المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ سَعْدٍ هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَئِمَّةُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَغَيْرُهُمَا ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ وَجَمِيعُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طُرُقٍ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ عَلَى إمَامَةِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَنَّهُ مُحْكَمٌ فِي كُلِّ مَا يَرْوِيهِ مِنْ الْحَدِيثِ ، إذْ لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَاتِهِ إلَّا الصَّحِيحُ ، خُصُوصًا فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ لِمُتَابَعَةِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ إيَّاهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ . وَالشَّيْخَانِ لَمْ يُخْرِجَاهُ لِمَا خَشِيَاهُ مِنْ جَهَالَةِ زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ : السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَالسُّنَنِ الصَّغِيرِ وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ . وَعَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُخْتَصَرِ ، فَطُرُقُهُ كُلُّهَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْكُتُبِ تَرْجِعُ إلَى زَيْدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ( بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ) مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ ، هَكَذَا 291 فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ ، وَيُقَالُ فِيهِ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ثِقَةٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سَعْدٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيَقُولُونَ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ . وَأَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ أَخْطَأَ فِي اسْمِهِ بِلَا شَكٍّ ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ شَكَّ فِيهِ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي عَنْهُ فَالْأَكْثَرُونَ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ لِذَلِكَ أَنَّهُ ابْنُ هُرْمُزَ الْقَارِئُ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ كَمَا ظَنَّ هَذَا الْقَائِلُ ، وَلَمْ يَرْوِ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ فِي مُوَطَّئِهِ حَدِيثًا مُسْنَدًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ مَحْفُوظٌ ، وَقَدْ نَسَبَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو مُصْعَبٍ . ( قُلْتُ ) وَأَبُو قُرَّةَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ الصَّوَابُ وَخِلَافُهُ خَطَأٌ لِتَضَافُرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ مُثْبَتًا . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : أَبُو أُوَيْسٍ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيِّ وَقَالَ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ : وَيُقَالُ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ الَّذِي تَوَهَّمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ هُوَ ثِقَةٌ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُمْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَقَالَ فِيهِ " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَاجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ يَحْيَى يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ ، وَفِيهِمْ إمَامٌ حَافِظٌ ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ 292 حُجَّةٌ عَلَى تَصْوِيبِ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّتِهِمَا جَمِيعًا لِثِقَةِ رِوَايَتِهِمَا ، وَتَكُونَانِ وَاقِعَتَيْنِ ، مَرَّةً نَهَى عَنْهُ نَسِيئَةً ، وَمَرَّةً نَهَى عَنْهُ مُطْلَقًا ، وَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ زَادَ مَا أَسْقَطَهُ الْآخَرُ ، وَلَا تَنَافِيَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ النَّظَرَ الْحَدِيثِيَّ هَاهُنَا أَقْوَى وَالظَّاهِرُ مَعَ مَنْ أَسْقَطَ لَفْظَةَ النَّسِيئَةِ ، وَقَدْ تَابَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ عَلَى رِوَايَتِهِ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ زِيَادَةُ لَفْظِ النَّسِيئَةِ ، كَذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ . وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ وَهْبٍ ، لَكِنِّي رَأَيْتُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ " { أَنَّ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الرَّجُلِ يُسَلِّفُهُ الرَّجُلُ الرُّطَبَ بِتَمْرٍ إلَى أَجَلٍ فَقَالَ سَعْدٌ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا } وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ كَمَا قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ قَرِيبًا ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُئِلَ عَنْهُ نَسِيئَةً فَنَهَى عَنْهُ ، وَسُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْهُ مُطْلَقًا فَنَهَى عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ فَالْحُكْمُ بِإِسْقَاطِ الزِّيَادَةِ مُتَعَيِّنٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْخَبَرُ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِنُقْصَانِ الرُّطَبِ فِي الْمُتَعَقَّبِ ، وَحُصُولُ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِأَجْلِ النَّسِيئَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ بِرِوَايَتِهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : لِأَنَّ عِلَّةَ النَّسَاءِ عِنْدَنَا الطَّعْمُ وَعِنْدَهُمْ الْجِنْسُ ( أَمَّا ) النُّقْصَانُ فَلَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ حَسَنَةٌ وَصَحِيحَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ تَشْهَدُ لِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَنْعَ مُطْلَقٌ ( مِنْهَا ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبَايَعُوا التَّمْرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَلَا تَبَايَعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ { نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْهُ قَالَ " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ الْجَافِّ } رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ آخَرَ ضَعِيفٍ أَيْضًا . وَعَنْهُ قَالَ 293 { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ . فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ رُطَبٍ بِتَمْرٍ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالَ لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالْيَابِسِ } " لَكِنْ فِي سَنَدِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ " { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ رُطَبٍ بِيَابِسٍ } " فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ شَاهِدٌ لِمَا تَقَدَّمَ ( قُلْتُ ) وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي هَذَا عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُزَابَنَةِ حَدِيثٌ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَفْظُهُ { رُخِّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الْيَابِسِ } فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَاهِدًا لِمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ التَّحْرِيمِ ، لَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ : أَنَا أُسَلِّمُ سَبْقَ التَّحْرِيمِ فِي الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا : اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُقَالُ إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ ( قُلْتُ ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ الْحَقِّ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ ابْنِ حَزْمٍ . فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّهُ لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ . وَلِذَلِكَ قَبِلَهُ ابْنُ الْمُغَلِّسِ الظَّاهِرِيُّ وَسَبَقَهُمَا إلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : إنَّ أَبَا عَيَّاشٍ لَا يُعْرَفُ . وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ : فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ فَسَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ ا هـ . وَمَدَارُ تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ عَلَى جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ . وَأَوَّلُ مَنْ رَدَّهُ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : هُوَ مَجْهُولٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ دُخُولِهِ بَغْدَادَ وَعَلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَا لَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ عَمَّا لَا يَخْفَى . فَأَمَّا تَضْعِيفُهُ بِسَبَبِ جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَا نَقَلَ التُّرَابُشْتِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ ثِقَةٌ فَتَثْبُتُ بِذَلِكَ عَدَالَتُهُ . وَلَا 294 يَضُرُّهُ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ : إنَّهُ مَجْهُولٌ . فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَجْرِيحٍ . وَأَمَّا التَّضْعِيفُ بِسَبَبِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ فَضَعِيفٌ جِدًّا وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَلَا تَكَلَّمَ فِي أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ : قَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَالَ : زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ رِوَايَتُهُ ضَعِيفَةٌ ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ . قَالَ الْخُشَّابِيُّ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ هَذَا مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ . وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ . وَهَذَا مِنْ شَأْنِ مَالِكٍ ، وَعَادَتُهُ مَعْلُومَةٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ وَكَيْفَ يَكُونُ مَجْهُولًا وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ ثِقَتَانِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَعِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، وَهُمَا مِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ عَرَفَهُ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ ، هَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي مُوَطَّئِهِ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الرِّجَالِ وَنَقْدِهِ ، وَتَتَبُّعِهِ لِأَحْوَالِهِمْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ وَصَحَّحَهُ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي كِتَابِ الْكُنَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . وَذَكَرَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْكُنَى وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قُلْتُ ) وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الرَّاوِيِّ عَنْهُ ، وَوَصَفَهُ بِالْأَعْوَرِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيد بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي جَهَالَتِهِ : وَقَدْ قِيلَ إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ وَقِيلَ : زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ حَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ ، وَشَهِدَ مَعَهُ بَعْضَ مُشَاهَدِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ 295 مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَهُوَ الْعَدَنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ فَقَالَ فِي الزُّرَقِيِّ . وَهَذِهِ زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ مُثْبِتَةٌ أَنَّهُ هُوَ الصَّحَابِيُّ . وَكَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، فَاجْتِمَاعُ الشَّافِعِيِّ وَالْعَدَنِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا اشْتَهَرَ فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ . وَأَحَالَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ أَبُو عَيَّاشٍ هُوَ الزُّرَقِيُّ . قَالَ : لِأَنَّ أَبَا عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْرِكْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، فَإِنْ كَانَ هُوَ إيَّاهُ فَقَدْ كَفَيْنَاهُ مُؤْنَةَ الْكَلَامِ ، وَإِلَّا فَيَكْفِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْثِيقِ الدَّارَقُطْنِيّ لَهُ ، وَحُكْمِ الْأَئِمَّةِ بِتَصْحِيحِ حَدِيثِهِ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ عَاشَ إلَى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَكُلُّ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ : أَبُو عَيَّاشٍ - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - إلَّا رِوَايَةً ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي جَمْعِهِ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يُسْنِدُهُ إلَى يَحْيَى قَالَ فِيهَا : إنَّ أَبَا عَيَّاشٍ أَوْ عَيَّاشٍ شَكَّ يَحْيَى . وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ ضَبْطِ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ هَذَا أَيْضًا ذَكَرَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ إلَى يَحْيَى وَقَالَ فِيهِ : " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ يَابِسًا } هَكَذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَعَلَيْهِ تَضْبِيبٌ وَعَلَامَةٌ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا فَهُوَ اخْتِلَافٌ مُوهِنٌ لِرِوَايَةِ يَحْيَى ، أَيْضًا .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ إلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالنُّقْصَانِ ( وَأَمَّا ) الْحُكْمُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ ، فَقَدْ عُلِمَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ صِحَّتُهُ ( وَأَمَّا ) الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ اثْنَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، رَوَاهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَمِنْ جِهَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ . 296 أَمَّا ) رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَيْنَاهَا عَنْهُ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ ( وَأَمَّا ) رِوَايَتُهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ فَرَوَيْنَاهَا فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ الَّتِي يَرْوِيهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَفِيهَا وَصْفُ أَبِي عَيَّاشٍ بِالزُّرَقِيِّ ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مُتَابَعَةُ الْعَدَنِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَفْعُ الْجَهَالَةِ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُونَ " سُئِلَ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ " وَكَذَلِكَ هُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرِهِمْ . وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ يَقُولُونَ " عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ " كَذَلِكَ هُوَ فِي النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ مَنِيعٍ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَوَكِيعٌ وَابْنُ نُمَيْرٍ شَيْخُ أَحْمَدَ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَخَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ شَيْخَا إبْرَاهِيمَ الْمَخْرَمِيِّ خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ " الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ " مِثْلُ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إسْمَاعِيلَ " عَنْ تَمْرٍ بِرُطَبٍ " مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَشْهُورَةِ وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ { تَبَايَعَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ وَرُطَبٍ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " عَنْ بَيْعٍ " فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، بَلْ كُلُّهُمْ إمَّا بِلَفْظِ الشِّرَاءِ وَإِمَّا بِحَذْفِهِمَا مَعًا ، وَأَنَا رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ بَعْدَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ يَقُولُونَ فِي آخِرِهِ " قَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْهُ " وَكَذَلِكَ لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ " فَكَرِهَهُ " وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ فِيهِ " قَالُوا " : نَعَمْ قَالَ : " فَلَا إذًا " مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا ، وَذَكَرَهُ أَبُو قُرَّةَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَإِسْمَاعِيلَ فَقَالَ فِيهِ " فَنَهَاهُ عَنْهُ " وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فِيهِ " فَقَالُوا : نَعَمْ فَقَالَ : لَا أَوْ فَنَهَى عَنْهُ " هَكَذَا رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ " إذَا يَبِسَ " وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ مَالِكٍ " إذَا جَفَّ " ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَبَعْضُ الرُّوَاةِ 297 يَقُولُونَ " أَيَنْقُصُ ؟ " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ " أَلَيْسَ يَنْقُصُ ؟ " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ فِيهِ : إذَا يَبِسَ نَقَصَ } هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الْخَرَّازِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَنْ يُرِيدُ تَحْرِيرَ النَّقْلِ وَلْنَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ مُحَرَّرًا : رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ " { أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيَّتُهَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْ شِرَاءَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ } وَهُوَ فِي الْأُمِّ كَذَلِكَ حَرْفًا بِحَرْفٍ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ بِهَلْ ، وَهُوَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ ، مِنْهُمْ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ " لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ ، وَالتَّنْبِيهُ فِيهِ عَلَى نُكْتَةِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ ، لِيَعْتَبِرُوهَا فِي نَظَائِرِهَا وَأَحْوَالِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ إذَا يَبِسَ نَقَصَ ، فَيَكُونُ سُؤَالَ تَعَرُّفٍ وَاسْتِفْهَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَهَذَا كَقَوْلِ جَرِيرٍ : ﴿﴾ أَلَسْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكَبَ الْمَطَايَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحٍ ﴿﴾ وَلَوْ كَانَ هَذَا اسْتِفْهَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَدْحٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا . هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى ( { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } ؟ ) وَقَوْلِهِ { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } وَغَيْرُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اعْتَنَى الْأَصْحَابُ بِبَيَانِهِ هُنَا ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ضَعَّفَ بِهِ الْخَصْمُ هَذَا الْحَدِيثَ كَوْنُهُ مُتَضَمِّنًا لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ أَمْرٍ لَا يَخْفَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ : وَفِيهِ دَلَائِلُ 298 مِنْهَا ) أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالرُّطَبِ عَنْ نُقْصَانِهِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا حَضَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَبِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيَمِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَبُولِ مِنْ أَهْلِهَا ( وَمِنْهَا ) أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ فِي مُتَعَقَّبِ الرُّطَبِ ، فَلَمَّا كَانَ يَنْقُصُ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ التَّمْرَ مِنْ الرُّطَبِ إذَا كَانَ نُقْصَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ ، وَقَدْ حَرُمَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَكَانَتْ فِيهَا زِيَادَةُ بَيَانِ النَّظَرِ فِي الْمُتَعَقَّبِ مِنْ الرُّطَبِ ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ ، لِاخْتِلَافِ الْكَيْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْمُتَعَقَّبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَهُمَا رَطْبَانِ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ . وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ قَرِيبًا مِنْ ذَاكَ وَزَادَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ بَعْضٌ : لَا بَأْسَ بِالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ قَالَ : قَوْلُنَا فِي كَرَاهِيَةِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : ثُمَّ عَادَ إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِحِنْطَةٍ رَطْبَةٍ بِحِنْطَةٍ يَابِسَةٍ ، وَحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ بِحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ .
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ نُقْصَانًا إذَا يَبِسَ مِنْ الْآخَرِ ، وَتَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي الْأُمِّ عَلَى قَوْلِ سَعْدٍ فِي الْبَيْضَاءِ وَالسُّلْتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافًا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، فِيمَا إذَا بَاعَ الرُّطَبَ عَلَى الْأَرْضِ بِالتَّمْرِ ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ مُجَلِّيٌّ عَنْ الْإِنَابَةِ لِلْفُورَانِيِّ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّتِمَّةِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا دُونِهَا تَخْرِيجًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا ، وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْفُورَانِيِّ مُطْلَقَةً ( أَمَّا ) الزَّائِدُ عَلَيْهَا فَلْيُفْهَمْ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا الْخِلَافَ إلَّا مُجَلِّيٌّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ مَرْدُودٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُمَا أَوْ سُوءٌ فِي الْعِبَارَةِ وَإِطْلَاقِهَا ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُ عِبَارَةِ 299 الْفُورَانِيِّ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا فِي ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْعَرَايَا فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً بِخِلَافِهِمَا حَيْثُ تَكَلَّمَا فِي فَصْلِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ صَرَّحَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ( وَقَوْلُهُ ) فِي الْكِفَايَةِ أَوْجَبَ الْإِفْهَامَ فِيهِ كَوْنُهُ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ . وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَحِلِّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ الصَّحَابَةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَكِنَّهُ قَالَ : إذَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا جَازَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد هَكَذَا نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَمَنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنْ بِيعَ مُتَمَاثِلًا فَالْمَنْعُ لِتَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ عِنْدَ الْجَفَافِ ، وَإِنْ كَانَ التَّمْرُ أَكْثَرَ فَلِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ ، وَالتَّخْمِينُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَرَايَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ دَاوُد مُوَافَقَتَهُ لَهُ .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ حَسَنَةٌ وَصَحِيحَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ تَشْهَدُ لِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَنْعَ مُطْلَقٌ ( مِنْهَا ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبَايَعُوا التَّمْرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَلَا تَبَايَعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ } " رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " { لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ { نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا } " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَنْهُ قَالَ " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ الْجَافِّ } رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ آخَرَ ضَعِيفٍ أَيْضًا . وَعَنْهُ قَالَ 293 { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِسَنَدٍ . فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ رُطَبٍ بِتَمْرٍ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ ، فَقَالَ لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالْيَابِسِ } " لَكِنْ فِي سَنَدِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ " { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ رُطَبٍ بِيَابِسٍ } " فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ شَاهِدٌ لِمَا تَقَدَّمَ ( قُلْتُ ) وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي هَذَا عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُزَابَنَةِ حَدِيثٌ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَفْظُهُ { رُخِّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الْيَابِسِ } فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَاهِدًا لِمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ التَّحْرِيمِ ، لَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ : أَنَا أُسَلِّمُ سَبْقَ التَّحْرِيمِ فِي الرُّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الرُّخْصَةُ ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا : اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُقَالُ إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ ( قُلْتُ ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ الْحَقِّ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ ابْنِ حَزْمٍ . فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّهُ لَا يَصِحُّ لِجَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ . وَلِذَلِكَ قَبِلَهُ ابْنُ الْمُغَلِّسِ الظَّاهِرِيُّ وَسَبَقَهُمَا إلَى ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ : إنَّ أَبَا عَيَّاشٍ لَا يُعْرَفُ . وَذَكَرَ الِاخْتِلَافَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ : فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ فَسَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ تَابَعَهُ ا هـ . وَمَدَارُ تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ عَلَى جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ . وَأَوَّلُ مَنْ رَدَّهُ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : هُوَ مَجْهُولٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ دُخُولِهِ بَغْدَادَ وَعَلَى أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَا لَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ عَمَّا لَا يَخْفَى . فَأَمَّا تَضْعِيفُهُ بِسَبَبِ جَهَالَةِ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِيمَا نَقَلَ التُّرَابُشْتِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ ثِقَةٌ فَتَثْبُتُ بِذَلِكَ عَدَالَتُهُ . وَلَا 294 يَضُرُّهُ قَوْلُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ : إنَّهُ مَجْهُولٌ . فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَجْرِيحٍ . وَأَمَّا التَّضْعِيفُ بِسَبَبِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الِاسْتِفْهَامِ فَضَعِيفٌ جِدًّا وَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَلَا تَكَلَّمَ فِي أَبِي عَيَّاشٍ هَذَا ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ : قَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَالَ : زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ رِوَايَتُهُ ضَعِيفَةٌ ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ . قَالَ الْخُشَّابِيُّ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ هَذَا مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ . وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ . وَهَذَا مِنْ شَأْنِ مَالِكٍ ، وَعَادَتُهُ مَعْلُومَةٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ وَكَيْفَ يَكُونُ مَجْهُولًا وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ ثِقَتَانِ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَعِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، وَهُمَا مِمَّنْ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ عَرَفَهُ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ ، هَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي مُوَطَّئِهِ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الرِّجَالِ وَنَقْدِهِ ، وَتَتَبُّعِهِ لِأَحْوَالِهِمْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ وَصَحَّحَهُ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي كِتَابِ الْكُنَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . وَذَكَرَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْكُنَى وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قُلْتُ ) وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الرَّاوِيِّ عَنْهُ ، وَوَصَفَهُ بِالْأَعْوَرِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيد بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي جَهَالَتِهِ : وَقَدْ قِيلَ إنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ هَذَا هُوَ أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ اسْمُهُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ وَقِيلَ : زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ حَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ ، وَشَهِدَ مَعَهُ بَعْضَ مُشَاهَدِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ 295 مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَهُوَ الْعَدَنِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ فَقَالَ فِي الزُّرَقِيِّ . وَهَذِهِ زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ مُثْبِتَةٌ أَنَّهُ هُوَ الصَّحَابِيُّ . وَكَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، فَاجْتِمَاعُ الشَّافِعِيِّ وَالْعَدَنِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ هُوَ ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا اشْتَهَرَ فِي الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ . وَأَحَالَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ أَبُو عَيَّاشٍ هُوَ الزُّرَقِيُّ . قَالَ : لِأَنَّ أَبَا عَيَّاشٍ الزُّرَقِيَّ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدْرِكْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، فَإِنْ كَانَ هُوَ إيَّاهُ فَقَدْ كَفَيْنَاهُ مُؤْنَةَ الْكَلَامِ ، وَإِلَّا فَيَكْفِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَوْثِيقِ الدَّارَقُطْنِيّ لَهُ ، وَحُكْمِ الْأَئِمَّةِ بِتَصْحِيحِ حَدِيثِهِ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ عَاشَ إلَى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ، مَاتَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَكُلُّ الرُّوَاةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُونَ فِيهِ : أَبُو عَيَّاشٍ - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - إلَّا رِوَايَةً ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي جَمْعِهِ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يُسْنِدُهُ إلَى يَحْيَى قَالَ فِيهَا : إنَّ أَبَا عَيَّاشٍ أَوْ عَيَّاشٍ شَكَّ يَحْيَى . وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ ضَبْطِ يَحْيَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ هَذَا أَيْضًا ذَكَرَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ إلَى يَحْيَى وَقَالَ فِيهِ : " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ يَابِسًا } هَكَذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَعَلَيْهِ تَضْبِيبٌ وَعَلَامَةٌ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا فَهُوَ اخْتِلَافٌ مُوهِنٌ لِرِوَايَةِ يَحْيَى ، أَيْضًا .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ إلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالنُّقْصَانِ ( وَأَمَّا ) الْحُكْمُ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ ، فَقَدْ عُلِمَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ الرَّاجِحَ صِحَّتُهُ ( وَأَمَّا ) الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَثَابِتٌ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ اثْنَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، رَوَاهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَمِنْ جِهَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ . 296 أَمَّا ) رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فَرَوَيْنَاهَا عَنْهُ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ ( وَأَمَّا ) رِوَايَتُهُ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ فَرَوَيْنَاهَا فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ الَّتِي يَرْوِيهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَفِيهَا وَصْفُ أَبِي عَيَّاشٍ بِالزُّرَقِيِّ ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مُتَابَعَةُ الْعَدَنِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَفْعُ الْجَهَالَةِ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُونَ " سُئِلَ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ " وَكَذَلِكَ هُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرِهِمْ . وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ يَقُولُونَ " عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ " كَذَلِكَ هُوَ فِي النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ مَنِيعٍ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَوَكِيعٌ وَابْنُ نُمَيْرٍ شَيْخُ أَحْمَدَ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَخَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ شَيْخَا إبْرَاهِيمَ الْمَخْرَمِيِّ خَمْسَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ " الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ " مِثْلُ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إسْمَاعِيلَ " عَنْ تَمْرٍ بِرُطَبٍ " مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَشْهُورَةِ وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ { تَبَايَعَ رَجُلَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ وَرُطَبٍ } صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " عَنْ بَيْعٍ " فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، بَلْ كُلُّهُمْ إمَّا بِلَفْظِ الشِّرَاءِ وَإِمَّا بِحَذْفِهِمَا مَعًا ، وَأَنَا رَأَيْتُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَمَنْ بَعْدَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْهُمْ يَقُولُونَ فِي آخِرِهِ " قَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْهُ " وَكَذَلِكَ لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَغَيْرِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ " فَكَرِهَهُ " وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ فِيهِ " قَالُوا " : نَعَمْ قَالَ : " فَلَا إذًا " مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَإِسْمَاعِيلَ جَمِيعًا ، وَذَكَرَهُ أَبُو قُرَّةَ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَإِسْمَاعِيلَ فَقَالَ فِيهِ " فَنَهَاهُ عَنْهُ " وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فِيهِ " فَقَالُوا : نَعَمْ فَقَالَ : لَا أَوْ فَنَهَى عَنْهُ " هَكَذَا رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ " إذَا يَبِسَ " وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ مَالِكٍ " إذَا جَفَّ " ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَبَعْضُ الرُّوَاةِ 297 يَقُولُونَ " أَيَنْقُصُ ؟ " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ " أَلَيْسَ يَنْقُصُ ؟ " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ " { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ فِيهِ : إذَا يَبِسَ نَقَصَ } هَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ الْخَرَّازِ عَنْ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، فَهَذِهِ كَلِمَاتٌ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِمَنْ يُرِيدُ تَحْرِيرَ النَّقْلِ وَلْنَذْكُرْ لَفْظَ الْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ مُحَرَّرًا : رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ " { أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيَّتُهَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ الْبَيْضَاءُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ عَنْ شِرَاءَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ } وَهُوَ فِي الْأُمِّ كَذَلِكَ حَرْفًا بِحَرْفٍ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ بِهَلْ ، وَهُوَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ ، مِنْهُمْ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ " لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ ، وَالتَّنْبِيهُ فِيهِ عَلَى نُكْتَةِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ ، لِيَعْتَبِرُوهَا فِي نَظَائِرِهَا وَأَحْوَالِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ إذَا يَبِسَ نَقَصَ ، فَيَكُونُ سُؤَالَ تَعَرُّفٍ وَاسْتِفْهَامٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَهَذَا كَقَوْلِ جَرِيرٍ : ﴿﴾ أَلَسْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكَبَ الْمَطَايَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحٍ ﴿﴾ وَلَوْ كَانَ هَذَا اسْتِفْهَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَدْحٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْتُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا . هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى ( { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } ؟ ) وَقَوْلِهِ { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } وَغَيْرُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اعْتَنَى الْأَصْحَابُ بِبَيَانِهِ هُنَا ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ضَعَّفَ بِهِ الْخَصْمُ هَذَا الْحَدِيثَ كَوْنُهُ مُتَضَمِّنًا لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ أَمْرٍ لَا يَخْفَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ : وَفِيهِ دَلَائِلُ 298 مِنْهَا ) أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالرُّطَبِ عَنْ نُقْصَانِهِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا حَضَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَبِهَذَا صِرْنَا إلَى قِيَمِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَبُولِ مِنْ أَهْلِهَا ( وَمِنْهَا ) أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ فِي مُتَعَقَّبِ الرُّطَبِ ، فَلَمَّا كَانَ يَنْقُصُ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ بِالتَّمْرِ لِأَنَّ التَّمْرَ مِنْ الرُّطَبِ إذَا كَانَ نُقْصَانُهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ ، وَقَدْ حَرُمَ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَكَانَتْ فِيهَا زِيَادَةُ بَيَانِ النَّظَرِ فِي الْمُتَعَقَّبِ مِنْ الرُّطَبِ ، فَدَلَّتْ عَلَى أَنْ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ ، لِاخْتِلَافِ الْكَيْلَيْنِ ، وَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي الْبُيُوعِ فِي الْمُتَعَقَّبِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزِيدَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَهُمَا رَطْبَانِ مَعْنَاهُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ . وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ قَرِيبًا مِنْ ذَاكَ وَزَادَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَالَ بَعْضٌ : لَا بَأْسَ بِالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَإِنْ كَانَ الرُّطَبُ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ قَالَ : قَوْلُنَا فِي كَرَاهِيَةِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : ثُمَّ عَادَ إلَى مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِحِنْطَةٍ رَطْبَةٍ بِحِنْطَةٍ يَابِسَةٍ ، وَحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ بِحِنْطَةٍ مَبْلُولَةٍ .
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ نُقْصَانًا إذَا يَبِسَ مِنْ الْآخَرِ ، وَتَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي الْأُمِّ عَلَى قَوْلِ سَعْدٍ فِي الْبَيْضَاءِ وَالسُّلْتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ مَعَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا خِلَافًا حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، فِيمَا إذَا بَاعَ الرُّطَبَ عَلَى الْأَرْضِ بِالتَّمْرِ ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ مُجَلِّيٌّ عَنْ الْإِنَابَةِ لِلْفُورَانِيِّ ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِقَادُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِبَانَةِ وَالتَّتِمَّةِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَمَا دُونِهَا تَخْرِيجًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا ، وَعِبَارَةُ التَّتِمَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْفُورَانِيِّ مُطْلَقَةً ( أَمَّا ) الزَّائِدُ عَلَيْهَا فَلْيُفْهَمْ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا الْخِلَافَ إلَّا مُجَلِّيٌّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَكَيْفَمَا كَانَ فَهُوَ مَرْدُودٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُمَا أَوْ سُوءٌ فِي الْعِبَارَةِ وَإِطْلَاقِهَا ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُ عِبَارَةِ 299 الْفُورَانِيِّ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا فِي ذَلِكَ فِي فَصْلِ الْعَرَايَا فَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً بِخِلَافِهِمَا حَيْثُ تَكَلَّمَا فِي فَصْلِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ صَرَّحَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ( وَقَوْلُهُ ) فِي الْكِفَايَةِ أَوْجَبَ الْإِفْهَامَ فِيهِ كَوْنُهُ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ . وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَحِلِّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ الصَّحَابَةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَكِنَّهُ قَالَ : إذَا أَحَاطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاوَيَا جَازَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد هَكَذَا نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَمَنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنْ بِيعَ مُتَمَاثِلًا فَالْمَنْعُ لِتَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ عِنْدَ الْجَفَافِ ، وَإِنْ كَانَ التَّمْرُ أَكْثَرَ فَلِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ ، وَالتَّخْمِينُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ إلَّا فِي الْعَرَايَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِجَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : وَانْفَرَدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ دَاوُد مُوَافَقَتَهُ لَهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث