المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثاني
184 فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مُكْثِ الْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ وَعُبُورِهِ فِيهِ بِلَا مُكْثٍ ، مَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا أَوْ مُتَرَدِّدًا أَوْ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَيَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ أَمْ لَا ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِثْلَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَالِكٍ . وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُبُورُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْهُ فَيَتَوَضَّأَ ثُمَّ يَمُرَّ . وَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْرُمُ الْمُكْثُ وَيُبَاحُ الْعُبُورُ لِحَاجَةٍ وَلَا يُبَاحُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ . قَالَ : وَلَوْ تَوَضَّأَ اسْتَبَاحَ الْمُكْثَ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي هَذَا . وَقَالَ الْمُزَنِيّ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا . وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ .
وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْمُكْثَ مُطْلَقًا ، بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاحْتَجَّ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُشْرِكَ يَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَالْمُسْلِمُ الْجُنُبُ أَوْلَى ، وَأَحْسَنُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ : مَعْنَاهَا لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ ، إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ فِي مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهَا الشَّافِعِيُّ تَأَوَّلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : وَرَوَيْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ : " كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَازًا وَهُوَ جُنُبٌ "
وَعَنْ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ 185 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : " لَيْسَ هُوَ بِقَوِيٍّ " قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيُّ " عِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ " وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ " ضُعِّفَ هَذَا الْحَدِيثُ " وَقَالُوا : أَفْلَتُ مَجْهُولٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ : " هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ " .
( قُلْت ) وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ " لَا أَرَى بِأَفْلَتَ بَأْسًا " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ " هُوَ كُوفِيٌّ صَالِحٌ " وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ " جَسْرَةُ تَابِعِيَّةٌ ثِقَةٌ " وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ مَا رَوَاهُ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَلَمْ يَجِدْ لِغَيْرِهِ فِيهِ تَضْعِيفًا فَهُوَ عِنْدَهُ صَالِحٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَجَسْرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَأَفْلَتُ بِالْفَاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وُجُوهُ الْبُيُوتِ أَبْوَابُهَا ، وَقَالَ وَمَعْنَى وَجِّهُوهَا عَنْ الْمَسْجِدِ : اصْرِفُوا وُجُوهَهَا عَنْ الْمَسْجِدِ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ { الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ } " بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَجَاسَتِهِ جَوَازُ لُبْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْمُشْرِكِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَقَامَ دَلِيلُ تَحْرِيمِ مُكْثِ الْجُنُبِ . وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا فَرَّقَ الشَّرْعُ لَمْ يَجُزْ التَّسْوِيَةُ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكَلَّفُ بِهَا ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَتْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الضَّمَانَ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ إذَا أَتْلَفَا . وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الْمُكْثَ وَالْعُبُورَ بِحَدِيثِ : " { لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } " وَبِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ الْمُفَسِّرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ 186 لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرِك } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ : مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرِك . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعَ الْبُخَارِيُّ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ وَاسْتَغْرَبَهُ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِ ، فَكَذَا الْعُبُورُ ، كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَقِيَاسًا عَلَى الْحَائِضِ وَمَنْ فِي رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا . قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَجْنَبَ وَعَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ الْجَنَابَةُ بَاقِيَةً ، لِأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُسَافِرِ بَلْ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فَلَا تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَتَفْسِيرُهُمْ عَلَى وَفْقِهِ فَكَانَ أَوْلَى . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ : { كُنَّا نَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا } " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أُمِنَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ فَجَازَ عُبُورُهُ كَالْمُحْدِثِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْمُكْثِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَضَعِيفٌ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَضْعِيفِ سَالِمٍ وَغُلُوِّهِ فِي التَّشَيُّعِ ، وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ بَعْضُ مَا ذَكَرنَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ اسْتَغْرَبَهُ الْبُخَارِيُّ إمَامُ الْفَنِّ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ ، بَلْ مَعْنَاهُ إبَاحَةُ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَنَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ هَذَا فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، فَمُنْتَقَضٌ بِمَوَاضِعِ الْخُمُورِ وَالْمَلَاهِي وَالطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّمَا يُمْنَعُ عُبُورُهُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً أَوْ مُتَعَرِّضَةً لِلْجَرَيَانِ ، وَهَذَا يُمْنَعُ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ 187 تَلْوِيثِهِ ، وَالْجُنُبُ بِخِلَافِهِ فَنَظِيرُ الْجُنُبِ مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَلَهُ الْعُبُورُ . وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحَائِضِ إنْ حَرَّمْنَا عُبُورَهَا ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ جَوَازُ عُبُورِهَا إذَا أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ الْمُكْثَ مُطْلَقًا ، بِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ } " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبِمَا احْتَجَّ بِهِ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَاحْتَجَّ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُشْرِكَ يَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَالْمُسْلِمُ الْجُنُبُ أَوْلَى ، وَأَحْسَنُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ ، وَلَيْسَ لِمَنْ حَرَّمَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ : قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ : مَعْنَاهَا لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَ بِمَا قَالَ : لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ ، إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ فِي مَوْضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَعَلَى مَا تَأَوَّلَهَا الشَّافِعِيُّ تَأَوَّلَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : وَرَوَيْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ : " كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ مُجْتَازًا وَهُوَ جُنُبٌ "
وَعَنْ أَفْلَتَ بْنِ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ 185 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : " لَيْسَ هُوَ بِقَوِيٍّ " قَالَ : قَالَ الْبُخَارِيُّ " عِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ " وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا فِي سَدِّ الْأَبْوَابِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ " ضُعِّفَ هَذَا الْحَدِيثُ " وَقَالُوا : أَفْلَتُ مَجْهُولٌ ، وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ : " هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ " .
( قُلْت ) وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ " لَا أَرَى بِأَفْلَتَ بَأْسًا " وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ " هُوَ كُوفِيٌّ صَالِحٌ " وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ " جَسْرَةُ تَابِعِيَّةٌ ثِقَةٌ " وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ مَا رَوَاهُ وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَلَمْ يَجِدْ لِغَيْرِهِ فِيهِ تَضْعِيفًا فَهُوَ عِنْدَهُ صَالِحٌ ، وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ مَنْ ذَكَرْنَا ، وَجَسْرَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَأَفْلَتُ بِالْفَاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وُجُوهُ الْبُيُوتِ أَبْوَابُهَا ، وَقَالَ وَمَعْنَى وَجِّهُوهَا عَنْ الْمَسْجِدِ : اصْرِفُوا وُجُوهَهَا عَنْ الْمَسْجِدِ . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِحَدِيثِ { الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ } " بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَجَاسَتِهِ جَوَازُ لُبْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْمُشْرِكِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَقَامَ دَلِيلُ تَحْرِيمِ مُكْثِ الْجُنُبِ . وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا فَرَّقَ الشَّرْعُ لَمْ يَجُزْ التَّسْوِيَةُ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ فَلَا يُكَلَّفُ بِهَا ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَوْ أَتْلَفَ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الضَّمَانَ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ إذَا أَتْلَفَا . وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ الْمُكْثَ وَالْعُبُورَ بِحَدِيثِ : " { لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } " وَبِحَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ الْمُفَسِّرِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ 186 لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرِك } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ : مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرِك . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعَ الْبُخَارِيُّ مِنِّي هَذَا الْحَدِيثَ وَاسْتَغْرَبَهُ ، قَالُوا : وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِ ، فَكَذَا الْعُبُورُ ، كَالدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَقِيَاسًا عَلَى الْحَائِضِ وَمَنْ فِي رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ مِنْهَا . قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَجْنَبَ وَعَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ الْجَنَابَةُ بَاقِيَةً ، لِأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الصَّلَاةِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْمُسَافِرِ بَلْ يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فَلَا تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْنَاهُ فَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَتَفْسِيرُهُمْ عَلَى وَفْقِهِ فَكَانَ أَوْلَى . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ : { كُنَّا نَمْشِي فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا لَا نَرَى بِهِ بَأْسًا } " رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أُمِنَ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ فَجَازَ عُبُورُهُ كَالْمُحْدِثِ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْمُكْثِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ .
وَأَمَّا الثَّانِي فَضَعِيفٌ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ وَعَطِيَّةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ جِدًّا شِيعِيَّانِ مُتَّهَمَانِ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَضْعِيفِ سَالِمٍ وَغُلُوِّهِ فِي التَّشَيُّعِ ، وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ بَعْضُ مَا ذَكَرنَا ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ اسْتَغْرَبَهُ الْبُخَارِيُّ إمَامُ الْفَنِّ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ ، بَلْ مَعْنَاهُ إبَاحَةُ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَنَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ هَذَا فِي خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، فَمُنْتَقَضٌ بِمَوَاضِعِ الْخُمُورِ وَالْمَلَاهِي وَالطُّرُقِ الضَّيِّقَةِ .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّمَا يُمْنَعُ عُبُورُهُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً أَوْ مُتَعَرِّضَةً لِلْجَرَيَانِ ، وَهَذَا يُمْنَعُ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ مِنْ 187 تَلْوِيثِهِ ، وَالْجُنُبُ بِخِلَافِهِ فَنَظِيرُ الْجُنُبِ مَنْ عَلَى رِجْلِهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَلَهُ الْعُبُورُ . وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْحَائِضِ إنْ حَرَّمْنَا عُبُورَهَا ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ جَوَازُ عُبُورِهَا إذَا أَمِنَتْ التَّلْوِيثَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث