المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( الْقِسْمُ الثَّانِي ) إذَا حَدَثَ الْعَيْبُ بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ 317 إلَى سَبَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّدُّ ، وَهَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالتَّفَرُّقِ . أَمَّا لَوْ قَبَضَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَحَدَثَ بِهِ عَيْبٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالتَّخَايُرِ ، فَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ بِنَاؤُهُ عَلَى تَلَفِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ . وَفِيهِ طُرُقٌ : ( إحْدَاهَا ) وَهِيَ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْغَزَالِيُّ وَارْتَضَاهَا الْإِمَامُ ، وَاقْتَضَى إيرَادُ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحَهَا . أَمَّا إنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ انْفَسَخَ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) عَدَمُ الِانْفِسَاخِ . وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ لَزِمَ الثَّمَنُ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ وُجِدَ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَتْ عَلَقَةً فَصَارَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مُكَايَلَةً فَقَبَضَ جُزَافًا ، أَوْ غُصِبَ الْمَبِيعُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ ، قَالَ هَذَا التَّعْلِيلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ ( وَالثَّانِي ) يَنْفَسِخُ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَسْتَقِرَّ كَمَا بَعْدَ الْخِيَارِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ . ( وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) الْقَطْعُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَأَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ الْإِجَازَةُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الثَّمَنُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ . وَهَذِهِ مَنْسُوبَةٌ لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . ( الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ ) إلَّا أَنَّا إذَا قُلْنَا : الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ وَحَصَلَ إمْضَاءُ الْبَائِعِ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ . وَهَذِهِ حَكَاهَا الْإِمَامُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبُيُوعِ ، وَلِذَلِكَ نَسَبَهَا الْعِمْرَانِيُّ إلَيْهِ . ( الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ ) طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ التَّلَفُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ انْفَسَخَ عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَمْلِكُ بِانْقِضَاءِ الْخِيَارِ أَوْ مَوْقُوفٌ ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ ( وَإِنْ قُلْنَا ) يَمْلِكُهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْقِيمَةِ دُونَ الثَّمَنِ ( وَالثَّانِي ) وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الصَّدَاقِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى .
( الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ ) مَا دَلَّ عَلَيْهَا كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ انْفَسَخَ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي 318 وَحْدَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ لَهُ فَوَجْهَانِ وَإِلَّا لَمْ يَنْفَسِخْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ : يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ ، وَاَلَّذِي قَالَ مِنْ الثَّمَنِ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يُعَبِّرُ عَنْ الْقِيمَةِ بِالثَّمَنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا تَقَدَّمَ ، وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ أَكْثَرَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الِانْفِسَاخِ ، وَذَكَرَ نُصُوصًا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْجُزْءِ الثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ مِنْ بَابِ الدَّعْوَى فِي الْمَبِيعِ ، وَمِنْ بَابِ دَعْوَى الْوَلَدِ فِيهِ . وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا فِي الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْعَبْدَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ ، وَقَبَضَهُ فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ ، وَإِنْ مَنَعْنَا أَنْ نُضَمِّنَهُ ثَمَنَهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ . وَقَدْ حَكَى عَنْ نَصِّهِ فِي الصَّدَاقِ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ زَمَنَ الْخِيَارِ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْمُتَوَلِّي ، وَحَصَلَ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَابِعٌ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَالنَّصُّ الْمُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْفِسَاخَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ أَوْ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا ، فَهَذِهِ خَمْسُ طُرُقٍ ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَفْقَهُ ، وَلَكِنَّ تَصْحِيحَ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا فِيهِ نَظَرٌ وَالنُّصُوصُ الَّتِي لِلشَّافِعِيِّ لَيْسَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالِانْفِسَاخِ وَلَا بِعَدَمِهِ ، بَلْ الْأَكْثَرُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ فِيهِ إيجَابُ الْقِيمَةِ ، وَالنَّصُّ الْمُعَارِضُ لَهُ فِيهِ إيجَابُ الثَّمَنِ ، فَأَكْثَرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، كَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَإِمَّا الطَّرِيقَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْإِمَامُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ( وَقُلْتُ ) إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ ، فَالتَّمَسُّكُ بِذَلِكَ لِلِانْفِسَاخِ عَيْبًا كَمَا ادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ . وَتَرْجِيحُ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَلُزُومُ الثَّمَنِ مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الثَّمَنِ وَمُخَالِفٌ لِأَكْثَرِ النُّصُوصِ .
لَكِنْ إذَا ثَبَتَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ إطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الثَّمَنَ عَلَى الْقِيمَةِ وَمَا نَقَلَهُ مِنْ النُّصُوصِ فِي 319 كُتُبِهِ يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ لَيْسَ بِثَابِتٍ . إذَا عَرَفَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ يَتَعَيَّنُ بِنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ . فَحَيْثُ نَقُولُ بِالِانْفِسَاخِ إمَّا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ ، أَوْ مُطْلَقًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، وَظَاهِرِ أَكْثَرِ النُّصُوصِ ، أَوْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْبِنَاءِ ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ حِينَئِذٍ كَحُدُوثِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ . قَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إنَّ الْمَقْبُوضَ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ يَسْتَحِقُّ رَدَّهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ الْعُيُوبِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ تَامًّا وَجَبَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ ، أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَوْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى طَرِيقَتَيْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ . أَوْ عَلَى مُقْتَضَى النَّصِّ الْمَحْكِيِّ فِي ذَلِكَ . فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَثَرٌ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ . وَلَا جُرْمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى سَبَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ ; لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ أَنَّ الْقَبْضَ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ . ( فَرْعٌ ) لَا فَرْقَ بَيْنَ يَدِ الْمُشْتَرِي وَيَدِ نَائِبِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ ، وَأَوْدَعَهُ إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ . وَلَوْ أَوْدَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقُلْنَا : لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ بِإِيدَاعٍ فَتَلِفَ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْبَائِعِ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ . وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَالِمَةٌ عَنْ ذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ لِاعْتِبَارِهِ الْقَبْضَ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَوَّلِ مَفْقُودٌ فِي الثَّانِي .
( فَرْعٌ ) هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْقَبْضِ 320 الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إلَى سَبَبٍ قَبْلَهُ لَا يُرَدُّ بِهِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ مَالِكٌ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرَّقِيقِ فَإِنَّهُ قَالَ : مَا أَصَابَ الرَّقِيقَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ إبَاقٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ بَرِئَ الْبَائِعُ إلَّا مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدْوَاءَ الثَّلَاثَةَ إنْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهَا الْمَبِيعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ، كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ إلَّا فِي الْبِلَادِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِهَا فِيهَا . وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ فِيهَا ، فَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَمَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ بَطَلَ عَنْهُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا بَاعَ السُّلْطَانُ لِغَرِيمٍ أَوْ مِنْ مَالِ يَتِيمٍ ، وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ رَأَى عَيْبًا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ رَدَّهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ رَأَى عَيْبًا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ . وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثُ لَيَالٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَرْبَعُ لَيَالٍ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ ثَلَاثًا . قَالَ سَعِيدٌ : قُلْتُ لِعُبَادَةَ : كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ؟ قَالَ : إذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا بِالسِّلْعَةِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَلَا يُسْأَلُ الْبَيِّنَةَ ، وَإِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا ، وَذَلِكَ الْعَيْبُ بِهَا ، وَإِلَّا فَيَمِينُ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ وَيَرُدُّ . وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ } " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ : إنَّمَا قَضَى بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ لِأَجْلِ حُمَّى الرِّبْعِ فَإِنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، هُوَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا 321 عُهْدَةُ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، مِنْ حِينِ يَشْتَرِي الْعَبْدَانِ الْوَلِيدَةَ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ وَيَأْمُرَانِ بِذَلِكَ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَبْدٍ اُشْتُرِيَ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ ، وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : الْقُضَاةُ مُنْذُ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ سَنَةً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَسَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : الْعُهْدَةُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ نَحْوِ الْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمْ تَزَلْ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، إنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ ، وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ . وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ شَيْئًا وَلَا سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ ، فَرِوَايَتُهُ فِي هَذَا مُنْقَطِعَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : لَمْ يَسْمَعْ الْحَسَنُ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ شَيْئًا وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَمُرَةَ فِي ذَلِكَ : إنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . ( قُلْتُ ) وَقَدْ حَفِظْتُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا النَّظَرُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ، وَأَيْضًا فَفِيهِ عَنْعَنَةُ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ مَعَ الِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ . وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أُعِلَّ بِهِ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْ الْحَسَنِ عَلَى الشَّكِّ بَيْنَ عُقْبَةَ وَسَمُرَةَ ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا صَحَابِيَّيْنِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ ، وَقَدْ سَأَلَ الْأَثْرَمُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الْعُهْدَةِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ نَتَثَبَّتُهُ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ : إنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى الْإِرْسَالِ ، لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَضَائِهِ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَبَقِيَّةِ مَا ذَكَرُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَطَاءٍ : 322 أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى عُهْدَةٌ فِي الْأَرْضِ لَا مِنْ هُيَامٍ وَلَا مِنْ جُذَامٍ وَلَا شَيْءٍ . وَبِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ وَعُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَقَالَ : مَا عَلِمْتُ فِيهَا أَمْرًا سَالِفًا ، وَعَنْ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُهْدَةَ شَيْئًا لَا ثَلَاثًا وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ . وَمَا أَشَارُوا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ مَمْنُوعٌ ، فَقَدْ يَحْدُثُ الْإِبَاقُ وَشِبْهُهُ ، وَلَوْ سُلِّمَ لَهُمْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَيَكُونُ سَبَبُهُ مُتَقَدِّمًا ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُمْ . عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ إنَّ الدَّاءَ الْكَامِنَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَإِنَّمَا النَّقْصُ بِمَا يَظْهَرُ لَا مَا كَمَنَ وَفِيمَا قَالَهُ بُعْدٌ ، لِأَنَّ الْكَامِنَ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَعُلِمَ بِهِ صَارَ كَالظَّاهِرِ . وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُئِلَا عَنْ الْعُهْدَةِ فَقَالَا : لَا نَجِدُ أَمْثَلَ مِنْ حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ " { كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَجَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ } " .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَجَلُ الْجَارِيَةِ بِهَا الْجُذَامُ سَنَةٌ " . فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ حِبَّانَ " إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ " . وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِعَيْبٍ وَلَا فِي الرَّقِيقِ دُونَ غَيْرِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالْخَبَرُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " جَعَلَ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ عُهْدَةً بِثَلَاثٍ " خَاصٌّ . وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يُنَافِيهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : مَا أَدْرَكْتَ الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَمِنْ الْمُبْتَاعِ . وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَاسْتَثْنَتْ 323 الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا الثِّمَارَ لِقَوْلِهِمْ فِيهَا بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَسَنَذْكُرُ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَهُمْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ فِي آخِرِ بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( الطَّرِيقَةُ الْخَامِسَةُ ) مَا دَلَّ عَلَيْهَا كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ انْفَسَخَ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي 318 وَحْدَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ لَهُ فَوَجْهَانِ وَإِلَّا لَمْ يَنْفَسِخْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ أَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ : يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ ، وَاَلَّذِي قَالَ مِنْ الثَّمَنِ لَيْسَ بِثَابِتٍ ، قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّمَنِ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يُعَبِّرُ عَنْ الْقِيمَةِ بِالثَّمَنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَا تَقَدَّمَ ، وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ أَكْثَرَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ عَلَى الِانْفِسَاخِ ، وَذَكَرَ نُصُوصًا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْجُزْءِ الثَّامِنِ وَالْعَاشِرِ مِنْ بَابِ الدَّعْوَى فِي الْمَبِيعِ ، وَمِنْ بَابِ دَعْوَى الْوَلَدِ فِيهِ . وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا فِي الْجُزْءِ الْخَامِسَ عَشَرَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْعَبْدَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ ، وَقَبَضَهُ فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ ، وَإِنْ مَنَعْنَا أَنْ نُضَمِّنَهُ ثَمَنَهُ أَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ حَتَّى مَاتَ . وَقَدْ حَكَى عَنْ نَصِّهِ فِي الصَّدَاقِ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ زَمَنَ الْخِيَارِ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْمُتَوَلِّي ، وَحَصَلَ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ تَابِعٌ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ ، وَالنَّصُّ الْمُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْفِسَاخَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُبْتَاعِ أَوْ لِلْبَائِعِ أَوْ لَهُمَا ، فَهَذِهِ خَمْسُ طُرُقٍ ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَفْقَهُ ، وَلَكِنَّ تَصْحِيحَ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِيهَا فِيهِ نَظَرٌ وَالنُّصُوصُ الَّتِي لِلشَّافِعِيِّ لَيْسَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالِانْفِسَاخِ وَلَا بِعَدَمِهِ ، بَلْ الْأَكْثَرُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ فِيهِ إيجَابُ الْقِيمَةِ ، وَالنَّصُّ الْمُعَارِضُ لَهُ فِيهِ إيجَابُ الثَّمَنِ ، فَأَكْثَرُ النُّصُوصِ تَدُلُّ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، كَمَا ادَّعَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَإِمَّا الطَّرِيقَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْإِمَامُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ( وَقُلْتُ ) إنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ ، فَالتَّمَسُّكُ بِذَلِكَ لِلِانْفِسَاخِ عَيْبًا كَمَا ادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ . وَتَرْجِيحُ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ وَلُزُومُ الثَّمَنِ مُوَافِقٌ لِلنَّصِّ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الثَّمَنِ وَمُخَالِفٌ لِأَكْثَرِ النُّصُوصِ .
لَكِنْ إذَا ثَبَتَ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ إطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الثَّمَنَ عَلَى الْقِيمَةِ وَمَا نَقَلَهُ مِنْ النُّصُوصِ فِي 319 كُتُبِهِ يَتَرَجَّحُ الْقَوْلُ بِالِانْفِسَاخِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّ ذِكْرَ الثَّمَنِ لَيْسَ بِثَابِتٍ . إذَا عَرَفَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ يَتَعَيَّنُ بِنَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ . فَحَيْثُ نَقُولُ بِالِانْفِسَاخِ إمَّا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ ، أَوْ مُطْلَقًا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، وَظَاهِرِ أَكْثَرِ النُّصُوصِ ، أَوْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْبِنَاءِ ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ حِينَئِذٍ كَحُدُوثِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ . قَالَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : إنَّ الْمَقْبُوضَ فِي خِيَارِ الثَّلَاثِ يَسْتَحِقُّ رَدَّهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ الْعُيُوبِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ تَامًّا وَجَبَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ ، أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى ، وَعَلَى طَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَوْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَلَى طَرِيقَتَيْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ . أَوْ عَلَى مُقْتَضَى النَّصِّ الْمَحْكِيِّ فِي ذَلِكَ . فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَثَرٌ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ . وَلَا جُرْمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ حُدُوثَ الْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى سَبَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ ; لِأَنَّ اخْتِيَارَهُ أَنَّ الْقَبْضَ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ . ( فَرْعٌ ) لَا فَرْقَ بَيْنَ يَدِ الْمُشْتَرِي وَيَدِ نَائِبِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ يَدُ الْبَائِعِ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ ، وَأَوْدَعَهُ إيَّاهُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَصْحَابُ . وَلَوْ أَوْدَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقُلْنَا : لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ بِإِيدَاعٍ فَتَلِفَ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْبَائِعِ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ . وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ ، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ سَالِمَةٌ عَنْ ذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ لِاعْتِبَارِهِ الْقَبْضَ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَوَّلِ مَفْقُودٌ فِي الثَّانِي .
( فَرْعٌ ) هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْقَبْضِ 320 الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إلَى سَبَبٍ قَبْلَهُ لَا يُرَدُّ بِهِ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ مَالِكٌ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرَّقِيقِ فَإِنَّهُ قَالَ : مَا أَصَابَ الرَّقِيقَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْبَيْعِ مِنْ إبَاقٍ أَوْ عَيْبٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ بَرِئَ الْبَائِعُ إلَّا مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَدْوَاءَ الثَّلَاثَةَ إنْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهَا الْمَبِيعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ، كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ إلَّا فِي الْبِلَادِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِهَا فِيهَا . وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَةُ أَهْلِهَا بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ فِيهَا ، فَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، قَالَ : وَمَنْ بَاعَ بِالْبَرَاءَةِ بَطَلَ عَنْهُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا بَاعَ السُّلْطَانُ لِغَرِيمٍ أَوْ مِنْ مَالِ يَتِيمٍ ، وَلَا عُهْدَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلِمَ عَيْبًا فَكَتَمَهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ رَأَى عَيْبًا فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ رَدَّهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَإِنْ رَأَى عَيْبًا بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ . وَاحْتَجَّ الْمَالِكِيُّونَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثُ لَيَالٍ } " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَرْبَعُ لَيَالٍ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، قَالَ قَتَادَةُ : وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ ثَلَاثًا . قَالَ سَعِيدٌ : قُلْتُ لِعُبَادَةَ : كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ؟ قَالَ : إذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبًا بِالسِّلْعَةِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ وَلَا يُسْأَلُ الْبَيِّنَةَ ، وَإِذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا ، وَذَلِكَ الْعَيْبُ بِهَا ، وَإِلَّا فَيَمِينُ الْبَائِعِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ وَيَرُدُّ . وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثٌ } " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ : إنَّمَا قَضَى بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ لِأَجْلِ حُمَّى الرِّبْعِ فَإِنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، هُوَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا 321 عُهْدَةُ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ ، مِنْ حِينِ يَشْتَرِي الْعَبْدَانِ الْوَلِيدَةَ وَعُهْدَةُ السَّنَةِ وَيَأْمُرَانِ بِذَلِكَ . وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَبْدٍ اُشْتُرِيَ فَمَاتَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ ، فَجَعَلَهُ عُمَرُ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ ، وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : الْقُضَاةُ مُنْذُ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ فِي الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ سَنَةً . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَسَمِعْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : الْعُهْدَةُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عُضَالٍ نَحْوِ الْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمْ تَزَلْ الْوُلَاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَقْضُونَ فِي الرَّقِيقِ بِعُهْدَةِ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ ، إنْ ظَهَرَ بِالْمَمْلُوكِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ ، وَيَقْضُونَ فِي عُهْدَةِ الرَّقِيقِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ . وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ شَيْئًا وَلَا سَمِعَ مِنْ سَمُرَةَ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ ، فَرِوَايَتُهُ فِي هَذَا مُنْقَطِعَةٌ لَا يُحْتَجُّ بِهَا . قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : لَمْ يَسْمَعْ الْحَسَنُ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ شَيْئًا وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَمُرَةَ فِي ذَلِكَ : إنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . ( قُلْتُ ) وَقَدْ حَفِظْتُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا النَّظَرُ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ، وَأَيْضًا فَفِيهِ عَنْعَنَةُ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ مَعَ الِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ . وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أُعِلَّ بِهِ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْ الْحَسَنِ عَلَى الشَّكِّ بَيْنَ عُقْبَةَ وَسَمُرَةَ ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا صَحَابِيَّيْنِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ ، وَقَدْ سَأَلَ الْأَثْرَمُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الْعُهْدَةِ فَقَالَ : لَيْسَ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ نَتَثَبَّتُهُ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ : إنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى الْإِرْسَالِ ، لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُقْبَةَ ، وَالرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَضَائِهِ بِذَلِكَ ضَعِيفَةٌ ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَبَقِيَّةِ مَا ذَكَرُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ عَطَاءٍ : 322 أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيمَا مَضَى عُهْدَةٌ فِي الْأَرْضِ لَا مِنْ هُيَامٍ وَلَا مِنْ جُذَامٍ وَلَا شَيْءٍ . وَبِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عُهْدَةِ السَّنَةِ وَعُهْدَةِ الثَّلَاثِ فَقَالَ : مَا عَلِمْتُ فِيهَا أَمْرًا سَالِفًا ، وَعَنْ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْعُهْدَةَ شَيْئًا لَا ثَلَاثًا وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ . وَمَا أَشَارُوا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ مَمْنُوعٌ ، فَقَدْ يَحْدُثُ الْإِبَاقُ وَشِبْهُهُ ، وَلَوْ سُلِّمَ لَهُمْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَيَكُونُ سَبَبُهُ مُتَقَدِّمًا ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُمْ . عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ إنَّ الدَّاءَ الْكَامِنَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَإِنَّمَا النَّقْصُ بِمَا يَظْهَرُ لَا مَا كَمَنَ وَفِيمَا قَالَهُ بُعْدٌ ، لِأَنَّ الْكَامِنَ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَعُلِمَ بِهِ صَارَ كَالظَّاهِرِ . وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُئِلَا عَنْ الْعُهْدَةِ فَقَالَا : لَا نَجِدُ أَمْثَلَ مِنْ حَدِيثِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ " { كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَجَعَلَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ } " .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَجَلُ الْجَارِيَةِ بِهَا الْجُذَامُ سَنَةٌ " . فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ فِي حَدِيثِ حِبَّانَ " إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّ " . وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِعَيْبٍ وَلَا فِي الرَّقِيقِ دُونَ غَيْرِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالْخَبَرُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " جَعَلَ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ عُهْدَةً بِثَلَاثٍ " خَاصٌّ . وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يُنَافِيهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : مَا أَدْرَكْتَ الصَّفْقَةَ حَيًّا مَجْمُوعًا فَمِنْ الْمُبْتَاعِ . وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ وَاسْتَثْنَتْ 323 الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا الثِّمَارَ لِقَوْلِهِمْ فِيهَا بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ وَسَنَذْكُرُ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَهُمْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ فِي آخِرِ بَابِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث