المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5895 · ص. المطبوع 319 · الشرح
( فَرْعٌ ) الْبِطِّيخُ مَعَ الْقِثَّاءِ جِنْسَانِ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ ، قَالَ : وَفِي الْقَثَدِ مَعَ الْقِثَّاءِ وَجْهَانِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ فُرِضَ فِي هَذَا الْقِسْمِ التَّجْفِيفُ عَلَى نُدُورٍ فَعَنْ الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا عَلَى الْقَدِيمِ ، وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا ، فَإِنَّ أَكْمَلَ أَحْوَالِهِ الرُّطُوبَةُ ، فَلَا يُنْظَرُ إلَى حَالَةِ الْجَفَافِ ، وَتَتْبَعُ هَذِهِ الْحَالَةُ تِلْكَ فِي سُقُوطِ الرِّبَا ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ ( فَإِذَا قُلْنَا ) إنَّهُ رِبَوِيٌّ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ؟ فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا ، كَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ . وَحَكَى الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ قَالَ : إنَّهُمَا مَشْهُورَانِ ، وَرَتَّبَهُمَا فِي الْوَسِيطِ عَلَى حَالَةِ الرُّطُوبَةِ ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا التَّرْتِيبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : جَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي الْحَالَتَيْنِ رَطْبًا وَيَابِسًا " وَالْمَنْعُ " فِي الْحَالَتَيْنِ " وَالْمَنْعُ " رَطْبًا وَالْجَوَازُ يَابِسًا ، وَهِيَ كَالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِيمَا يُجَفَّفُ نَادِرًا مِمَّا يُعْتَادُ تَجْفِيفُهُ كَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ . قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَيَجِبُ طَرْدُ الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْمَذْكُورِ فِي الرَّطْبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ وَهُوَ أَنَّهُ يُبَاعُ رَطْبًا وَلَا يُبَاعُ يَابِسًا ، يَعْنِي لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ التَّجْفِيفِ فِيهِ ، فَإِنَّ الْكَمَالَ فِيهِ فِي حَالِ الرُّطُوبَةِ ، وَلِلَّهِ دُرُّهُ ، فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْأَوْجُهَ الْأَرْبَعَةَ تَجْرِي فِيهِ بِمَثَابَةِ الرَّطْبِ الَّذِي لَا يُجَفَّفُ اعْتِيَادًا ، كَأَنَّ ابْنَ الرِّفْعَةِ لَمْ يَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
319 وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ جِنْسًا مِنْهَا بِجِنْسٍ آخَرَ كَالْهِنْدَبَا بِالنَّعْنَعِ صَحَّ نَقْدًا كَيْفَ شَاءَ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ . فَائِدَةٌ : كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُشْعِرُ بِأَنَّ حَالَةَ الِادِّخَارِ هِيَ الْكَمَالُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ : كُلُّ فَاكِهَةٍ كَمَالُهَا فِي جَفَافِهَا ، وَهِيَ حَالَةُ الِادِّخَارِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ لَمَّا شَرَحَ ذَلِكَ : إنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرُوا لَفْظَ الِادِّخَارِ وَآخَرُونَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِحَالَةِ التَّمَاثُلِ فِي جَمِيعِ الرِّبَوِيَّاتِ . أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّبَنَ لَا يُدَّخَرُ ، وَيُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَذَاكَ ، وَمَنْ أَطْلَقَهُ أَرَادَ اعْتِيَادَهُ فِي الْحُبُوبِ وَالْفَوَاكِهِ لَا فِي جَمِيعِ الرِّبَوِيَّاتِ .
( قُلْتُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَهُ الْإِمَامُ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ : إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا أَجْرَى لَفْظَ الِادِّخَارِ فِي إدْرَاجِ الْكَلَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ يُبَاعُ بِبَعْضٍ ، وَأَرَادَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ تَقْوِيَةَ جَوَازِ بَيْعِ الرَّطْبِ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَالْغَزَالِيُّ مُحْتَاجٌ إلَى ذِكْرِهِ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَمَّا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ ، وَهُوَ هَذَا الْقِسْمُ الَّذِي فَرَغْنَا مِنْ شَرْحِهِ ، فَإِنَّهُ لَا كَمَالَ لَهُ ، وَإِنْ جَفَّ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الْفَاكِهَةِ فَلَا يَشْمَلُ جَمِيعَ الرِّبَوِيَّاتِ . أَمَّا إذَا تَكَلَّمَ فِي حَالَةِ الْكَمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَجْعَلَ ذَاكَ ضَابِطًا . وَضَبْطُ حَالَةِ الْكَمَالِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَسِيرٌ . وَقَدْ نَبَّهَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى عُسْرِهَا فَإِنَّهُ لَمَّا شَرَحَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَالَ : فَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا فِي هَذَا الطَّرَفِ عَرَفْتَ أَنَّ النَّظَرَ فِي حَالَةِ الْكَمَالِ رَاجِعٌ إلَى أَمْرَيْنِ فِي الْأَكْثَرِ .
( أَحَدُهُمَا ) كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَتَهَيَّأُ لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ .
( وَالثَّانِي ) كَوْنُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ لَكِنَّهُمَا لَا يُعْتَبَرَانِ جَمِيعًا . فَإِنَّ اللَّبَنَ لَيْسَ بِمُدَّخَرٍ وَالسَّمْنَ لَيْسَ بِمُتَهَيِّئٍ لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ اللَّبَنِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ غَيْرُ مُكْتَفًى بِهِ أَيْضًا ، فَإِنَّ الثِّمَارَ الَّتِي لَا تُدَّخَرُ تَتَهَيَّأُ لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ ، وَالدَّقِيقُ مُدَّخَرٌ ، وَلَيْسَا عَلَى حَالَةِ الْكَمَالِ وَلَا تُسَاعِدُنِي عِبَارَةٌ ضَابِطَةٌ كَمَا أُحِبُّ فِي تَفْسِيرِ الْكَمَالِ ، فَإِنْ ظَفَرْت بِهَا أَلْحَقْتهَا بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
320 وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إنَّا إذَا جَعَلْنَا الْمُعْتَبَرَ التَّهَيُّؤَ لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ لَا يَرِدُ السَّمْنُ ، وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ : إنَّهُ لَيْسَ بِمُنْتَهِي لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ اللَّبَنِ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَإِنَّ السَّمْنَ عَيْنٌ أُخْرَى غَيْرُ اللَّبَنِ كَانَ اللَّبَنُ مُشْتَمِلًا عَلَيْهَا ، فَهُوَ كَالشَّيْرَجِ مِنْ السِّمْسِمِ ، وَلَيْسَ كَالدَّقِيقِ مَعَ الْقَمْحِ وَلَا كَالرُّطَبِ مَعَ التَّمْرِ ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا هُوَ الْآخَرُ ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ ، فَالرُّطَبُ صَارَ إلَى يُبْسٍ وَهُوَ حَالَةُ تَهَيُّئِهِ لِأَكْثَرِ الِانْتِفَاعَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ ، وَالْقَمْحُ صَارَ إلَى تَفَرُّقٍ فَخَرَجَ عَنْ تِلْكَ الْحَالِ ، وَلَيْسَ السَّمْنُ هُوَ اللَّبَنُ حَتَّى تُعْتَبَرَ فِيهِ مَنَافِعُ اللَّبَنِ ، بَلْ تُعْتَبَرُ فِيهِ الِانْتِفَاعَاتُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ نَفْسِهِ وَهُوَ مُتَهَيِّئٌ لَهَا .
( وَأَمَّا ) الْفَوَاكِهُ الَّتِي لَا تُدَّخَرُ فَقَدْ فَهِمْتُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يُخَرِّجُهَا وَهُوَ مَا حَكَيْتُهُ عَنْهُ قَرِيبًا ( وَقَوْلُهُ ) إنَّهَا خُلِقَتْ مُسْتَحْشَفَةٌ ، وَالرُّطُوبَةُ الَّتِي فِيهَا رُطُوبَةُ طَرَاءَةٍ ، فَإِذَا زَايَلَ مَوْضِعَ اغْتِذَائِهِ عَادَ إلَى الْيُبْسِ ، يَعْنِي أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِيهِ لَيْسَتْ خِلْقَةً لَازِمَةً لَهُ ، بَلْ مُفَارِقَةً بِنَفْسِهَا ، فَلِذَلِكَ تَخَيَّلْت أَنَا ضَابِطًا ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : الْمُعْتَبَرُ فِي الْكَمَالِ عَدَمُ الرُّطُوبَةِ الْمُفَارِقَةِ أَوْ التَّغَيُّرِ الْمَانِعَيْنِ مِنْ التَّمَاثُلِ عَنْ النَّدَاوَةِ الْيَسِيرَةِ وَالتَّغَيُّرِ الْيَسِيرِ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ الزَّيْتُونُ ، فَإِنَّهُ كَامِلٌ ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي ضَابِطِ حَالَةِ الْكَمَالِ : يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ مَا يُقْصَدُ جَفَافُهُ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْقُوتِ أَوْ الْأُدْمِ مِنْهُ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ فَكَمَالُهُ فِي حَالَةِ ادِّخَارِهِ وَجَفَافِهِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّحْمُ عَلَى النَّصِّ ، وَمَا لَا يُجَفَّفُ بِحَالٍ كَالزَّيْتُونِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُ تَجْفِيفُهُ كَاللَّبَنِ ، فَحَالَةُ كَمَالِهِ كَحَالَةِ رُطُوبَتِهِ ، وَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ حَالَةُ كَمَالٍ أُخْرَى أَوْ أَكْثَرُ . وَإِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الزُّبْدِ بِالزُّبْدِ ، وَلَيْسَ يُوصَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةِ جَفَافٍ وَلَيْسَ يَصِيرُ اللَّبَنُ زُبْدًا أَوْ سَمْنًا وَلَا الزَّيْتُونُ زَيْتًا كَذَلِكَ ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمَقْصُودُ فِيمَا نَظُنُّهُ وَلَا تُرَدُّ الثِّمَارُ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ ، لِأَنَّهَا تُؤْكَلُ تَفَكُّهًا ، فَلَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ اعْتِبَارٌ لِأَنَّهُ لَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا وَلَا يُرَدُّ الدَّقِيقُ ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُدَّخَرِ بِمَا يُقْصَدُ غَالِبًا فِيهِ طَالَتْ مُدَّتُهُ أَوْ قَصُرَتْ وَادِّخَارُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَالْغَالِبُ فِي الْحَبِّ ادِّخَارُهُ حَبًّا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث