لِوَاحِدٍ وَالرَّدِيءُ لِآخَرَ قَائِلًا : هُمَا ثَمَانُونَ ، فَيَقُولُ صَاحِبُ الْمِائَةِ الْجَيِّدَةِ نَزَلَ عَنْ مِائَةٍ ، وَحَصَلَ أَكْثَرُ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ بِالْبَيْعِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بَيَانُهُ أَنَّ قِيمَةَ الْجَيِّدَةِ إذَا كَانَتْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الرَّدِيءِ أَلْفًا ، وَصَاحِبُ الْجَيِّدَةِ أَخَذَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ وَهُوَ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ ، وَصَاحِبُ الرَّدِيءِ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بِالْمِائَةِ ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلْثَانِ ، وَهَذَا عَيْنُ الرِّبَا وَهَذَا مُقْتَضَى لِلْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَالَ : لَمْ يَقْتَضِ الْعَقْدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِلْكًا أَصْلًا ، أَوْ اقْتَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مُلْكًا فِي الْكُلِّ أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا فِي النِّصْفِ عَلَى التَّسَاوِي ، أَوْ اقْتَضَى مِلْكًا بِحَسَبِ مَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ الْقِيمَةِ . وَالْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى ظَاهِرَةُ الْبُطْلَانِ فَتَعَيَّنَ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنَّ مَا ظَهَرَ بِالْقِيمَةِ ، وَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمِلْكِ فَكَذَا عِنْدَ اتِّحَادِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى 246 الْعَقْدِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ النَّوْعِ وَالْقِسْمَةِ ، لَا بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ إذْ بَاذِلُ الْجَيِّدِ لَا يَرْضَى أَنْ يَسْتَفِيدَ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ ، وَلَا بَاذِلَ الثَّمَنِ يَبْذُلُهُ عَلَى التَّسَاوِي ، بَلْ هَذَا الْقَصْدُ ضَرُورِيٌّ فِي نَفْسِ الْمُعَاقَدِ . وَمُطْلَقُ كَلَامِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا مَا يُقْصَدُ فِي عَادَةِ التَّعَامُلِ . فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِمُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ بِزِيَادَةٍ . انْتَهَى .
ثُمَّ أَلْزَمَهُمْ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ قِيلَ : التَّفَاضُلُ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ ، وَالِانْقِسَامُ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْمِلْكِ ، أَوْ اخْتِلَافَ الْعَيْبِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقَ أَوْ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ الْأَرْبَعَةِ أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْكُلَّ بِالْكُلِّ ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَفَاضُلٌ ( قُلْنَا ) كَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ ، وَأَنْتُمْ تُصَحِّحُونَ الْعَقْدَ مَعَ أَنْ مُقْتَضَى الِانْقِسَامِ وَالتَّفَاضُلِ مَوْجُودٌ . انْتَهَى . وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا فَرَضَهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْمِلْكِ أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْفَرْضَ ، وَلِأَنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَيْضًا فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَصْمَ يَقُولُ بِصِحَّتِهِ فَيَصِحُّ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَلْزَمَ أَصْحَابُنَا الْخَصْمَ بِالتَّوْزِيعِ ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفٍ نَسِيئَةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ مَعَ آخَرَ بِأَكْثَرَ نَقْدًا فَإِنَّ عِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ بِالْقِسْمَةِ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ ، وَاعْتَذَرُوا عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِأَنَّ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ وُجُوهُ الصِّحَّةِ كَثِيرَةٌ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ أَلْفًا وَمَا فَوْقَهُ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمُ الْعَقْدِ الثَّانِي ، وَإِذَا كَثُرَتْ الْوُجُوهُ صَارَ مَا قَابَلَ الْأَوَّلَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْمَانِ مَجْهُولًا فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ ، وَأَبْطَلَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا بِعَشَرَةٍ وَأَحْدَثَ فِيهَا عِمَارَةً وَأَكْرَاهَا بِأَحَدَ عَشَرَةَ أُجْرَةً فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ دِرْهَمًا ، وَمَا زَادَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا إلَى أَنْ يَبْقَى دِرْهَمٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَمْ يَفْعَلُوا ، بَلْ جَعَلُوا قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّارِ وَالزِّيَادَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْعِمَارَةِ ، وَصَحَّحُوهُ . 247 قَالَ أَصْحَابُنَا : وَقَدْ تَكْثُرُ وُجُوهُ الصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّ حِنْطَةٍ وَمُدَّ شَعِيرٍ وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ ، وَمُدَّ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَجْعَلَ مُدَّيْ الْحِنْطَةِ بِمُدَّيْ شَعِيرٍ ، وَمُدَّيْ شَعِيرٍ بِمُدَّيْ تَمْرٍ وَمُدَّيْ تَمْرٍ بِمُدَّيْ حِنْطَةٍ ، وَكَذَا مُدُّ حِنْطَةٍ وَمُدُّ شَعِيرٍ بِمُدِّ حِنْطَةٍ مُدَّيْ شَعِيرٍ .
فَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوهُ الصِّحَّةِ . وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزْتُمْ وَأَلْزَمَهُمْ أَصْحَابُنَا أَيْضًا إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَتَصَرَّفَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ . وَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مُقَابَلَةٍ لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهَا . بِأَنْ يَجْعَلَ الدِّرْهَمَ بِالْمُدِّ فَقَدْ اتَّضَحَ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ نَظَرًا وَأَلْزَمَا اتِّجَاهَ الْقَوْلِ بِالتَّوْزِيعِ . قَالَ الْفَارِقِيُّ : وَهَذَا أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْذُلُ مِنْ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الرَّدِيءِ مَا يَبْذُلُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَيِّدِ . عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِي فِي وَضْعِهِ تَوْزِيعًا مُفَصَّلًا ، بَلْ مُقْتَضَاهُ مُقَابَلَةُ الْجُمْلَةِ بِالْجُمْلَةِ أَوْ مُقَابَلَةُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِمَّا فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ بِمِثْلِهِ مِمَّا فِي الشِّقِّ الْآخَرِ ، بِأَنْ يُقَالَ : ثُلُثُ الْمُدِّ وَثُلُثُ الدِّرْهَمِ يُقَابِلُ ثُلُثَ الْمُدَّيْنِ ، يَعْنِي إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَكْلِيفِ تَوْزِيعٍ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِضَرُورَةِ الشُّفْعَةِ .
( قَالَ ) وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدِي فِي التَّعْلِيلِ أَنَّا تَعَبَّدْنَا بِالْمُمَاثَلَةِ تَحْقِيقًا ، وَإِذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمُدَّيْنِ لَمْ يُحَقِّقْ الْمُمَاثَلَةَ فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلِنَاصِرِيهَا أَنْ يَقُولُوا : أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ التَّوْزِيعُ الْمُفَضَّلُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّفْعِ ؟ وَلَوْلَا كَوْنُهُ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ لَكَانَ ضَمُّ السَّيْفِ إلَى الشِّقْصِ مِنْ الْأَسْبَابِ الدَّافِعَةِ لِلشُّفْعَةِ ، فَإِنَّهَا قَدْ تَنْدَفِعُ بِعَوَارِضَ ( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ : إنَّا تَعَبَّدْنَا بِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ تَعَبَّدْنَا بِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا إذَا تَمَحَّضَتْ مُقَابَلَةُ شَيْءٍ مِنْهَا بِجِنْسِهِ أَمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ ( إنْ قُلْنَا ) بِالثَّانِي فَمَمْنُوعٌ ( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ فَمُسَلَّمٌ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ ، وَالِاعْتِرَاضُ الْأَوَّلُ الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَلَى الْإِمَامِ حَقٌّ وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَا يُقَوِّيهِ فِيمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ ( وَأَمَّا ) الِاعْتِرَاضُ الثَّانِي فَضَعِيفٌ ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْفَرْضِ الَّذِي فَرَضَهُ وَهُوَ إذَا بَاعَ مُدًّا وَدِرْهَمًا بِمَدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ ، لِأَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ مَبِيعٌ قَطْعًا ، وَلَا مُقَابِلَ لَهُ إلَّا تَمْرٌ ، وَمَتَى 248 صَدَقَ أَنَّهُ بَاعَ تَمْرًا بِتَمْرٍ وَجَبَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِالنَّصِّ وَبِمَحْضِ الْمُقَابَلَةِ ، فَمُدٌّ زَائِدٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ فِي جَعْلِهِ الْعَمْدَ فِي التَّوْزِيعِ مَنْسُوبَةً لِلْأَصْحَابِ فَإِنَّهَا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَمَدَ حَدِيثَ الْقِلَادَةِ قَالَ : وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعَرُّضًا لَهُ ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ بَلْ عَنْ الْأَصْحَابِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث