المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 662 · ص. المطبوع 52 · الشرح
52 فَرْعٌ ) هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ جَرَى فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْخُنْثَى فِي الْكِتَابِ ، وَلِبَيَانِ أَحْكَامِهِ وَصِفَاتِ وُضُوحِهِ وَأَشْكَالِهِ مَوَاطِنُ ، مِنْهَا هَذَا الْبَابُ وَبَابُ الْحَجْرِ وَكِتَابُ الْفَرَائِضِ وَكِتَابُ النِّكَاحِ ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ ، فَبَعْضُهُمْ ذَكَرَهُ هُنَا ، كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَآخَرِينَ ، وَبَعْضُهُمْ فِي الْحَجْرِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهُ هُنَاكَ شَيْئًا وَأَكْثَرُهُمْ ذَكَرُوهُ فِي الْفَرَائِضِ ، وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُهَذَّبِ وَبَعْضُهُمْ فِي النِّكَاحِ ، وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْبَغَوِيُّ ، وَبَعْضُهُمْ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ ، كَالْقَاضِي أَبِي الْفُتُوحِ وَغَيْرِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِيهِ فَصْلَيْنِ حَسَنَيْنِ قُبَيْلَ كِتَابِ الصَّدَاقِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الْخُطْبَةِ أَنِّي أُقَدِّمُ مَا أَمْكَنَ تَقْدِيمُهُ فِي أَوَّلِ مَوَاطِنِهِ ، فَأَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُعْظَمَ أَحْكَامِهِ مُخْتَصَرَةً جِدًّا ، وَسَأُوَضِّحُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاطِنِهَا أَيْضًا مُفَصَّلَةً ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَحْصُرُهُ فَصْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) فِي طَرِيقِ مَعْرِفَةِ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ وَبُلُوغِهِ .
( وَالثَّانِي ) فِي أَحْكَامِهِ فِي حَالِ الْإِشْكَالِ .
( أَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ) فَفِي مَعْرِفَةِ حَالِهِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَصْلُ فِي الْخُنْثَى مَا رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْلُودٍ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَمَا لِلنِّسَاءِ : " { ۝ يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ } " وَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ وَقَدْ بَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ضَعْفَهُ وَالْكَلْبِيُّ وَأَبُو صَالِحٍ ، هَذَانِ ضَعِيفَانِ وَلَيْسَ هُوَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ السِّمَّانِ ، الرَّاوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْخُنْثَى ضَرْبَانِ ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ وَذَكَرُ الرَّجُلِ ( وَالضَّرْبُ الثَّانِي ) أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، بَلْ لَهُ ثُقْبَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا الْخَارِجُ وَلَا تُشْبِهُ فَرْجَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَاتٌ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ . قَالَ الْبَغَوِيّ وَحُكْمُ هَذَا الثَّانِي أَنَّهُ مُشْكِلٌ يُوقَفُ أَمْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَخْتَارَ لِنَفْسِهِ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ مِنْ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ ، فَإِنْ أَمْنَى عَلَى النِّسَاءِ وَمَالَ إلَيْهِنَّ طَبْعُهُ فَهُوَ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَكْسَهُ فَامْرَأَةٌ . وَلَا دَلَالَةَ فِي بَوْلِ هَذَا . وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ التَّفْرِيعُ ، فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ إمَّا رَجُلٌ وَإِمَّا 53 امْرَأَةٌ وَلَيْسَ قِسْمًا ثَالِثًا ، وَالطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَةِ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ مِنْ أَوْجُهٍ : مِنْهَا : الْبَوْلُ ، فَإِنْ بَالَ بِآلَةِ الرِّجَالِ فَقَطْ فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ بَالَ بِآلَةِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَهُوَ امْرَأَةٌ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ بِهِمَا جَمِيعًا نُظِرَ إنْ اتَّفَقَا فِي الْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقَدْرِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا دَلَالَةَ فِي الْبَوْلِ فَهُوَ مُشْكِلٌ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَامَةٌ أُخْرَى . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا يَنْقَطِعَانِ مَعًا ، وَيَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا فِي الِابْتِدَاءِ فَهُوَ لِلْمُتَقَدِّمِ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي التَّقَدُّمِ وَتَأَخَّرَ انْقِطَاعُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلْمُتَأَخِّرِ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا وَتَأَخَّرَ الْآخَرُ فَهُوَ لِلسَّابِقِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَقِيلَ لَا دَلَالَةَ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْقِطَاعِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَزْنًا فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يُحْكَمُ بِأَكْثَرِهِمَا ، وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ . وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَلَوْ زَرَقَ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ أَوْ رَشَشَ كَعَادَةِ الْمَرْأَةِ فَوَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ . وَالثَّانِي : يَدُلُّ ، فَعَلَى هَذَا إنَّ زَرَقَ بِهِمَا فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ رَشَشَ بِهِمَا فَامْرَأَةٌ ، وَإِنْ زَرَقَ بِأَحَدِهِمَا وَرَشَشَ بِالْآخَرِ فَلَا دَلَالَةَ ، وَلَوْ لَمْ يَبُلْ مِنْ الْفَرْجَيْنِ وَبَالَ مِنْ ثُقْبٍ آخَرَ فَلَا دَلَالَةَ فِي بَوْلِهِ ، وَمِنْهَا الْمَنِيُّ وَالْحَيْضُ ، فَإِنْ أَمْنَى بِفَرْجِ الرَّجُلِ فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ أَمْنَى بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ حَاضَ بِهِ فَهُوَ امْرَأَةٌ ، وَشَرْطُهُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ إمْكَانِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ ، وَأَنْ يَتَكَرَّرَ خُرُوجُهُ لِيَتَأَكَّدَ الظَّنُّ بِهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ اتِّفَاقًا . وَلَوْ أَمْنَى بِالْفَرْجَيْنِ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا دَلَالَةَ ، وَأَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ إنْ أَمْنَى مِنْهُمَا بِصِفَةِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَرَجُلٌ ، وَإِنْ أَمْنَى بِصِفَةِ مَنِيِّ النِّسَاءِ فَامْرَأَةٌ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَنِيَّ بِصِفَةِ مَنِيِّ الرِّجَالِ يَنْفَصِلُ مِنْ رَجُلٍ وَبِصِفَةِ مَنِيِّ النِّسَاءِ يَنْفَصِلُ مِنْ امْرَأَةٍ ، وَلَوْ أَمْنَى مِنْ فَرْجِ النِّسَاءِ بِصِفَةِ مَنِيِّ الرِّجَالِ أَوْ مِنْ فَرْجِ الرِّجَالِ بِصِفَةِ مَنِيِّ النِّسَاءِ ، أَوْ أَمْنَى مِنْ فَرْجِ الرِّجَالِ بِصِفَةِ مَنِيِّهِمْ وَمِنْ فَرْجِ النِّسَاءِ بِصِفَةِ مَنِيِّهِنَّ فَلَا دَلَالَةَ ، وَلَوْ تَعَارَضَ بَوْلٌ وَحَيْضٌ فَبَالَ مِنْ فَرْجِ الرَّجُلِ وَحَاضَ 54 مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَوَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا : لَا دَلَالَةَ لِلتَّعَارُضِ وَالثَّانِي : يُقَدَّمُ الْبَوْلُ لِأَنَّهُ دَائِمٌ مُتَكَرِّرٌ ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : كَانَ شَيْخِي يَمِيلُ إلَى الْبَوْلِ ، قَالَ : وَالْوَجْهُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِالتَّعَارُضِ ، وَلَوْ تَعَارَضَ الْمَنِيُّ وَالْحَيْضُ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ .
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ : إنَّهُ امْرَأَةٌ لِأَنَّ الْحَيْضَ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ وَالْمَنِيَّ مُشْتَرَكٌ ، وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ إنَّهُ رَجُلٌ ; لِأَنَّ الْمَنِيَّ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ دَمُ الْحَيْضِ حَقِيقَةً ، وَالثَّالِثُ : لَا دَلَالَةَ لِلتَّعَارُضِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْأَعْدَلُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ ، وَمِنْهَا الْوِلَادَةُ وَهِيَ تُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْأُنُوثَةِ وَتُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْعَلَامَاتِ الْمُعَارِضَةِ لَهَا لِأَنَّ دَلَالَتَهَا قَطْعِيَّةٌ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ فِي كِتَابِهِ ( كِتَابِ الْخَنَاثَى ) لَوْ أَلْقَى الْخُنْثَى مُضْغَةً ، وَقَالَ الْقَوَابِلُ : إنَّهَا مَبْدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ حُكِمَ بِأَنَّهَا امْرَأَةٌ ، وَإِنْ شَكَكْنَ دَامَ الْإِشْكَالُ ، قَالَ وَلَوْ انْتَفَخَ بَطْنُهُ فَظَهَرَتْ أَمَارَاتُ حَمْلٍ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ امْرَأَةٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْحَمْلُ .
أَمَّا نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَنُهُودُ الثَّدْيِ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَدُلُّ النَّبَاتُ عَلَى الذُّكُورَةِ وَالنُّهُودُ عَلَى الْأُنُوثَةِ ; لِأَنَّ اللِّحْيَةَ لَا تَكُونُ غَالِبًا إلَّا لِلرِّجَالِ وَالثَّدْيَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا لِلنِّسَاءِ ( وَالثَّانِي ) وَهُوَ الْأَصَحُّ لَا دَلَالَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَخْتَلِفُ ، وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَدَمَ اللِّحْيَةِ فِي وَقْتِهِ لَا يَدُلُّ لِلْأُنُوثَةِ وَلَا عَدَمَ النُّهُودِ فِي وَقْتِهِ لِلذُّكُورَةِ ، فَلَوْ جَازَ الِاسْتِدْلَال بِوُجُودِهِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ لَجَازَ بِعَدَمِهِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَا يُعَارِضُ نَبَاتُ اللِّحْيَةِ وَالنُّهُودُ شَيْئًا مِنْ الْعَلَامَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا نُزُولُ اللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ فَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِلْأُنُوثَةِ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِ وَجْهَيْنِ الْأَصَحُّ لَا دَلَالَةَ ، وَأَمَّا عَدَدُ الْأَضْلَاعِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُعْتَبَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ أَضْلَاعُهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ نَاقِصَةً ضِلْعًا فَهُوَ رَجُلٌ وَإِنْ تَسَاوَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَامْرَأَةٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَوْلَ غَيْرُهُ .
( وَالثَّانِي ) لَا دَلَالَةَ فِيهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْأَكْثَرُونَ وَصَحَّحَهُ الْبَاقُونَ ; لِأَنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي كُتُبِ التَّشْرِيحِ . 55 قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : هَذَا الَّذِي قِيلَ مِنْ تَفَاوُتِ الْأَضْلَاعِ لَسْتُ أَفْهَمُهُ وَلَا أَدْرِي فَرْقًا بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : لَا أَصْلَ لِذَلِكَ ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ الْمُبَالِ عَلَيْهِ ، يَعْنِي وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ لَقُدِّمَ عَلَى الْمُبَالِ ; لِأَنَّ دَلَالَتَهُ حِسِّيَّةٌ كَالْوِلَادَةِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَمِنْ الْعَلَامَاتِ شَهْوَتُهُ ، وَمَيْلُهُ إلَى النِّسَاءِ أَوْ الرِّجَالِ ، فَإِنْ قَالَ : أَشْتَهِي النِّسَاءَ وَيَمِيلُ طَبْعِي إلَيْهِنَّ ، حُكِمَ بِأَنَّهُ رَجُلٌ ، وَإِنْ قَالَ : أَمِيلُ إلَى الرِّجَالِ ، حُكِمَ بِأَنَّهُ امْرَأَةٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِمَيْلِ الرَّجُلِ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ . وَإِنْ قَالَ : أَمِيلُ إلَيْهِمَا مَيْلًا وَاحِدًا أَوْ لَا أَمِيلُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ مُشْكِلٌ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا نُرَاجِعُهُ فِي مَيْلِهِ وَشَهْوَتِهِ وَنَقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ إذَا عَجَزْنَا عَنْ الْعَلَامَاتِ السَّابِقَةِ ، فَأَمَّا مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فَلَا نَقْبَلُ قَوْلَهُ ; لِأَنَّ الْعَلَامَةَ حِسِّيَّةٌ وَمَيْلَهُ خَفِيٌّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنَّمَا نَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الْمَيْلِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ كَسَائِرِ أَخْبَارِهِ ; وَلِأَنَّ الْمَيْلَ إنَّمَا يَظْهَرُ بَعْدَ الْبُلُوغِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي هَذَا كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَةِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ تَخْيِيرَهُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ لِلرِّفْقِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْخُنْثَى فَإِنَّهُ إخْبَارٌ . فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَيْسَ مَوْضُوعًا لِلرِّفْقِ ; وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْعِبَادَاتِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَهُوَ أَيْضًا لَازِمٌ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ . وَفَرَّعَ أَصْحَابُنَا عَلَى إخْبَارِهِ فُرُوعًا : أَحَدُهَا : أَنَّهُ إذَا بَلَغَ وَفُقِدَتْ الْعَلَامَاتُ ، وَوُجِدَ الْمَيْلُ لَزِمَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ لِيُحْكَمَ بِهِ وَيُعْمَلَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَخَّرَهُ أَثِمَ وَفَسَقَ . كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْإِخْبَارَ إنَّمَا هُوَ بِمَا نَجِدُهُ مِنْ الْمَيْلِ الْجِبِلِّيِّ ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ بِلَا مَيْلٍ بِلَا خِلَافٍ .
56 الثَّالِثُ : إذَا أَخْبَرَ بِمَيْلِهِ إلَى أَحَدِهِمَا عُمِلَ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، بَلْ يَلْزَمُهُ الدَّوَامُ عَلَيْهِ فَلَوْ كَذَّبَهُ الْحِسُّ بِأَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ رَجُلٌ ثُمَّ يَلِدُ بَطَلَ قَوْلُهُ وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ امْرَأَةٌ ، وَكَذَا لَوْ ظَهَرَ حَمْلٌ وَتَبَيَّنَّاهُ ، كَمَا لَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ رَجُلٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَلَامَاتِ ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ فَإِنَّا نُبْطِلُ ذَلِكَ وَنَحْكُمُ بِأَنَّهُ امْرَأَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ " فَإِذَا أَخْبَرَ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْحِسُّ بِأَنْ يَقُولَ أَنَا رَجُلٌ ثُمَّ يَلِدُ " فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ قَبُولِ رُجُوعِهِ مَا إذَا وَلَدَ ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ بِأُنُوثَتِهِ رُجُوعٌ إلَيْهَا ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِلَا خِلَافٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِالْحَمْلِ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ أُنْثَى وَإِنْ لَمْ يَرْضَ ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْحِسُّ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ لَا إلَى قَبُولِ الرُّجُوعِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ - مِنْ مَنْعِ قَبُولِ الرُّجُوعِ - هُوَ فِيمَا عَلَيْهِ ، وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَمَّا هُوَ لَهُ قَطْعًا ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَأَهْمَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
الرَّابِعُ : إذَا أَخْبَرَ حُكِمَ بِقَوْلِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، سَوَاءٌ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لِأَنَّ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ ، لَوْ قَالَ : بَلَغْتُ صَدَّقْنَاهُ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَعْرَفُ بِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث