المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( الشَّرْحُ ) ضَبَطَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ حَمْلَيْنِ بِفَتْحِ الْحَاء قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ : وَقَالَ غَيْرُهُ : الْحَمْلُ بِالْفَتْحِ مَا كَانَ فِي بَطْنٍ أَوْ عَلَى رَأْسِ شَجَرَةٍ . وَبِالْكَسْرِ مَا كَانَ عَلَى رَأْسٍ أَوْ ظَهْرٍ ، وَحَمْلُ الشَّجَرَةِ مَرَّتَيْنِ ، يُقَالُ : إنَّ ذَلِكَ فِي التِّينِ وَاللَّوْزِ وَالرَّانِجِ وَالْأُتْرُجِّ تَحْمِلُ حَمْلَيْنِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَالتَّقْيِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ وَتَبَيَّنَ : أَنَّ مَا مَضَى مِنْ الْكَلَامِ فِي اخْتِلَاطِ الثِّمَارِ الْمَبِيعَةِ إنَّمَا مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِلَاطُ غَالِبًا ، أَوْ كَانَ غَالِبًا وَلَكِنْ شُرِطَ الْقَطْعُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَتَّفِقْ حَتَّى وَقَعَ الِاخْتِلَاطُ ، أَمَّا إذَا كَانَ الِاخْتِلَاطُ غَالِبًا وَلَمْ يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَهُنَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ ثَمَرِ الْحَائِطِ يُبَاعُ أَصْلُهُ .
قَالَ الرَّبِيعُ هُنَاكَ : وَلِلشَّافِعِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلٌ : أَنَّهُ إنْ شَاءَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةِ الْمُشْتَرِي صَحَّ ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ : وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ الرَّبِيعُ مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا بَاعَ جُذَّةً مِنْ الرَّطْبَةِ ، فَلَمْ يَجُذَّهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى حَدَثَتْ أَعْيَانٌ أُخَرُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلًا آخَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ .
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ : وَغَلِطَ فِي هَذَا ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالْفَرْقُ : أَنَّ الرَّطْبَةَ إنَّمَا تُبَاعُ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ ، فَالْمَبِيعُ مَعْلُومٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَإِنَّمَا يُخَافُ تَعَذُّرُ التَّسْلِيمِ بِمَعْنًى رُبَّمَا حَدَثَ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْدُثْ ، فَصَحَّ الْعَقْدُ وَهَهُنَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الثَّمَرَةِ الْمَوْجُودَةِ ، وَالْعَقْدُ يَقْتَضِي تَبْقِيَتَهَا إلَى وَقْتِ الْجُذَاذِ ، فَإِذَا عُلِمَ اخْتِلَاطُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، فَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَا يُعْلَمُ تَعَذُّرُ تَسْلِيمِهِ حَالَ اسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ ، انْتَهَى . وَشَبَّهُوهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَقَدْ أَطْبَقَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ ، وَرَدِّ مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ . 191 قَالُوا : وَإِنَّمَا وِزَانُ مَسْأَلَةِ الرَّطْبَةِ لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ قَوْلَ الرَّبِيعِ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ . قَالَ : وَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ قَوْلًا بَعِيدًا : أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ سَمَحَ الْبَائِعُ بِبَذْلِ حَقِّهِ تَبَيَّنَّا انْعِقَادَ الْعَقْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ تَبَيَّنَّا : أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي أَصْلِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ مُزَيَّفٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ الْمَصِيرِ إلَى وَقْفِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ عَلَى تَقْدِيرِ فَرْضِ الِاقْتِدَارِ عَلَيْهِ وِفَاقًا ، فَإِنْ طَرَدُوا هَذَا ، فَهُوَ عَلَى فَسَادٍ مُطَّرِدٌ ، وَمَا أَرَاهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . وَأَرَادَ الْإِمَامُ بِالْقَوْلِ الَّذِي نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الرَّبِيعِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَقْفِ الْعُقُودِ ، بَلْ صَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : اسْمَحْ بِتَرْكِ حَقِّكَ ، فَإِنْ سَمَحَ وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ الرَّبِيعِ فِي الْأُمِّ الَّتِي حَكَيْتُ بَعْضَهَا فِي صَدْرِ كَلَامِي مُحْتَمِلَةٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ، وَالْأَوْلَى : أَنْ يُتْرَكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِنْ وَقْفِ الْعُقُودِ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ أَوْ عَدَمَ انْعِقَادِهِ .
وَأَمَّا إلْزَامُهُمْ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ فَالْفَرْقُ : أَنَّ الثَّمَرَةَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْآبِقُ ، لَكِنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ ضَعِيفٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمُصَنِّفُ ، فَإِنَّ الرَّطْبَةَ لِأَجْلِ شَرْطِ الْقَطْعِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا ، وَهَهُنَا الْإِبْقَاءُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُسْتَحَقٌّ ، فَلَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ ، وَكَوْنُهُ تَسْلِيمُهُ بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ لَا يَكْفِي ; لِأَنَّ شَرْطَ الْعَقْدِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ الَّذِي لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ إذْ قَالَا : إنَّ الِاخْتِلَافَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ لَا يُوجِبُ الِانْفِسَاخَ : أَنْ يَقُولَا بِالصِّحَّةِ هَهُنَا ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَلِلْبَائِعِ إجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا إذَا بَاعَ مُطْلَقًا لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ عُهْدَةِ الضَّمَانِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ ، وَحِينَئِذٍ تُسَاوِي مَسْأَلَةَ الرَّطْبَةِ ، نَعَمْ لَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ لَا يُمْكِنُ فِي حَالٍ إلَّا مَعَ الِاخْتِلَاطِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْبِئْرِ إذَا أُفْرِدَتْ بِالْبَيْعِ وَقُلْنَا : الْمَاءُ رَدَّهَا ، وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْوَافِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ حُدُوثَ مَا تَخْتَلِطُ بِهِ الثَّمَرَةُ الْمَبِيعَةُ إذَا تَرَكَهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ لِلْعُذْرِ الْمُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْبَيْعِ فَيَصِحُّ نَقْلُ الرَّبِيعِ .
192 قُلْتُ ) : وَإِيجَابُ الْقَطْعِ بِدُونِ شَرْطِهِ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ، وَلَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ أَوْ لَا ؟ وَالْجُمْهُورُ : عَلَى أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ ، وَلِهَذَا مَنَعُوا الْأَبَ مِنْ نِكَاحِ جَارِيَةِ ابْنِهِ إذَا قُلْنَا : لَوْ أَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَشَاهِدُهُ مِنْ السُّنَّةِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ } " وَأَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا فِي إلْزَامِهِمْ الْعِرَاقِيِّينَ طَرْدَهُ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ ، أَنَّهُ أَبْدَى فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ احْتِمَالًا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، الْمُنْقَطِعِ الْخَبَرُ مَعَ عَدَمِ اتِّصَالِ الرِّفَاقِ ، وَعَدَمُ إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ظَاهِرٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَمِمَّا يَجِبُ ذِكْرُهُ : أَنَّا إذَا مَنَعْنَا الْبَيْعَ ، فَلَوْ تَبَيَّنَ بَقَاءُ الْعَبْدِ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي : نُفُوذُ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ يُلْتَفَتُ عَلَى الْوَقْتِ ، وَلَكِنْ إذَا بَانَ الْأَمْرُ مِنْ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَظَنُّ التَّعَذُّرِ لَا يَبْقَى أَثَرُهُ مَعَ تَبَيُّنِ خِلَافِهِ ، وَكَانَ فِي الْمُعَامَلَاتِ يُضَاهِي صَلَاةَ الْخَوْفِ مَعَ سَوَادٍ يَحْسِبَهُ عَدُوًّا ثُمَّ بَانَ خِلَافَهُ .
( فَرْعٌ ) إذَا اشْتَرَى الشَّجَرَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ ظُهُورِ أَحَدِ الْحَمْلَيْنِ وَتَأْبِيرِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُحْدِثُ الْحَمْلَ الْآخَرَ وَيَخْتَلِطُ بِهِ ، فَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَقَالَ : إنَّهُ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ ، يَعْنِي خِلَافُ الرَّبِيعِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ ؟ وَيَنْبَغِي عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالصِّحَّةِ الْحُكْمُ ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِلَافِ يَكُونُ كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدَ الْحَمْلَيْنِ ، فَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا بَاعَ شَجَرَةً وَاسْتَثْنَى ثَمَرَتَهَا الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ شَرْطُ الْقَطْعِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَإِذَا بَاعَ شَجَرَةً وَبَقِيَتْ ثَمَرَتُهَا الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُهَا جَزْمًا ، وَإِذَا بَاعَ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَعَلِمَ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا قَبْلَ الْجُذَاذِ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ وَاخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ أُخْرَى فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَلَوْ بَاعَ رَطْبَةً أَوْ شَبَهَهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ .
وَلَوْ بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا رَطْبَةٌ تَبْقَى لِلْبَائِعِ ، وَيَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا ، 193 فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ يَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَدَّمْتُهُ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فَكَذَلِكَ هُنَا ، وَظَهَرَ لَكَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : أَنَّ إطْلَاقَهُمْ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِيمَا إذَا بَقِيَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ بِالشَّرْطِ ، أَوْ بَعْدَ التَّأْبِيرِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِالْعَقْدِ ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَلَاحُقُ الثِّمَارِ غَالِبًا ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَالِبًا فَمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ بُطْلَانُهُ ، كَمَا إذَا بَاعَ ثَمَرَةً يَعْلَمُ تَلَاحُقَهَا بِغَيْرِهَا ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفَرِّقَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ هُنَاكَ مَبِيعَةٌ ، فَتَعَذُّرُ تَسْلِيمِهَا مُوجِبٌ لِلْبُطْلَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ : إنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ ابْنُ خَيْرَانَ فِيمَا إذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ فَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْأَصْحَابُ هُنَاكَ . وَلَوْ بَاعَ شَجَرَةً وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ غَيْرُ مُؤَبَّرَةٍ وَاسْتَثْنَاهَا الْبَائِعُ ، إمَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ إنْ شَرَطْنَاهُ أَوْ بِدُونِهِ ، فَحَدَثَ طَلْعٌ آخَرُ ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ مَا إذَا بَقِيَتْ الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ وَحَدَثَ طَلْعٌ آخَرُ ؟ فَيُجْرَى فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الطَّلْعَ يَكُونُ لِلْبَائِعِ ؟ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ؟ أَوْ نَقُولُ هُنَا : إنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ لِلْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ إنَّمَا بَقِيَتْ بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَسْتَتْبِعُ الطَّلَبُ الْحَادِثَ ، لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا ( فَإِنْ قُلْنَا ) : إنَّ الطَّلْعَ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلثَّمَرَةِ ، فَلَا كَلَامَ ( وَإِنْ قُلْنَا ) : لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ الْغَالِبُ تَلَاحُقَهُ ، فَهَلْ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ ، يَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيهَا الْبُطْلَانُ ، وَلَوْ اشْتَرَى شَجَرَةَ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مَعَ ثَمَرَتِهَا ، اُشْتُرِطَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ كَالزَّرْعِ ; ثُمَّ إنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْقَطْعُ حَتَّى خَرَجَ شَيْءٌ آخَرُ فَالْخَارِجُ وَالْمَوْجُودُ كُلُّهُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَحْصِيلِ كُلِّ الثَّمَرَةِ الْمَوْجُودَةِ وَغَيْرِهَا لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ أَرَادَ الْخَلَاصَ مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِالْقَطْعِ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ الْأَرْضَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ مَنْفَعَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ . وَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُطَالَبَتَهُ بِالْقَطْعِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ .
قَالَ الرَّبِيعُ هُنَاكَ : وَلِلشَّافِعِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا قَوْلٌ : أَنَّهُ إنْ شَاءَ رَبُّ الْحَائِطِ أَنْ يُسَلِّمَ مَا زَادَ مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةِ الْمُشْتَرِي صَحَّ ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ : وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ الرَّبِيعُ مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا بَاعَ جُذَّةً مِنْ الرَّطْبَةِ ، فَلَمْ يَجُذَّهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى حَدَثَتْ أَعْيَانٌ أُخَرُ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلًا آخَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى تِلْكَ .
قَالَ الْمَحَامِلِيُّ : وَغَلِطَ فِي هَذَا ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالْفَرْقُ : أَنَّ الرَّطْبَةَ إنَّمَا تُبَاعُ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ ، فَالْمَبِيعُ مَعْلُومٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَإِنَّمَا يُخَافُ تَعَذُّرُ التَّسْلِيمِ بِمَعْنًى رُبَّمَا حَدَثَ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْدُثْ ، فَصَحَّ الْعَقْدُ وَهَهُنَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الثَّمَرَةِ الْمَوْجُودَةِ ، وَالْعَقْدُ يَقْتَضِي تَبْقِيَتَهَا إلَى وَقْتِ الْجُذَاذِ ، فَإِذَا عُلِمَ اخْتِلَاطُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، فَقَدْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَا يُعْلَمُ تَعَذُّرُ تَسْلِيمِهِ حَالَ اسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ ، انْتَهَى . وَشَبَّهُوهُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَقَدْ أَطْبَقَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْجِيحِ الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ ، وَرَدِّ مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ . 191 قَالُوا : وَإِنَّمَا وِزَانُ مَسْأَلَةِ الرَّطْبَةِ لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ .
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ قَوْلَ الرَّبِيعِ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ . قَالَ : وَذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ قَوْلًا بَعِيدًا : أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ سَمَحَ الْبَائِعُ بِبَذْلِ حَقِّهِ تَبَيَّنَّا انْعِقَادَ الْعَقْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَحْ تَبَيَّنَّا : أَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فِي أَصْلِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ مُزَيَّفٌ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ الْمَصِيرِ إلَى وَقْفِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ عَلَى تَقْدِيرِ فَرْضِ الِاقْتِدَارِ عَلَيْهِ وِفَاقًا ، فَإِنْ طَرَدُوا هَذَا ، فَهُوَ عَلَى فَسَادٍ مُطَّرِدٌ ، وَمَا أَرَاهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ . وَأَرَادَ الْإِمَامُ بِالْقَوْلِ الَّذِي نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّونَ : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ الرَّبِيعِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ الَّذِي رَأَيْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَقْفِ الْعُقُودِ ، بَلْ صَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ فِي حِكَايَةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْبَائِعِ : اسْمَحْ بِتَرْكِ حَقِّكَ ، فَإِنْ سَمَحَ وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ الرَّبِيعِ فِي الْأُمِّ الَّتِي حَكَيْتُ بَعْضَهَا فِي صَدْرِ كَلَامِي مُحْتَمِلَةٌ لِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ، وَالْأَوْلَى : أَنْ يُتْرَكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مِنْ وَقْفِ الْعُقُودِ ، وَلَا يَتَبَيَّنُ انْعِقَادَ الْعَقْدِ أَوْ عَدَمَ انْعِقَادِهِ .
وَأَمَّا إلْزَامُهُمْ بِالْعَبْدِ الْآبِقِ فَالْفَرْقُ : أَنَّ الثَّمَرَةَ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْآبِقُ ، لَكِنَّ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ ضَعِيفٌ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمُصَنِّفُ ، فَإِنَّ الرَّطْبَةَ لِأَجْلِ شَرْطِ الْقَطْعِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا ، وَهَهُنَا الْإِبْقَاءُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُسْتَحَقٌّ ، فَلَا يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ ، وَكَوْنُهُ تَسْلِيمُهُ بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ لَا يَكْفِي ; لِأَنَّ شَرْطَ الْعَقْدِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ الَّذِي لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ إذْ قَالَا : إنَّ الِاخْتِلَافَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ لَا يُوجِبُ الِانْفِسَاخَ : أَنْ يَقُولَا بِالصِّحَّةِ هَهُنَا ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَلِلْبَائِعِ إجْبَارُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا إذَا بَاعَ مُطْلَقًا لِخُرُوجِهِ بِذَلِكَ عَنْ عُهْدَةِ الضَّمَانِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَنْقُولِ ، وَحِينَئِذٍ تُسَاوِي مَسْأَلَةَ الرَّطْبَةِ ، نَعَمْ لَوْ كَانَ التَّسْلِيمُ لَا يُمْكِنُ فِي حَالٍ إلَّا مَعَ الِاخْتِلَاطِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ فِي جُمْلَةِ الْبِئْرِ إذَا أُفْرِدَتْ بِالْبَيْعِ وَقُلْنَا : الْمَاءُ رَدَّهَا ، وَأَوْرَدَ صَاحِبُ الْوَافِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ حُدُوثَ مَا تَخْتَلِطُ بِهِ الثَّمَرَةُ الْمَبِيعَةُ إذَا تَرَكَهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقَطْعُ لِلْعُذْرِ الْمُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْبَيْعِ فَيَصِحُّ نَقْلُ الرَّبِيعِ .
192 قُلْتُ ) : وَإِيجَابُ الْقَطْعِ بِدُونِ شَرْطِهِ بَعِيدٌ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ، وَلَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَقِيقَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ أَوْ لَا ؟ وَالْجُمْهُورُ : عَلَى أَنَّ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ ، وَلِهَذَا مَنَعُوا الْأَبَ مِنْ نِكَاحِ جَارِيَةِ ابْنِهِ إذَا قُلْنَا : لَوْ أَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَشَاهِدُهُ مِنْ السُّنَّةِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ } " وَأَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا فِي إلْزَامِهِمْ الْعِرَاقِيِّينَ طَرْدَهُ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ ، أَنَّهُ أَبْدَى فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ احْتِمَالًا فِي جَوَازِ بَيْعِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، الْمُنْقَطِعِ الْخَبَرُ مَعَ عَدَمِ اتِّصَالِ الرِّفَاقِ ، وَعَدَمُ إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ظَاهِرٌ ، ثُمَّ قَالَ : وَمِمَّا يَجِبُ ذِكْرُهُ : أَنَّا إذَا مَنَعْنَا الْبَيْعَ ، فَلَوْ تَبَيَّنَ بَقَاءُ الْعَبْدِ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي : نُفُوذُ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ يُلْتَفَتُ عَلَى الْوَقْتِ ، وَلَكِنْ إذَا بَانَ الْأَمْرُ مِنْ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَظَنُّ التَّعَذُّرِ لَا يَبْقَى أَثَرُهُ مَعَ تَبَيُّنِ خِلَافِهِ ، وَكَانَ فِي الْمُعَامَلَاتِ يُضَاهِي صَلَاةَ الْخَوْفِ مَعَ سَوَادٍ يَحْسِبَهُ عَدُوًّا ثُمَّ بَانَ خِلَافَهُ .
( فَرْعٌ ) إذَا اشْتَرَى الشَّجَرَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ ظُهُورِ أَحَدِ الْحَمْلَيْنِ وَتَأْبِيرِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُحْدِثُ الْحَمْلَ الْآخَرَ وَيَخْتَلِطُ بِهِ ، فَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَقَالَ : إنَّهُ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ ، يَعْنِي خِلَافُ الرَّبِيعِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ ؟ وَيَنْبَغِي عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ خَيْرَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالصِّحَّةِ الْحُكْمُ ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِلَافِ يَكُونُ كَمَا لَوْ بَاعَ أَحَدَ الْحَمْلَيْنِ ، فَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا بَاعَ شَجَرَةً وَاسْتَثْنَى ثَمَرَتَهَا الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ شَرْطُ الْقَطْعِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَإِذَا بَاعَ شَجَرَةً وَبَقِيَتْ ثَمَرَتُهَا الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُهَا جَزْمًا ، وَإِذَا بَاعَ ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَعَلِمَ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا قَبْلَ الْجُذَاذِ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ وَاخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ أُخْرَى فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَلَوْ بَاعَ رَطْبَةً أَوْ شَبَهَهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ .
وَلَوْ بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا رَطْبَةٌ تَبْقَى لِلْبَائِعِ ، وَيَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا ، 193 فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ يَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ كَمَا قَدَّمْتُهُ اشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فَكَذَلِكَ هُنَا ، وَظَهَرَ لَكَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ : أَنَّ إطْلَاقَهُمْ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِيمَا إذَا بَقِيَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ بِالشَّرْطِ ، أَوْ بَعْدَ التَّأْبِيرِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِالْعَقْدِ ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ تَلَاحُقُ الثِّمَارِ غَالِبًا ، أَمَّا لَوْ كَانَ غَالِبًا فَمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ بُطْلَانُهُ ، كَمَا إذَا بَاعَ ثَمَرَةً يَعْلَمُ تَلَاحُقَهَا بِغَيْرِهَا ، وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفَرِّقَ بِأَنَّ الثَّمَرَةَ هُنَاكَ مَبِيعَةٌ ، فَتَعَذُّرُ تَسْلِيمِهَا مُوجِبٌ لِلْبُطْلَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ ; لِأَنَّا نَقُولُ : إنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ ابْنُ خَيْرَانَ فِيمَا إذَا بَاعَ الشَّجَرَةَ وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ فَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الْأَصْحَابُ هُنَاكَ . وَلَوْ بَاعَ شَجَرَةً وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ غَيْرُ مُؤَبَّرَةٍ وَاسْتَثْنَاهَا الْبَائِعُ ، إمَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ إنْ شَرَطْنَاهُ أَوْ بِدُونِهِ ، فَحَدَثَ طَلْعٌ آخَرُ ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ مَا إذَا بَقِيَتْ الثَّمَرَةُ الْمُؤَبَّرَةُ لِلْبَائِعِ وَحَدَثَ طَلْعٌ آخَرُ ؟ فَيُجْرَى فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي أَنَّ الطَّلْعَ يَكُونُ لِلْبَائِعِ ؟ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ؟ أَوْ نَقُولُ هُنَا : إنَّ الطَّلْعَ الْحَادِثَ لِلْمُشْتَرِي قَوْلًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ إنَّمَا بَقِيَتْ بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَسْتَتْبِعُ الطَّلَبُ الْحَادِثَ ، لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا ( فَإِنْ قُلْنَا ) : إنَّ الطَّلْعَ لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلثَّمَرَةِ ، فَلَا كَلَامَ ( وَإِنْ قُلْنَا ) : لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ الْغَالِبُ تَلَاحُقَهُ ، فَهَلْ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ ، يَعْلَمُ اخْتِلَاطَهَا بِغَيْرِهَا .
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ فِيهَا الْبُطْلَانُ ، وَلَوْ اشْتَرَى شَجَرَةَ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ مَعَ ثَمَرَتِهَا ، اُشْتُرِطَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ كَالزَّرْعِ ; ثُمَّ إنْ لَمْ يَتَّفِقْ الْقَطْعُ حَتَّى خَرَجَ شَيْءٌ آخَرُ فَالْخَارِجُ وَالْمَوْجُودُ كُلُّهُ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ فِي تَحْصِيلِ كُلِّ الثَّمَرَةِ الْمَوْجُودَةِ وَغَيْرِهَا لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ أَرَادَ الْخَلَاصَ مِنْ مُطَالَبَتِهِ بِالْقَطْعِ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ الْأَرْضَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ مَنْفَعَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ . وَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُطَالَبَتَهُ بِالْقَطْعِ ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث