المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6231 · ص. المطبوع 145 · الشرح
( الشَّرْحُ ) الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ : وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ : الثَّانِي : أَنْ يَبِيعَ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا . وَقَسَّمَهُ الْأَصْحَابُ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَالتَّبْقِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ إلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ لِأَحْكَامٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ . ( الْحَالَةُ الْأُولَى ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَهَذَا جَائِزٌ إجْمَاعًا ، وَمِمَّنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَمُسْتَنَدُهُ ، أَمَّا مَفْهُومُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَشِبْهِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَإِنَّ مَفْهُومَ الْغَايَةِ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهَا عِنْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ، وَأَمَّا زَوَالُ الْحَالَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ ، فَيَرْجِعُ إلَى أَصْلِ حِلِّ الْبَيْعِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ ، وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِضَادِ بِهِ ، فَإِنَّ فِي التَّمَسُّكِ بِالْمَفْهُومِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ بَحْثًا مِنْ جِهَةِ : أَنَّ الْمَفْهُومَ لَهُ عُمُومٌ أَوْ لَا . قَالَ شَارِحُ الْبُرْهَانُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ : إنْ اسْتَنَدَ الْمَفْهُومُ إلَى طَلَبِ فَوَائِدِ التَّخْصِيصِ لَمْ يَعُمَّ ، وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ عَمَّ ، وَعَزَى الْأَوَّلَ إلَى الشَّافِعِيِّ ، لَكِنَّا قَدَّمْنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ ، فَإِنْ صَحَّ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ اُتُّجِهَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْخَبَرِ فِي الْحَالَتَيْنِ ، وَلَا احْتِيَاجَ إلَى الِاعْتِضَادِ بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ ، وَالْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ هَلْ إذَا شُرِطَ الْقَطْعُ يَجِبُ ؟ قَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ : أَنَّهُ يَجِبُ ، وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى التَّرْكِ جَازَ ، وَكَذَلِكَ يَأْتِي 145 هَهُنَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى ، قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا - يَعْنِي جَوَازَ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ - مُطَّرِدٌ فِي ابْتِيَاعِ الشَّجَرَةِ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ مِنْ الْمَغْرِسِ ، وَابْتِيَاعُ الْبِنَاءِ كَذَلِكَ .
( الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا فَيَجُوزَ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ لِلْخَبَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ ، وَبِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابُ : وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُشْتَرِي تَرْكُهَا إلَى أَوَانِ الْجِذَاذِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَطْعُهَا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ . وَإِطْلَاقُهُ عِنْدَنَا يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ بِالْعُرْفِ وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ : { ۝ أَرَأَيْتَ إذَا مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : هَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا يُوجِبُ تَبْقِيَتَهَا إلَى أَوَانِ الْبُلُوغِ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ لَمْ تَكُنْ تُعَرَّضُ لِلْجَائِحَةِ وَالتَّلَفِ .
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : إنَّ هَذَا كَمَنْ قَالَ : بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِدَرَاهِمَ وَلَا لِدَنَانِيرَ . وَكَانَتْ قِيمَتُهُ فِي الْعُرْفِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَالْعُرْفُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَاقِدَ لَا يَشْتَرِيهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ الْعَقْدُ بَاطِلٌ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا : بِأَنَّ فِي الْعُرْفِ مَنْ أَطْلَقَ الْأَلْفَ اتِّكَالًا عَلَى الْعُرْفِ لِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْجَهْلِ . وَمَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِبْقَاءِ وَطَمِعَ فِي الْإِبْقَاءِ لَا يُنْسَبُ إلَى الْجَهْلِ وَلَا يُعَدُّ مُقَصِّرًا بِتَرْكِهِ .
( الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ ) : أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ فَيَصِحَّ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - : لَا يَصِحُّ تَمَسُّكًا بِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي مُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ الْخَاصِّ لِلتَّبْقِيَةِ ، وَعَنْ الثَّانِي بِمَا إذَا اشْتَرَى دَارًا وَلِلْبَائِعِ فِيهَا مَتَاعٌ ، فَإِنَّهُ يَنْقُلُهُ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ وَتَمَسَّكَ الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَمَفْهُومِ الْغَايَةِ فِيهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَأَبُو حَنِيفَةَ يُنْكِرُ مَفْهُومَ الْغَايَةِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ بَعْضُ الْمُنْكَرِينَ لِلْمَفْهُومِ ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْقِيَاسِ مَبْنِيٌّ عَلَى اقْتِضَاءِ الْعُرْفِ لِذَلِكَ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ : أَنَّهُ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا جَازَ بَيْعُهَا . وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ الْمَنْعَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَرْتَفِعُ فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشُرُوطِهِ 146 الْمَذْكُورَةِ فِي مَوَاضِعِهَا ، فَالشَّعِيرُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مُشَاهَدٌ فِي سُنْبُلِهِ . وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ بَارِزَةٍ كَالتُّفَّاحِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْكُمَّثْرَى ، أَوْ زَرْعٍ بَارِزٍ حَبُّهُ فِي غَيْرِ كِمَامٍ ، كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ . وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مَسْتُورًا بِقِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَصْلَحَتُهُ فِي بَقَائِهِ فِيهَا كَالرُّمَّانِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْأُرْزِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ . وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ قِشْرَةٌ يَتَحَفَّظُ بِغَيْرِهَا كَالْقُطْنِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعَدَسِ . أَوْ قِشْرَتَانِ إمَّا كَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالْجَوْزِ ، وَإِمَّا كَالْبَاقِلَّاءِ وَاللَّوْزِ وَالرُّطَبِ فَلَا يَجُوزُ . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَيْعَ الْبَاقِلَاءِ وَبَيْعَ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا فِي بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ شَرْحِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ مِنْ الْمَعْنَى بِقَوْلِي : إنَّ الْمَنْعَ الْأَوَّلَ ارْتَفَعَ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ ، جَوَابٌ عَلَى تَمَسُّكِ الْخَصْمِ بِالْمَفْهُومِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ لَهُ عُمُومًا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ارْتِفَاعَ ذَلِكَ النَّهْيِ ، أَمَّا ارْتِفَاعُ النَّهْيِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَلَا . كَقَوْلِهِ : " أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ " فَهِيَ إذَا وَضَعَتْ يَرْتَفِعُ النَّهْيُ الَّذِي لِأَجْلِ النَّسَبِ ، وَيَبْقَى النَّهْيُ لِأَجْلِ الْأَذَى حَتَّى تَغْتَسِلَ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : بَيْعُ الزَّرْعِ وَحْدَهُ إنْ كَانَ بَذْرًا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَصِيلًا جَازَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ . أَوْ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ بَارِزًا كَانَ كَالشَّعِيرِ وَالْجَاوَرْسِ وَالدُّخْنِ . أَوْ مُتَسَنْبِلًا فِي كِمَامٍ ، فَقَوْلَا بَيْعِ الْغَائِبِ ، فَإِنْ بَاعَ الْأَرْضَ مَعَ الزَّرْعِ - فَإِنْ كَانَ أَخْضَرَ - صَحَّ فِيهِمَا . أَوْ مُشْتَدَّ الْحَبَّاتِ بَارِزًا فَكَذَلِكَ ، أَوْ مُسْتَتِرًا - فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ فِيهِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ - بَطَلَ هَهُنَا فِيهِ . وَفِي الْأَرْضِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَإِنْ صَحَّحْنَا فِيهِ الِانْفِرَادَ ، وَلَكِنْ نُثْبِتُ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ ، فَهَهُنَا قَوْلَا الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ .
( فَرْعٌ ) قَصَبُ السُّكْرِ صَلَاحُهُ فِي بَقَائِهِ فِي قِشْرِهِ ، كَالْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ ، فِي قِشْرِهِ الْأَسْفَلِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِجِوَازِ بَيْعِهِ إذَا بَدَتْ فِيهِ الْحَلَاوَةُ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَوْلَا جَوَازُ بَيْعِهِ فِي قِشْرِهِ لَمَا جَازَ بَيْعُهُ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، وَيَبْقَى إلَى أَوَانِ قَطْعِهِ .
( فَرْعٌ ) الْكَتَّانُ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : يَظْهَرُ جَوَازُ بَيْعِهِ ; لِأَنَّ مَا يُغْزَلُ مِنْهُ ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ وَالشَّاشُ فِي بَاطِنِهِ كَالنَّوَى فِي التَّمْرَ 147 وَنَحْوِهِ ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ التَّمْرِ وَالنَّوَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث