المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ زَيْدٍ هَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَايَا مِنْ الْعِنَبِ كَهِيَ مِنْ التَّمْرِ ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ عَلَى أُصُولِهِ خَرْصًا بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَّى بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فِي إيجَابِ الْعُشْرِ ، وَفِي سَنِّ الْخَرْصِ فِيهِمَا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ أَلْغَيْنَا قَيْدَ ظَاهِرَةٍ بَادِيَةٍ كَالْأَعْذَاقِ فَيُمْكِنُ خَرْصُهَا وَالْإِحَاطَةُ بِهَا . وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ادِّخَارَ الْيَابِسِ مِنْهُ ، وَإِمْكَانَ الْخَرْصِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُنَاسِبَانِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ .
وَوَافَقَنَا عَلَى إلْحَاقِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، هَلْ جَازَتْ فِي الْكَرْمِ نَصًّا ؟ وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا } ، وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ . وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا جَازَتْ فِي الْكَرْمِ قِيَاسًا .
( قُلْتُ : ) وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِمَّنْ جَعَلَا ذَلِكَ نَصًّا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّصِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، بَلْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِي النَّخِيلِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَرْمِ ، بَلْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا 383 لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ } فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّمْرِ ; لِأَنَّهُ فَصَلَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَجَعَلَهُ مَعَ بَقِيَّةِ الثَّمَرِ ، فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
نَعَمْ ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ : " وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا ، وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ خَرْصُهُ " ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا الْمُزَابَنَةُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ ( إلَّا الْعَرَايَا ) ، وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مَاضِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُثْبِتَةٌ لِمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ : ( وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ عَامٌّ فِي الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ ، فَيَكُونُ إلْحَاقُ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ ، فَمَنْ يَمْنَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِلْحَاقِ هَهُنَا إلَّا بِدَلِيلٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي تُجَفَّفُ مِثْلَ الْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْمِشْمِشِ فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى شَجَرِهِ بِخَرْصِهِ جَافًّا ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَهِيَ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : إنَّهَا الْمَشْهُورَةُ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ حُكْمُ قَوْلَيْنِ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ تَجُوزُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ ; لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى أَكْلِهَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهَا ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُنَاسَبَةٌ لِشَبَهِ الْحَاجَةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ ) فَتَعْلِيلٌ لِمُجَرَّدِ الِاسْمِ ، وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ - فَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ ، فَلَوْ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَانَ أَوْلَى ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - . ( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْأُمِّ الْمَنْسُوبِ إلَى الصَّرْفِ ، قَالَ : وَلَا تَكُونُ الْعَرَايَا إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ 384 خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ ، وَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا ، وَسَيَأْتِي عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَلْوِيحًا إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَغَوِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ وَيَكُونَ قِيَاسُهُ عَلَى الرُّطَبِ حِينَئِذٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَتَّفِقْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَصَحِيحٌ ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ ظَهَرَ لَهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَوْجَبْنَا الْأَخْذَ بِذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ .
وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمَّا رَأَوْا إلْحَاقَ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ ظَاهِرًا قَوِيًّا لَمْ يَتْرُكُوهُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ ، وَلَمَّا كَانَ إلْحَاقُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّمَارِ لَيْسَ بِجَلِيٍّ قَدَّمُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنَّ الْأَصْحَابَ بَنَوْا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْخَرْصَ هَلْ يَجْرِي فِي ثِمَارِ سَائِرِ الْأَشْجَارِ ؟ ( إنْ قُلْنَا ) : لَا يَجْرِي امْتَنَعَ الْبَيْعُ لِلْجَهَالَةِ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) : يَجْرِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّا هَلْ نَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِتْبَاعِ أَوْ نَتْبَعُ طَرِيقَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ؟ فَمَنْ سَلَكَ الْإِتْبَاعَ مَنَعَ ، وَمَنْ جَوَّزَ الرَّأْيَ سَوَّغَ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْخِلَافَ فِي الْخَرْصِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الزَّكَاةِ ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَلَا الْإِمَامُ ، قَالَ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي مَوْضِعٍ مَا ، وَلَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا .
( قُلْت ) : وَالْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ مَسْبُوقَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، لَكِنَّ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ : إنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِمَّا سِوَى الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( لِأَنَّ سَائِرَ الثِّمَارِ لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهَا ) فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ أَنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ ; لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ ، كَذَلِكَ فَرَضَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْإِمَامُ 385 فِي الْجَافِّ بِالرُّطَبِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْجَافِّ مَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَرَايَا بَيْعُ رُطَبٍ بِيَابِسٍ ، وَالْيَابِسُ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ لَا يُرْغَبُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا ، إنْ أَرَادَ عَدَمَ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْخَرْصُ فَصَحِيحٌ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ : وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِخَرْصٍ ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ رُطَبًا ; لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ كَمَا يُدْرَكُ عِلْمُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْإِمْكَانِ الْحِسِّيِّ فَقَدْ يُمْنَعُ . ( نَعَمْ ) هُوَ عَسِيرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْعِلَّةِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْخَرْصُ فِيهِ شَرْعًا ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الِاسْتِتَارُ فِي الْأَوْرَاقِ وَعَدَمِ الظُّهُورِ ، وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْعُشْرَ لَا يَجِبُ فِيهَا وَلَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِيهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إلْحَاقِ الْعِنَبِ وَقَطْعِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ عَنْ الْإِلْحَاقِ إلَى كَوْنِ الْعِنَبِ يُخْرَصُ ، وَهِيَ لَا تُخْرَصُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ . ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ وَالرُّويَانِيِّ ، وَنَقَلَهُ الْعُمْرَانِيُّ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ ، وَمِنْ الْجَازِمِينَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ ، وَفَرَّقَ الْمَحَامِلِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُوِّزَتْ الْمُسَاقَاةُ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَيَسْقِيهَا وَيَتَعَهَّدُهَا ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَيْعُ الْعَرَايَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالْخَرْصِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الثِّمَارِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالظَّاهِرُ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ الْأُمِّ : " وَكُلُّ ثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِثْلُ الْفِرْسِكِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْإِجَّاصِ وَذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ 386 لِأَنَّهَا لَا تُخْرَصُ لِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا ، وَالْحَائِلِ مِنْ الْوَرِقِ دُونَهَا ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَا وُصِفَتْ ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : هِيَ لَمْ تُخْرَصْ ، فَقَدْ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كَانَ مَذْهَبًا " . هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ بِحُرُوفِهِ .
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهُ تَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلٍ آخَرَ بِالْجَوَازِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ الْمَنْعُ ، وَمُقْتَضَى تَجْوِيزِ الْعَرَايَا فِيهَا جَوَازُ الْخَرْصِ فِيهَا ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تُبَاعُ الْعَرَايَا ؟ وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرَّمَ مِنْ غَيْرِهَا ، أَيْ مَا يُبَاعُ بِالتَّحَرِّي ، هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ الْأُمِّ وَنُسْخَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْهَا أَيْضًا ، وَفِيهِ إشْكَالٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَخَّصَ مِنْهَا فِي شَيْءٍ حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَا يَنْسَاغُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَنَّ بَيْعَهَا بِجِنْسِهَا بِالتَّحَرِّي غَيْرُ جَائِزٍ ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهَا جَائِزٌ .
وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ بِشْرِي الْمِصْرِيَّ فِي كِتَابِهِ الْمُخْتَصَرِ الْمُنَبَّهِ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، نَقَلَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ بِصِيغَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : هِيَ وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي ، فَأُجِيزُهُ ، كَانَ مَذْهَبًا ) فَأَسْقَطَ لَفْظَةً مِنْهَا وَاسْتَقَامَ الْمَعْنَى ، وَصَارَ الْمَعْنَى : لِأَنَّهُ كَمَا رَخَّصَ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي جَازَ فِيهَا ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَجْهِ الْإِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي ( وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا كَانَ مَذْهَبًا ) وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِي فَهْمِهِ .
فَائِدَةٌ : قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنْ قُلْتَ : إنَّهُ يَجِبُ إذَا مَنَعْنَا الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ، وَقَوْلٌ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَاسَ الْعِنَبُ عَلَى الرُّطَبِ ، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ فِي مَذْهَبِنَا ، وَأَجَابَ بِأَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ ، إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ فِي الْقَدِيمِ ، وَجَوَابُهُ لَعَلَّهُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّطَبِ . 387 قُلْت ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا ، وَتَرْجِيحُ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ ، وَأَمَّا كَوْنُ الشَّافِعِيِّ لَهُ قَوْلٌ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ فَلَمْ أَعْلَمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِذَلِكَ ، وَلَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي نَقْلٍ مُعْتَمَدٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَابٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى قِيَاسَ الْعَرَايَا مِنْ قِسْمِ مَا اسْتَثْنَى عَنْ قَاعِدَةٍ سَابِقَةٍ ، وَيَتَطَرَّقُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ مَعْنًى فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَارَتْ بَيْنَ الْمُسْتَقِرِّ وَمُشَارِكِ الْمُسْتَثْنَى فِي عِلَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَمَثَّلَ بِالْعَرَايَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَاسِخًا لِقَاعِدَةِ الرِّبَا لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ لِلْحَاجَةِ ، فَنَقِيسُ الْعِنَبَ ; لِأَنَّا نَرَاهُ فِي مَعْنَاهُ ، نَعَمْ لَنَا رُخَصٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَا لِأَجْلِ أَنَّهَا رُخَصٌ ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شُرُوطُ الْقِيَاسِ كَرُخَصِ السَّفَرِ وَالْمَسْحِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَالْغُرَّةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقَسَامَةِ وَنَظَائِرِهَا وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ ، مِنْ قِسْمٍ تَرْجَمَ الْغَزَالِيُّ عَنْهُ بِالْقَوَاعِدِ الْمُبْتَدَأَةِ الْعَدِيمَةِ النَّظِيرِ ، فَهَذِهِ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ فِيهَا لِعَدَمِ نَظِيرِهَا ، وَلَيْسَ كُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ ، فَلَعَلَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقِيسُ فِي الرُّخَصِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى هَذَا النَّقْلِ إلَّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَايَا مِنْ الْعِنَبِ كَهِيَ مِنْ التَّمْرِ ، وَاتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْعِنَبَ عَلَى أُصُولِهِ خَرْصًا بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَّى بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ فِي إيجَابِ الْعُشْرِ ، وَفِي سَنِّ الْخَرْصِ فِيهِمَا ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ أَلْغَيْنَا قَيْدَ ظَاهِرَةٍ بَادِيَةٍ كَالْأَعْذَاقِ فَيُمْكِنُ خَرْصُهَا وَالْإِحَاطَةُ بِهَا . وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ادِّخَارَ الْيَابِسِ مِنْهُ ، وَإِمْكَانَ الْخَرْصِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُنَاسِبَانِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ .
وَوَافَقَنَا عَلَى إلْحَاقِ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، هَلْ جَازَتْ فِي الْكَرْمِ نَصًّا ؟ وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا } ، وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ . وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهَا جَازَتْ فِي الْكَرْمِ قِيَاسًا .
( قُلْتُ : ) وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ مِمَّنْ جَعَلَا ذَلِكَ نَصًّا ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى النَّصِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، بَلْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَا يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ; لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَوْجُودَةِ فِي النَّخِيلِ مَوْجُودَةٌ فِي الْكَرْمِ ، بَلْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إلَّا 383 لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ } فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْعِنَبَ لَا يُعْطَى حُكْمَ التَّمْرِ ; لِأَنَّهُ فَصَلَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَجَعَلَهُ مَعَ بَقِيَّةِ الثَّمَرِ ، فَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
نَعَمْ ، فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ : " وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا ، وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ خَرْصُهُ " ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ النَّهْيَ عَنْ أُمُورٍ مِنْهَا الْمُزَابَنَةُ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ ( إلَّا الْعَرَايَا ) ، وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مَاضِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُثْبِتَةٌ لِمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ : ( وَعَنْ كُلِّ تَمْرٍ بِخَرْصِهِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ عَامٌّ فِي الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ ، فَيَكُونُ إلْحَاقُ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ ، فَمَنْ يَمْنَعُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِلْحَاقِ هَهُنَا إلَّا بِدَلِيلٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الثِّمَارِ الَّتِي تُجَفَّفُ مِثْلَ الْخَوْخِ وَالْإِجَّاصِ وَالْكُمَّثْرَى وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْمِشْمِشِ فَهَلْ يَجُوزُ عَلَى شَجَرِهِ بِخَرْصِهِ جَافًّا ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَهِيَ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُصَنِّفُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : إنَّهَا الْمَشْهُورَةُ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِالْمُسَاقَاةِ تَجُوزُ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ حُكْمُ قَوْلَيْنِ : أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ تَجُوزُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ ; لِأَنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلَى أَكْلِهَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهَا ، وَهَذِهِ عِلَّةٌ مُنَاسَبَةٌ لِشَبَهِ الْحَاجَةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( لِأَنَّهَا ثَمَرَةٌ ) فَتَعْلِيلٌ لِمُجَرَّدِ الِاسْمِ ، وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عِنْدَهُ وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ - فَغَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ ، فَلَوْ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَانَ أَوْلَى ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا سَأَذْكُرُهَا فِي آخِرِ الْكَلَامِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - . ( وَالثَّانِي ) لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْأُمِّ الْمَنْسُوبِ إلَى الصَّرْفِ ، قَالَ : وَلَا تَكُونُ الْعَرَايَا إلَّا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ 384 خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ ، وَاقْتَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى هَذَا ، وَسَيَأْتِي عَنْهُ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ تَلْوِيحًا إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي قَوْلَ الْمَنْعِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الرُّويَانِيِّ فِي الْحِلْيَةِ وَالْبَغَوِيِّ وَالْجُرْجَانِيِّ وَابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ وَيَكُونَ قِيَاسُهُ عَلَى الرُّطَبِ حِينَئِذٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَتَّفِقْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَصَحِيحٌ ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ ظَهَرَ لَهُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّ الرُّخْصَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَوْجَبْنَا الْأَخْذَ بِذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْعِنَبُ بِالزَّبِيبِ .
وَلَكِنَّ الْأَصْحَابَ لَمَّا رَأَوْا إلْحَاقَ الْعِنَبِ بِالرُّطَبِ ظَاهِرًا قَوِيًّا لَمْ يَتْرُكُوهُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ ، وَلَمَّا كَانَ إلْحَاقُ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الثِّمَارِ لَيْسَ بِجَلِيٍّ قَدَّمُوا ذَلِكَ اللَّفْظَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : إنَّ الْأَصْحَابَ بَنَوْا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْخَرْصَ هَلْ يَجْرِي فِي ثِمَارِ سَائِرِ الْأَشْجَارِ ؟ ( إنْ قُلْنَا ) : لَا يَجْرِي امْتَنَعَ الْبَيْعُ لِلْجَهَالَةِ ، ( وَإِنْ قُلْنَا ) : يَجْرِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّا هَلْ نَقْتَصِرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِتْبَاعِ أَوْ نَتْبَعُ طَرِيقَ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ ؟ فَمَنْ سَلَكَ الْإِتْبَاعَ مَنَعَ ، وَمَنْ جَوَّزَ الرَّأْيَ سَوَّغَ ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْخِلَافَ فِي الْخَرْصِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي الزَّكَاةِ ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَلَا الْإِمَامُ ، قَالَ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي مَوْضِعٍ مَا ، وَلَا يَلِيقُ ذِكْرُهُ فِي الزَّكَاةِ ; لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي ذَلِكَ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا .
( قُلْت ) : وَالْغَزَالِيُّ وَإِمَامُهُ مَسْبُوقَانِ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ، لَكِنَّ الِاعْتِرَاضَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ : إنَّ ذَلِكَ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّيْتُونِ ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِمَّا سِوَى الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( لِأَنَّ سَائِرَ الثِّمَارِ لَا يُدَّخَرُ يَابِسُهَا ) فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِي أَبَا الطَّيِّبِ أَنَّمَا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ ; لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يُدَّخَرُ يَابِسُهُ ، كَذَلِكَ فَرَضَهَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْإِمَامُ 385 فِي الْجَافِّ بِالرُّطَبِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْجَافِّ مَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَرَايَا بَيْعُ رُطَبٍ بِيَابِسٍ ، وَالْيَابِسُ الَّذِي لَا يُدَّخَرُ لَا يُرْغَبُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا ، إنْ أَرَادَ عَدَمَ الْإِمْكَانِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا الْخَرْصُ فَصَحِيحٌ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ بَيْعُ الثِّمَارِ : وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْهُ يَعْنِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ الْحُبُوبِ تُؤْخَذُ زَكَاتُهُ بِخَرْصٍ ، وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَهْلُهُ رُطَبًا ; لِأَنَّهُ لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ كَمَا يُدْرَكُ عِلْمُ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْإِمْكَانِ الْحِسِّيِّ فَقَدْ يُمْنَعُ . ( نَعَمْ ) هُوَ عَسِيرٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْعِلَّةِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْخَرْصُ فِيهِ شَرْعًا ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الِاسْتِتَارُ فِي الْأَوْرَاقِ وَعَدَمِ الظُّهُورِ ، وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الْعُشْرَ لَا يَجِبُ فِيهَا وَلَا يُسَنُّ الْخَرْصُ فِيهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إلْحَاقِ الْعِنَبِ وَقَطْعِ بَقِيَّةِ الثِّمَارِ عَنْ الْإِلْحَاقِ إلَى كَوْنِ الْعِنَبِ يُخْرَصُ ، وَهِيَ لَا تُخْرَصُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ خَرْصُ شَيْءٍ غَيْرُهُ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَسْلَمُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ . ( وَالطَّرِيقُ الثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَحَامِلِيِّ وَالرُّويَانِيِّ ، وَنَقَلَهُ الْعُمْرَانِيُّ عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ ، وَمِنْ الْجَازِمِينَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي الْكِفَايَةِ ، وَفَرَّقَ الْمَحَامِلِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ بِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُوِّزَتْ الْمُسَاقَاةُ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَيَسْقِيهَا وَيَتَعَهَّدُهَا ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَيْعُ الْعَرَايَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالْخَرْصِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الثِّمَارِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالظَّاهِرُ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنْ الْأُمِّ : " وَكُلُّ ثَمَرَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ مِثْلُ الْفِرْسِكِ وَالْمِشْمِشِ وَالْكُمَّثْرَى وَالْإِجَّاصِ وَذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلتَّمْرِ وَالْعِنَبِ 386 لِأَنَّهَا لَا تُخْرَصُ لِتَفَرُّقِ ثِمَارِهَا ، وَالْحَائِلِ مِنْ الْوَرِقِ دُونَهَا ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَا وُصِفَتْ ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : هِيَ لَمْ تُخْرَصْ ، فَقَدْ رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي فَأُجِيزُهُ كَانَ مَذْهَبًا " . هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ بِحُرُوفِهِ .
وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهُ تَقْتَضِي إثْبَاتَ قَوْلٍ آخَرَ بِالْجَوَازِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ الْمَنْعُ ، وَمُقْتَضَى تَجْوِيزِ الْعَرَايَا فِيهَا جَوَازُ الْخَرْصِ فِيهَا ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تُبَاعُ الْعَرَايَا ؟ وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : رَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا حَرَّمَ مِنْ غَيْرِهَا ، أَيْ مَا يُبَاعُ بِالتَّحَرِّي ، هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مِنْ الْأُمِّ وَنُسْخَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْهَا أَيْضًا ، وَفِيهِ إشْكَالٌ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ رَخَّصَ مِنْهَا فِي شَيْءٍ حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْجَوَازِ وَذَلِكَ مَعْنًى لَا يَنْسَاغُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِي أَنَّ بَيْعَهَا بِجِنْسِهَا بِالتَّحَرِّي غَيْرُ جَائِزٍ ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهَا جَائِزٌ .
وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ بِشْرِي الْمِصْرِيَّ فِي كِتَابِهِ الْمُخْتَصَرِ الْمُنَبَّهِ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ ، نَقَلَ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ بِصِيغَةٍ سَالِمَةٍ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : هِيَ وَإِنْ لَمْ تُخْرَصْ فَقَدْ رَخَّصَ فِيمَا حَرُمَ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي ، فَأُجِيزُهُ ، كَانَ مَذْهَبًا ) فَأَسْقَطَ لَفْظَةً مِنْهَا وَاسْتَقَامَ الْمَعْنَى ، وَصَارَ الْمَعْنَى : لِأَنَّهُ كَمَا رَخَّصَ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِهَا أَنْ يُبَاعَ بِالتَّحَرِّي جَازَ فِيهَا ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِوَجْهِ الْإِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي ( وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا كَانَ مَذْهَبًا ) وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِي فَهْمِهِ .
فَائِدَةٌ : قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنْ قُلْتَ : إنَّهُ يَجِبُ إذَا مَنَعْنَا الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ، وَقَوْلٌ لِغَيْرِهِ أَنْ لَا يُقَاسَ الْعِنَبُ عَلَى الرُّطَبِ ، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ فِي مَذْهَبِنَا ، وَأَجَابَ بِأَنَّ السُّؤَالَ صَحِيحٌ ، إنْ صَحَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ فِي الْقَدِيمِ ، وَجَوَابُهُ لَعَلَّهُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ يَرَى أَنَّ اسْمَ الْعَرِيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّطَبِ . 387 قُلْت ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَنْصُوصًا ، وَتَرْجِيحُ كَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ ، وَأَمَّا كَوْنُ الشَّافِعِيِّ لَهُ قَوْلٌ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا أَوْرَدَهُ فَلَمْ أَعْلَمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا بِذَلِكَ ، وَلَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي نَقْلٍ مُعْتَمَدٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَابٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ الْقِيَاسُ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى قِيَاسَ الْعَرَايَا مِنْ قِسْمِ مَا اسْتَثْنَى عَنْ قَاعِدَةٍ سَابِقَةٍ ، وَيَتَطَرَّقُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ مَعْنًى فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَارَتْ بَيْنَ الْمُسْتَقِرِّ وَمُشَارِكِ الْمُسْتَثْنَى فِي عِلَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَمَثَّلَ بِالْعَرَايَا فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَاسِخًا لِقَاعِدَةِ الرِّبَا لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ لِلْحَاجَةِ ، فَنَقِيسُ الْعِنَبَ ; لِأَنَّا نَرَاهُ فِي مَعْنَاهُ ، نَعَمْ لَنَا رُخَصٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَا لِأَجْلِ أَنَّهَا رُخَصٌ ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شُرُوطُ الْقِيَاسِ كَرُخَصِ السَّفَرِ وَالْمَسْحِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَالْغُرَّةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْقَسَامَةِ وَنَظَائِرِهَا وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ ، مِنْ قِسْمٍ تَرْجَمَ الْغَزَالِيُّ عَنْهُ بِالْقَوَاعِدِ الْمُبْتَدَأَةِ الْعَدِيمَةِ النَّظِيرِ ، فَهَذِهِ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ فِيهَا لِعَدَمِ نَظِيرِهَا ، وَلَيْسَ كُلُّ رُخْصَةٍ كَذَلِكَ ، فَلَعَلَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَقِيسُ فِي الرُّخَصِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى هَذَا النَّقْلِ إلَّا بَعْدَ تَثَبُّتٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith