المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء العاشر
الصفحة 5953 · ص. المطبوع 396 · الشرح
( الشَّرْحُ ) الْعَسَلُ إذَا أَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ عَسَلُ النَّحْلِ لَا غَيْرُ ، فَكُلُّ مَا يُتَّخَذُ مِنْ تَمْرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ حَبٍّ جِنْسٌ آخَرُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : الْعَسَلُ لُعَابُ النَّحْلِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، الْوَاحِدَةُ عَسَلَةٌ ، وَجَمْعُهُ أَعْسَالٌ وَعَسَلٌ وَعُسُولٌ وَعُسْلَانٌ إذَا أَرَدْتَ أَنْوَاعَهُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ تِلْوَ الْكَلَامِ السَّابِقِ : وَلَا يُبَاعُ عَسَلُ نَحْلٍ بِعَسَلِ نَحْلٍ إلَّا مُصَفَّيَيْنِ مِنْ الشَّمْعِ ; لِأَنَّهُمَا لَوْ بِيعَا وَزْنًا وَفِي أَحَدِهِمَا شَمْعٌ وَهُوَ غَيْرُ الْعَسَلِ كَانَ الْعَسَلُ بِالْعَسَلِ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ بِيعَا كَيْلًا . وَكَذَلِكَ ذَكَرَ فِي الْأُمِّ ، وَقَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَمْعٌ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : فَعَسَلُ النَّحْلِ الْمُنْفَرِدُ بِالِاسْمِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحُلْوِ ، وَقَالَ : فَلَا بَأْسَ بِالْعَسَلِ بِعَصِيرِ قَصَبِ السُّكَّرِ ، مِنْهُ لَا يُسَمَّى عَسَلًا إلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حُلْوًا كَالْعَسَلِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي عَسَلِ الطَّبَرْزَدِ .
وَقَالَ : وَهُوَ مَا يَبْقَى مِنْ السُّكَّرِ ثَخِينًا كَالْعَكِرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَسَلُ الطبرزد أَنْ يُطْبَخَ السُّكَّرُ ثُمَّ يُطْرَحَ فِي إجَّانَةٍ فَإِذَا جَمَدَ أُمِيلَتْ الْإِجَّانَةُ عَلَى جَانِبِهَا ، فَخَرَجَ مِنْهَا الْعَسَلُ ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَسَلِ النَّحْلِ مُتَفَاضِلًا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عَسَلِ الطَّبَرْزَدِ بِعَسَلِ الْقَصَبِ مُتَفَاضِلًا ; لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَهَلْ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَجْلِ الطَّبْخِ ، كَمَا فِي السُّكَّرِ بِالسُّكَّرِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ نَارَهُ خَفِيفَةٌ .
وَحُمِلَ الْقَوْلُ فِي بَيْعِ عَسَلِ النَّحْلِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بِشَمْعِهِ أَوْ لَا ، فَإِنْ بِيعَ بِشَمْعِهِ فَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِالصَّافِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَاعِدَةِ ( مُدِّ عَجْوَةٍ ) وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ وَفِيهِ الْعَظْمُ ، وَبَيْنَ التَّمْرِ وَفِيهِ النَّوَى مِنْ وَجْهَيْنِ : أَنَّ بَقَاءَ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ بِخِلَافِ الشَّمْعِ . وَ ( الثَّانِي ) أَنَّ الشَّمْعَ لَهُ قِيمَةٌ ، وَأَنَّ بَيْعَ الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِمِثْلِهِ ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ التَّصْفِيَةُ 396 بِالشَّمْسِ أَوْ بِالنَّارِ ، فَإِنْ صُفِّيَ بِالشَّمْسِ فَإِنْ تُرِكَ فِيهَا حَتَّى ذَابَ وَتَمَيَّزَ الشَّمْعُ مِنْ الْعَسَلِ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ النَّارُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ تَأْخُذُ مِنْهُ وَيَنْعَقِدُ بِهَا ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَفِيفَةً بِحَيْثُ يَحْمِيهِ بِهَا وَيُصَفِّيهِ مِنْ غَيْرِ كَثْرَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً أَوْ تُرِكَ حَتَّى انْعَقَدَتْ أَجْزَاؤُهُ وَثَخُنَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدِّبْسِ وَالزَّيْتِ وَشِبْهِهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً بِحَيْثُ أُذِيبَ وَأُخِذَ أَوَّلَ مَا ذَابَ قَبْلَ أَنْ تَنْعَقِدَ أَجْزَاؤُهُ - جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ بِالْجَوَازِ : هَذِهِ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ صُفِّيَ بِالنَّارِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ سَوَاءٌ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ .
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : إنَّ قَوْلَ الْمَنْعِ مُخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِالنَّارِ ، وَرَدَّ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّ السَّلَمَ امْتَنَعَ ; لِأَنَّهُ تَعَيَّبَ بِدُخُولِ النَّارِ فِيهِ ، وَالسَّلَمُ فِي الْمَعِيبِ لَا يَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ الْفُورَانِيُّ رَدَّ ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، ( وَأَظْهَرُ ) الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ الْجَوَازُ ، وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى سَائِرِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ .
( وَقَالَ ) الرُّويَانِيُّ : إنَّهُ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ عَصْرِهِ تَمَيُّزُ الشَّمْعِ عَنْهُ ، وَنَارُ التَّمْيِيزِ لَيِّنَةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِي التَّعْقِيدِ ، فَأَشْبَهَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ ، وَمِمَّنْ صَحَّحَ الْجَوَازَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفُورَانِيِّ ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ الْجَوَازَ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمُصَفَّى بِالشَّمْسِ وَالْمُصَفَّى بِالنَّارِ قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، كَمَا رَجَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَحَكَاهُمَا : الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ فِي الْكِتَابِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مُنَزَّلَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ التَّفْصِيلِ . وَيَكُونُ ذَلِكَ تَحْقِيقُ مَنَاطٍ ، هَلْ حَصَلَ نَقْصٌ أَوْ لَا ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَ الْعَسَلِ وَالزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ - حَيْثُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّيْتِ الْمَغْلِيِّ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - بِأَنَّ النَّارَ دَخَلَتْ فِي الْعَسَلِ بِالصَّلَاحِ وَتَمْيِيزِهِ مِنْ شَمْعِهِ فَلَمْ تَأْخُذْ 397 مِنْ أَجْزَاءِ الْعَسَلِ شَيْئًا ، وَكَذَلِكَ السَّمْنُ ، وَإِنَّمَا تَأْخُذُ النَّارُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ الِانْعِقَادُ وَاجْتِمَاعُ أَجْزَائِهِ ، قَالَ : حَتَّى لَوْ أَنَّ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى أُغْلِيَ بِالنَّارِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ; لِأَنَّ النَّارَ إذَنْ لَمْ تُمَيِّزْهُ مِنْ غَيْرِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث