المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
الصفحة 762 · ص. المطبوع 124 · الشرح
( الشَّرْحُ ) أَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَيُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِيهِ : " لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . أَمَّا الثَّانِي فَحَدِيثٌ حَسَنٌ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ۝ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ ، حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ ، وَحَجَرًا لِلْمَسْرُبَةِ } " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَا : إسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيِّ : الْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ ; فَغَلَطٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ حَجَرَيْنِ وَحَجَرًا بِالنَّصْبِ . وَفِي الْمُهَذَّبِ حَجَرَانِ وَحَجَرٌ بِالرَّفْعِ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، فَالْأَوَّلُ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ " ثَلَاثَةَ " وَالثَّانِي عَلَى الِابْتِدَاءِ . وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِالْوَجْهَيْنِ ، فَالْبَدَلُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إبْرَاهِيمَ } وَابْتِدَاءٌ قَوْله تَعَالَى { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وَقَوْلُهُ : " وَيُحَلِّقُ " هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، أَيْ يُدِيرُهُ كَالْحَلْقَةِ ، وَالْمَسْرُبَةُ هُنَا مَجْرَى الْغَائِطِ وَهِيَ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَقِيلَ : يَجُوزُ فَتْحُهَا ، وَلِلْمَسْرُبَةِ مَعْنًى آخَرُ فِي اللُّغَةِ وَهِيَ الشَّعْرُ الْمُسْتَدَقُّ مِنْ السُّرَّةِ إلَى الْعَانَةِ ، وَجَاءَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا .
( وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : يُمِرُّ حَجَرًا مِنْ مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى وَيُدِيرُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَلَى الْيُسْرَى حَتَّى يَصِلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، ثُمَّ يُمِرُّ الْحَجَرَ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِ الصَّفْحَةِ 124 الْيُسْرَى إلَى آخِرِهَا . ثُمَّ عَلَى الْيُمْنَى حَتَّى يَصِلَ مَوْضِعَ ابْتِدَائِهِ ، ثُمَّ يُمِرُّ بِالثَّالِثِ عَلَى الْمَسْرُبَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ . الثَّانِي : أَنْ يَمْسَحَ بِحَجَرٍ الصَّفْحَةَ الْيُمْنَى وَحْدَهَا ، ثُمَّ بِحَجَرٍ الْيُسْرَى وَحْدَهَا ، وَبِالثَّالِثِ الْمَسْرُبَةَ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ . وَالثَّالِثُ : يَضَعُ حَجَرًا عَلَى مُقَدَّمِ الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى آخِرِهَا ، ثُمَّ حَجَرًا عَلَى مُؤَخِّرَةِ الْمَسْرُبَةِ وَيُمِرُّهُ إلَى أَوَّلِهَا ، ثُمَّ يُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ ، حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَهُوَ غَرِيبٌ . وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمَحِلَّ بِكُلِّ حَجَرٍ . وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ غَلَّطُوا أَبَا إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي . وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي الْكَبِيرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ تَأَوَّلُوهُ ، وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ مَعْنَاهُ كُلُّ حَجَرٍ لِلصَّفْحَتَيْنِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْخِلَافِ . فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْأَفْضَلِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ جَائِزٌ . وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ ، وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا أَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْوُجُوبِ ، فَصَاحِبُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الْكَيْفِيَّةَ الثَّانِيَةَ وَصَاحِبُ الثَّانِي لَا يُجِيزُ الْأُولَى ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي دَرْسِهِ : يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ لَا يُجِيزُ الثَّانِيَ ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي لَا يُجِيزُ الْأَوَّلَ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : فَإِنْ احْتَاجَ إلَى اسْتِعْمَالِ حَجَرٍ رَابِعٍ وَخَامِسٍ فَصِفَةُ اسْتِعْمَالِهِ كَصِفَةِ الثَّالِثِ لِأَنَّا أَمَرْنَاهُ فِي الثَّالِثِ بِمَسْحِ الْجَمِيعِ لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ بِالْحَجَرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ; وَلَيْسَ فِي الْمَحِلِّ إلَّا أَثَرٌ فَلَا يُخْشَى انْبِسَاطُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث