المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5887 · ص. المطبوع 300 · الشرح
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : إنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ سَعْدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَ أَحَدٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا يَقُولُهُ فِي كُلِّ فَاكِهَةٍ رَطْبَةٍ بِيَابِسِهَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى هَذَا أَبُو يُوسُفَ ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِمْلَاءِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَمُوَافَقَةُ أَبِي يُوسُفَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ الْفَوَاكِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا وَجْهَ لَهُ ، فَمَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ ثَبَتَ فِيهَا ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْمَذْكُورُ فِي الْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ بِالْمَاءِ ( أَمَّا ) الرَّطْبَةُ مِنْ الْأَصْلِ كَالْفَرِيكِ فَلَا يَجُوزُ بِالْيَابِسَةِ ، وَلْنَرْجِعْ عَلَى الْكَلَامِ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَمَحِلِّ الْخِلَافِ فِي الرُّطَبِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْأَرْضِ وَاحْتَجَّ الْمُنْتَصِرُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ إمَّا أَنْ يَكُونَا جِنْسًا وَاحِدًا أَوْ جِنْسَيْنِ فَإِنْ كَانَا جِنْسًا وَاحِدًا فَبَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ 300 جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَا جِنْسَيْنِ فَبَيْعُ جِنْسٍ بِجِنْسٍ آخَرَ أَجْوَزُ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ لَا يَخْفَى .
وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ دَخَلَ بَغْدَادَ فَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَانُوا شَدِيدِينَ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْخَبَرَ فَذَكَرَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ ; فَأُورِدَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَعْدٍ فَقَالَ : إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ لَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ . قَالَ شَارِحُ الْهِدَايَةِ مِنْ كُتُبِهِمْ : وَهَذَا الْكَلَامُ حَسَنٌ فِي الْمُنَاظَرَةِ لِدَفْعِ شَغَبِ الْخَصْمِ ; وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا قِسْمٌ ثَالِثٌ كَمَا فِي الْحِنْطَةِ الْمَقْلِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَقْلِيَّةِ ; يَعْنِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُمْ ، وَمَعَ ذَلِكَ التَّرْدِيدِ الْمَذْكُورِ جَازَ فِيهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ التَّسَاوِي حَالَ الْعَقْدِ لَمْ يُمْنَعْ تَوَقُّعُ نَقْصٍ يَحْدُثُ فِي الْعَقْدِ كَالتَّمْرِ الْحَدِيثِ بِالتَّمْرِ الْحَدِيثِ أَوْ الْعَتِيقِ وَالسِّمْسِمِ بِالسِّمْسِمِ ، وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إلَى الشَّيْرَجِ ( وَأَجَابُوا ) عَنْ حَدِيثِ سَعْدٍ بِجَهَالَةِ زَيْدٍ أَبِي عَيَّاشٍ ، وَبِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ نَسِيئَةً ، وَقَدْ وَرَدَ ذَاكَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ ; فَيُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهَا ، وَيَخُصُّ بِهِ عُمُومَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا ، وَتُحْمَلُ النَّوَاهِي الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى ، مَا إذَا كَانَ الرُّطَبُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَهُوَ الْمُزَابَنَةُ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَنْ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ " وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " التَّمْرُ بِالتَّمْرِ " وَقَالُوا : إنَّ التَّمْرَ اسْمٌ لِثَمَرَةِ النَّخْلِ مِنْ حِينِ يَنْعَقِدُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ . ( وَأَجَابَ ) الْأَصْحَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَلْزَمُ جَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَالدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ ، وَقَدْ وَافَقْنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهَا ، فَإِنْ اعْتَذَرُوا بِأَنَّ طَحْنَ الدَّقِيقِ صَنْعَةٌ تُعَارِضُ عَمَلَهَا ، لَزِمَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا التَّفَاضُلَ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالْحِنْطَةِ ، ثُمَّ إنَّ الصَّنْعَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي عُقُودِ الرِّبَا ( وَعَنْ ) الثَّانِي بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّسَاوِي حَالَةَ الِادِّخَارِ ، وَبِأَنَّ هَذِهِ عِلَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ ، وَعِلَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَكَانَتْ أَوْلَى .
وَعَنْ جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ ، بِمَا تَقَدَّمَ . وَعَنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْمَفْهُومِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِ تِلْكَ الرِّوَايَةِ ، وَتَخْصِيصِ 301 الْعُمُومِ بِأَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِذَلِكَ لَا يَقُولُونَ بِالْمَفْهُومِ ; وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَامَّ الْمَذْكُورَ قَارَنَهُ تَعْلِيلٌ وَهُوَ قَوْلُهُ { ۝ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ } فَصَارَ مَعْنَاهُ خَاصًّا ; كَأَنَّهُ قَالَ : نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ بَعْدُ ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي مَعَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَالْمَفْهُومُ الْمُقَابِلُ لَهُ ( مِنْ ) أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُهُ كَالْقِيَاسِ ، فَيُسْقِطُهُ لِرُجْحَانِ الْمَنْطُوقِ عَلَيْهِ .
( وَمِنْهُمْ ) مَنْ يَقُولُ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَنْطُوقِ وَيَتَقَابَلَانِ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا الْمَنْطُوقُ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ نُطْقٌ خَاصٌّ مَعَهُ تَعْلِيلٌ ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الَّذِي لَا تَعْلِيلَ مَعَهُ هَكَذَا حَكَى هَذَا الْخِلَافَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَالْبِنَاءَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ قَائِلٌ بِمُسَاوَاةِ الْمَفْهُومِ لِلْمَنْطُوقِ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عَنْ التَّعْلِيلِ وَهُوَ غَرِيبٌ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّ الْمَنْطُوقَ رَاجِحٌ عَلَى الْمَفْهُومِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَفْهُومُ خَاصًّا ، وَالْمَنْطُوقُ عَامًّا ، وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ وَبَعْضَهُمْ يُسْقِطُ الْمَفْهُومَ ; وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ وَعَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِقَوْلِهِ : الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ بِأَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي الرُّطَبِ وَالْيَابِسِ ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْيَابِسِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا . وَعَنْ قَوْلِهِ " التَّمْرُ بِالتَّمْرِ " كَأَنَّ الرُّطَبَ لَا يُسَمَّى تَمْرًا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ التَّمْرَ فَأَكَلَ الرُّطَبَ لَمْ يَحْنَثْ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ حَمْلِهِمْ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ لَا يُكَالُ . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُزَابَنَةَ تَعُمُّ الْقِسْمَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى بَيْعِ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مَجْمُوعَةٍ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ .
( أَحَدُهَا ) أَنَّ النَّقْصَ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ ( الثَّانِي ) أَنَّ التَّمْرَ الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ تَسَاوَيَا فِي حَالَةِ الِادِّخَارِ فَلَا يَضُرُّ النُّقْصَانُ بَعْدَ ذَلِكَ .
( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ نُقْصَانَ الْحَدِيثِ يَسِيرٌ وَقَدْ يُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحِنْطَةِ تُرَابٌ وَزُوَانٌ يَسِيرٌ ( قُلْتُ ) وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِذَلِكَ نَقُولُ : إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْعَتِيقِ إذَا لَمْ تَبْقَ النَّدَاوَةُ فِي الْحَدِيثِ 302 بِحَيْثُ يَظْهَرُ دُونَهَا فِي الْمِكْيَالِ . وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ هَذَا الْفَصْلِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْتَرَضَ نَصْرٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِخَبَرِ الْمَجْهُولِ فَكَيْفَ يَدْفَعُونَ هَذَا الْخَبَرَ بِهِ أَوْ كَانَ مَجْهُولًا كَمَا ادَّعُوهُ ؟ وَعُمْدَتُنَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، فَهُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ غَيْرِ شَغَبٍ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا امْتِنَاعَهُ ، وَلَا يُقَالُ : إنَّ الدَّقِيقَ الَّذِي فِي الْحِنْطَةِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّقِيقِ الَّذِي فِي مُقَابِلِهِ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِبَيْعِ جَيِّدَةٍ بِحِنْطَةٍ ضَامِرَةٍ مَهْزُولَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَالدَّقِيقُ فِي الْجَيِّدَةِ أَكْثَرُ ، وَلَهُمْ وَلِأَصْحَابِنَا أَجْوِبَةٌ وَأَسْئِلَةٌ ضَعِيفَةٌ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهَا ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ مُقْنِعٌ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَلْتَبِسُ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هَلْ هُوَ وُجُوبُ الْمُسَاوَاةِ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ ؟ أَوْ التَّحْرِيمُ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ ؟ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَاوِي الْحَدِيثِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ حَمْلِ الْجِنَازَةِ . وَقَوْلُهُ " الْبَيْضَاءُ بِالسُّلْتِ " قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِي الْحَدِيثِ تَفْسِيرُ الْبَيْضَاءِ ، وَأَنَّهَا الشَّعِيرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّ السُّلْتَ وَالشَّعِيرَ عِنْدَ سَعْدٍ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ مَعَهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ قَالَ : وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَلْنَرْجِعْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَلْفَاظِ الْكِتَابِ : قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( عَلَى الْأَرْضِ ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا وَاحْتِرَازٌ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى الْأَرْضِ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ إلَّا الْعَرَايَا ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ( عَلَى الْأَرْضِ ) حَالًا مِنْ رُطَبِهِ ، أَيْ لَا يُبَاعُ رُطَبُهُ حَالَ كَوْنِهِ عَلَى الْأَرْضِ بِيَابِسِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْيَابِسَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَقَوْلُهُ ) إنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِوُجُودِ الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ ( وَقَوْلُهُ ) إنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنَّهُ يَنْقُصُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) الْفَاءُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْوَصْفِ ( وَالثَّانِي ) إذَا فَإِنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ ( وَالثَّالِثُ ) 303 اسْتِنْطَاقُهُ وَتَقْرِيرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنُقْصَانِهِ إذَا يَبِسَ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَاضِرُونَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النُّقْصَانُ عِلَّةً فِي الْمَنْعِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ . وَهَذَا الْمِثَالُ عَدَّهُ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي أَقْسَامِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ لَكِنَّهُ لِأَجْلِ ازْدِحَامِ هَذِهِ الْوُجُوهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُ : إنَّهُ تَرَقَّى فِي الظُّهُورِ إلَى رُتْبَةِ الصَّرِيحِ . وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي اللُّمَعِ وَشَرْحِهَا : إنَّ ذَلِكَ - أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ فَقِيلَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : فَلَا إذَنْ } صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيلِ ; وَجَعَلَهُ مُقَدَّمًا عَلَى ذِكْرِ الصِّفَةِ الَّتِي لَا يُفِيدُ ذِكْرُهَا غَيْرَ التَّعْلِيلِ ; وَكَذَلِكَ جَعَلَهُ فِي الْمَعُونَةِ أَيْضًا .
( وَقَوْلُهُ ) بَعْدَ ذَلِكَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ رَطْبٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رُطَبِهِ بِيَابِسِهِ : مُسْتَنَدُهُ الْقِيَاسُ وَعُمُومُ الْعِلَّةِ ، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ . وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي ادَّعَاهَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ رُطَبُهُ بِيَابِسِهِ مُطْلَقًا ، فِي بَعْضِهِ بِالنَّصِّ ، وَفِي بَاقِيهِ بِالْقِيَاسِ ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ النَّصَّ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي فِي إثْبَاتِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَأَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ كَانَتْ فِي رُتْبَةِ الصَّرِيحِ لَا تَكُونُ كَالتَّنْصِيصِ عَلَى جَمِيعِ مَحَالِّهَا ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا ثَابِتًا بِالنَّصِّ كَمَا ادَّعَاهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ ، بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( وَقَوْلُهُ ) رُطَبِهِ بِيَابِسِهِ يَشْمَلُ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ وَالْبَلَحَ وَالْخِلَالَ بِلُغَةِ الْعِرَاقِ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْمِصْرِيُّونَ رَامِخًا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنْهَا بِالتَّمْرِ ، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ وَالْحِصْرِمُ إذَا بِيعَ بِالزَّبِيبِ ، وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ رُطَبُهَا بِيَابِسِهَا ، وَكَذَلِكَ الْبُنْدُقُ وَالْفُولُ وَالْمِشْمِشُ وَالتِّينُ الرَّطْبُ بِالْيَابِسِ ، وَالْخَوْخُ الرَّطْبُ بِالْمُقَدَّدِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ وَمُرَادُهُ بِهِ وَكَذَلِكَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ إذَا بِيعَ بِالْآخَرِ كَالرُّطَبِ الْمَقْلِيِّ بِالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ لَا يَجُوزُ أَيْضًا ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ بِهَذِهِ الْأَمْثِلَةِ كُلِّهَا ; وَهُمْ وَالشَّافِعِيُّ مُصَرِّحُونَ بِإِطْلَاقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ رَطْبٌ بِيَابِسٍ فِي غَيْرِ الْعَرَايَا ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي بَيْعِ الطَّلْعِ بِالرُّطَبِ .
304 وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) الْجَوَازُ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ فَأَشْبَهَ الْقَصْلَ بِالْحِنْطَةِ ( وَالثَّانِي ) لَا ، لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلْعِ يَصِيرُ رُطَبًا بِخِلَافِ الْقَصْلِ ( وَالثَّالِثُ ) قَالَا وَهُوَ أَصَحُّ إنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْفُحَّالِ جَازَ لِأَنَّهُ صَارَ رُطَبًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَلْعِ الْإِنَاثِ لَمْ يَجُزْ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبُسْرَ وَالْبَلَحَ كَالرُّطَبِ فِي ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي ، وَكَذَلِكَ الْخَلَّالُ ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ كَالدِّبْسِ وَالنَّاطِفِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِتَمْرٍ وَلَا رُطَبٍ ، وَلَا بِمَا يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ رُطَبًا كَالْمِلْحِ وَالْخِلَالِ وَالْبُسْرِ ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَجْنَاسِ : إنَّ الْبَلَحَ مَعَ الرُّطَبِ وَالْحِصْرِمِ مَعَ الْعِنَبِ كَالْعَصِيرِ مَعَ الْخَلِّ عِنْدَهُ ، وَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْعَصِيرِ مَعَ الْخَلِّ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ جَوَازُ بَيْعِ الْبَلَحِ بِالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ مُتَفَاضِلًا ، وَجَوَازُ بَيْعِ الْحِصْرِمِ بِالْعِنَبِ مُتَفَاضِلًا ، وَأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ الِاخْتِلَافُ فِي الْجِنْسِيَّةِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الرُّطَبُ وَالتَّمْرُ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ ، فَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْعَصِيرَ وَالْخَلَّ جِنْسَانِ ، بَلْ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ الَّذِي بَيْنَهُمَا أَشَدُّ مِمَّا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ . وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ الطَّلْعِ وَالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ جِنْسًا وَاحِدًا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِأَنَّ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِيهِ إشْكَالٌ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ بِاسْمٍ خَاصٍّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُمَا جِنْسَيْنِ عَلَى مُقْتَضَى الضَّابِطِ الْمَشْهُورِ فِي اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْأَجْنَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : رُطَبِهِ بِيَابِسِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا حَرُمَ بِهِ الرِّبَا الَّذِي صُدِّرَ بِهِ الْفَصْلُ السَّابِقُ عَلَى الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَاتِّحَادُ الضَّمِيرِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ ، أَيْ لَا يُبَاعُ رَطْبُ الْجِنْسِ بِيَابِسِ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ مُقْتَصِرًا عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، بَلْ كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ إذَا كَانَ رِبَوِيًّا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَحَبِّ الرُّمَّانِ بِالرُّمَّانِ الرَّطْبِ .
305 قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لَا خِلَافَ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَجْرِي ، فِيهَا الرِّبَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْ الْوَاضِحَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالْعِنَبِ ، وَالْعِنَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالرُّطَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَالزَّبِيبِ بِالتَّمْرِ ، لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَقَدْ نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى ذَلِكَ ، كُلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَوَازَ بَيْعِ يَابِسِهِ بِيَابِسِهِ ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْمِكْيَالِ ، وَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ لَهَا حَالَةُ جَفَافٍ كَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْبِطِّيخِ الَّذِي يُفْلَقُ وَالْكُمَّثْرَى الَّذِي يُفْلَقُ وَالرُّمَّانُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ مَرَّ بَعْضُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْمِعْيَارِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث