المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
page 794 · printed p. 145 · commentary
( الشَّرْحُ ) إذَا كَانَ الْخَارِجُ نَادِرًا كَالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَشِبْهِهَا فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ : الصَّحِيحُ مِنْهُمَا - وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، ( أَصَحُّهُمَا ) يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَحَرْمَلَةَ ; لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَالِاسْتِنْجَاءُ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ تَأْتِي لِمَعْنًى ثُمَّ لَا يَلْزَمُ وُجُودُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا كَالْقَصْرِ وَأَشْبَاهِهِ ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ ، قَالَهُ فِي الْأُمِّ ، وَيُحْتَجُّ لَهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { ۝ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ } " وَسَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : ذَكَرَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ فِي الْأُمِّ مَا إذَا كَانَ الْخَارِجُ لَا مِنْ دَاخِلِ الْفَرْجِ بَلْ مِنْ قَرْحٍ أَوْ بَاسُورٍ وَشِبْهِهِ خَارِجَ الدُّبُرِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَانِ ، سَوَاءٌ خَرَجَ النَّادِرُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمُعْتَادِ ، وَحَكَى الْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا خَرَجَ النَّادِرُ مَعَ الْمُعْتَادِ ، فَإِنْ تَمَحَّضَ النَّادِرُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا . وَالصَّحِيحُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي 145 الْحَالَيْنِ . كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ نَادِرٌ فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ : وَدَمُ الْبَاسُورِ الَّذِي فِي دَاخِلِ الدُّبُرِ نَادِرٌ . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ مِنْ النَّادِرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يُوهِمُ خِلَافًا فِي كَوْنِهِ نَادِرًا ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، فَلْيُحْمَلْ كَلَامُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَدَمُ الْحَيْضِ مُعْتَادٌ فَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَدْ يَسْتَشْكِلُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْحَابَ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ قَالُوا : لَا يُمْكِنُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحَجَرِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْمُغْتَسِلَةِ ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا غَسْلُ مَحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ ، فَيُقَالُ : صُورَتُهُ فِيمَا إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ وَلَمْ تَجِدْ مَا تَغْتَسِلُ بِهِ .
أَوْ كَانَ بِهَا مَرَضٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُبِيحُ لَهَا التَّيَمُّمَ ; فَإِنَّهَا تَسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ عَنْ الدَّمِ ، ثُمَّ تَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ وَتُصَلِّي ، وَلَا إعَادَةَ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ . وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَذْيٌ أَوْ دَمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النَّادِرِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَنْجَى بِالْحَجَرِ وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُنَا : لَا يَصِحُّ اسْتِنْجَاؤُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ : قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ : لَا يَكْفِي الْحَجَرُ فِي دَمِ الْحَيْضِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْلِ ; فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَجَدَتْ الْمَاءَ وَاسْتَنْجَتْ بِالْحَجَرِ وَغَسَلَتْ بَاقِي الْبَدَنِ وَلَمْ تَغْسِلْ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ ، فَهُنَا لَا يَصِحُّ اسْتِنْجَاؤُهَا بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ ، وَلَمْ يُرِيدَا بِقَوْلِهِمَا : قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ غَيْرَهُمْ يُخَالِفُهُمْ بَلْ أَرَادَا أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِذِكْرِ ذَلِكَ وَشَهَرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ ، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَيْضًا وَلَكِنَّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْ كُتُبِ الْعِرَاقِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الدُّودِ أَوْ الْحَصَى إذَا أَوْجَبْنَا الِاسْتِنْجَاءَ مِنْهُ فَهَلْ 146 يُجْزِئُ الْحَجَرُ ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالنَّادِرِ ، فَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ هُنَا إنَّمَا يَجِبُ لِتِلْكَ الْبَلَّةِ ، وَهِيَ مُعْتَادَةٌ ، فَيَكْفِي الْحَجَرُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ مِثْلَهُ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ . قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ : وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ ، وَلَمْ يَخْرُجْ غَيْرُهُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ لِمَرَضٍ ، أَوْ فَقْدِ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَا إعَادَةَ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي دَمِ الْحَيْضِ ، أَمَّا إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ رَأْسِ الذَّكَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith