المغني
المغني · الجزء الأول
page 176 · printed p. 104
( 213 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْخَشَبُ وَالْخِرَقُ وَكُلُّ مَا أُنْقِي بِهِ فَهُوَ كَالْأَحْجَارِ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُجْزِئُ إلَّا الْأَحْجَارُ . اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْأَحْجَارِ ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ رُخْصَةٍ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهَا بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ، كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ . 104 وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : { ۝ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ ، فَقَالَ : بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ . } فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا الرَّجِيعَ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الرَّجِيعِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى .
وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَأَنْ نَسْتَجْمِرَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ . } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحِجَارَةَ ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا . وَرَوَى طَاوُسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ۝ إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْبَرَازَ فَلْيُنَزِّهْ قِبْلَةَ اللَّهِ ، وَلَا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ ، أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ } . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ مَوْقُوفًا عَلَى طَاوُسٍ .
وَلِأَنَّهُ مَتَى وَرَدَ النَّصُّ بِشَيْءٍ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ ، وَجَبَ تَعْدِيَتُهُ إلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى هَاهُنَا إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ ، كَحُصُولِهِ بِهَا ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ التَّيَمُّمُ ; فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ مُنَقِّيًا ; لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ مُشْتَرَطٌ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، فَأَمَّا الزَّلِجُ كَالزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ الرِّخْوِ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا يُنَقِّي ، فَلَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ .
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا ، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُجْزِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ يُجَفِّفُ كَالطَّاهِرِ . وَلَنَا { ۝ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ يَسْتَجْمِرُ بِهَا ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : هَذِهِ رِكْسٌ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : إنَّهَا رِكْسٌ .
يَعْنِي نَجَسًا ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ; وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْغَسْلِ ، فَإِنْ اسْتَنْجَى بِنَجِسٍ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ ; لِأَنَّ الْمَحَلَّ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ ابْتِدَاءً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ ، فَزَالَتْ بِزَوَالِهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith