المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6162 · ص. المطبوع 45 · الشرح
( فَرْعَانِ ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ ، وَنَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ عَنْهُ . ( أَحَدُهُمَا ) اشْتَرَى نَخْلَةً فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ مُقَابِلًا لَهَا ، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنْ سَلَّمَهَا اسْتَقَرَّ الْبَيْعُ فِي النَّخْلَةِ ، وَخَرَجَتْ الثَّمَرَةُ مِنْ أَمَانَتِهِ ، وَإِنْ تَلِفَتَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي النَّخْلَةِ ، وَعَلَيْهِ رَدُّ ثَمَنِهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الثَّمَرَةِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ سَلَّمَ النَّخْلَةَ وَأَخَذَ جَمِيعَ الثَّمَنِ ، وَإِنْ سَلِمَتْ الثَّمَرَةُ وَتَلِفَتْ النَّخْلَةُ سَقَطَ جَمِيعُ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي ، وَأَخَذَ الثَّمَرَةَ وَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ .
( الثَّانِي ) اشْتَرَى أَرْضًا عَلَيْهَا نَخِيلٌ مُؤَبَّرَةٌ ، وَاشْتُرِطَ كُلُّ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْجَمِيعِ مُتَسَاوِيَةً فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّمَهَا فَالثَّمَرَةُ الْحَادِثَةُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ أَكَلَ الْبَائِعُ الثَّمَرَتَيْنِ جَمِيعًا كَانَ عَاصِيًا فِيهِمَا ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ الثَّمَرَةِ الْخَارِجَةِ إنْ كَانَ أَكَلَهَا رُطَبًا فَثَمَنُهُ وَإِنْ كَانَ أَكَلَهَا تَمْرًا فَمِثْلُهُ ، وَأَمَّا الْخَارِجَةُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ لِأَجْلِهَا ، فَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ ; رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ أَجَازَ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جِنَايَةِ الْبَائِعِ ( إنْ قُلْنَا : ) كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ أَجَازَ فِي الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ ( وَإِنْ قُلْنَا : ) كَالْأَجْنَبِيِّ أَعْطَاهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ ثُمَّ غَرَّمَهُ بَدَلَ الثَّمَرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ ) الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُسْتَصْفَى مِنْ الْمُنْكَرِينَ لِهَذَا 45 الْمَفْهُومِ ، وَلَكِنَّهُ فِي كُتُبِهِ الْخِلَافِيَّةِ كَالتَّحْضِيرِ بَالَغَ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ وَتَقْرِيرِهِ وَأَنَّ عُرْفَ الْعَرَبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَفْهَمَ أُمُورًا تَكَادُ تَزِيدُ فَوَائِدُهَا عَلَى مُوجَبِ الْأَوْضَاعِ ، وَأَنَّ الْإِشْكَالَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، وَالْبَقَاءُ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فِيهِ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ ، أَمَّا بَعْدَ التَّخْصِيصِ ارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِدَلِيلٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ ، وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ وَبَيْنَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى الْمُخْتَارِ أَنَّ التَّخْصِيصَ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَعْمَلُ عُرْفًا لِلنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِطَرِيقِ الْإِيجَازِ ، وَمَعْنَى التَّخْصِيصِ إيقَاعُ الْخُصُوصِ بِقَطْعِ بَعْضِ الْجُمْلَةِ عَنْ الْجُمْلَةِ . وَالْجُمْلَةُ إمَّا أَنْ تَتَمَثَّلَ فِي الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ : مَنْ بَاعَ نَخْلَةً فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْمُؤَبَّرَةَ وَغَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ ، فَإِذَا اسْتَدْرَكَ وَقَالَ : بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا وَقَطْعًا عَنْ جُمْلَةٍ وَإِمَّا أَنْ تَتَمَثَّلَ فِي الْوَهْمِ بِأَنْ يَكُونَ ذِكْرُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ مُذَكِّرًا لِلْآخَرِ الْمَقْطُوعِ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ كَقَوْلِهِ : الثَّيِّبُ أَحَقُّ فَإِنَّهُ قَطْعٌ عَنْ الْبِكْرِ ; إذْ الثِّيَابَةُ وَالْبَكَارَةُ صِفَتَانِ يَتَقَاطَعَانِ عَلَى التَّعَاقُبِ ، وُضِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِفَصْلِ قِسْمٍ عَنْ قِسْمٍ ، وَالْعَلْفُ أَيْضًا كَذَلِكَ مَعَ إثْبَاتِ الثِّيَابَةِ بِذِكْرِ الثِّيَابَةِ وَالسَّوْمِ بِالضَّرُورَةِ ، وَالْيَوْمُ فِي قَوْلِهِ " { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } " وَالتَّأْبِيرُ نَفْيُ الْبَكَارَةِ وَالْعَلْفِ وَاللَّيْلِ وَالِاسْتِتَارِ ، وَلَيْسَ فِي إثْبَاتِ الْبُرِّ نَفْيُ الزَّعْفَرَانِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْفَوَاكِهِ وَغَيْرِهَا أَوْ لَا اتِّصَالَ بَيْنَ الْبُرِّ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ ذِكْرُهُ قَطْعًا لِذَلِكَ الِاتِّصَالِ .
نَعَمْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِقَرِينَةٍ تَنْضَمُّ إلَى الذِّكْرِ الْقَاصِرِ . فَأَمَّا مُجَرَّدُ الذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ ، وَالتَّخْصِيصُ دَلِيلٌ بِالْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا إلَّا بِقَرِينَةٍ ، فَلْيُدْرَكْ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ نَفِيسِ الْكَلَامِ لِمَنْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَفَهِمَ بِذَوْقِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ . فَيَعْلَمُ بِهَذَا الْكَلَامِ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ ( وَأَمَّا ) مَنْ لَمْ يَشْهَدْ ذَوْقُهُ لِلتَّفْرِقَةِ قَالَ : فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ لَا يُكَلَّمَ ، وَمُرَادُهُ بِالْعُرْفِ عُرْفُ الْمُحَاوَرَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا عُرْفٌ طَارِئٌ بَعْدَهُمْ ، وَهَذَا السِّرُّ هُوَ الْمُوجِبُ لِكَوْنِنَا لَمْ نَقُلْ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ : " { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } " وَمَفْهُومِ 46 قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ( وَأَمَّا ) الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَتَّفِقُ إلَّا فِي حَالَةِ الشِّقَاقِ ، وَيَسْتَحِيلُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وُقُوعُهُ فِي حَالَةِ الْمُصَافَاةِ ، وَمَا لَا يَقَعُ عُرْفًا فَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ الشَّرْعِ بَيَانُهُ ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ الشَّارِعُ كُلَّ مَحَلِّ الْحَاجَةِ ، وَلَمْ يَقَعْ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ ، وَذِكْرُهُ اللُّحُوقَ ذِكْرُهُ لِمَحَلِّ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ ، وَهُوَ كُلُّ مَحَلِّ الْحَاجَةِ ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إمَّا أَنْ تُفَوِّضَ أَمَرَهَا لِلْوَلِيِّ لِحَيَائِهَا أَوْ تَسْتَقِلَّ لِزَوَالِ حَيَائِهَا ( أَمَّا ) الْمُبَاشَرَةُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا تَقَعُ فِي الْعَادَةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَحَلِّ الْبَيَانِ فِي غَرَضِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) فِي التَّأْبِيرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " { ۝ أَبْصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ : مَا لِلنَّاسِ ؟ قَالُوا : يُلَقِّحُونَ . فَقَالَ : لَا لِقَاحَ - أَوْ لَا أَدْرِي اللِّقَاحَ شَيْئًا ، فَقَالَ : فَتَرَكُوا اللِّقَاحَ ، فَخَرَجَ ثَمَرُ النَّاسِ شِيصًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنُهُ ؟ قَالُوا : كُنْتَ نَهَيْتَ عَنْ اللِّقَاحِ ، فَقَالَ : مَا أَنَا بِزَارِعٍ وَلَا صَاحِبِ نَخْلٍ لَقِّحُوا } " أَوْرَدَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِتَضَمُّنِهِ النَّهْيَ عَنْ اللِّقَاحِ ثُمَّ الْإِذْنَ فِيهِ ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ قَوْلَهُ : " لَا لِقَاحَ " صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ وَأَنَّ لِلشَّارِعِ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ كَيْفَ أَرَادَ ، وَلِهَذَا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُنْتَ نَهَيْتَ عَنْ اللِّقَاحِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ، وَمَالَ الْحَازِمِيُّ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، وَلِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " { ۝ إنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ ، فَإِنَّنِي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ } " ثُمَّ قَالَ الْحَازِمِيُّ : وَعَلَى الْجُمْلَةِ : الْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ ، وَلِذَلِكَ أَبْقَيْنَا يَعْنِي فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث