المغني
المغني · الجزء الأول
page 218 · printed p. 133
( 291 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا ، أَوْ مُرْتَدًّا ، اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ ، وُجِدَ مِنْهُ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ . وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .
وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُسْلَ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَالْجَمَّ الْغَفِيرَ أَسْلَمُوا ، فَلَوْ أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ ظَاهِرًا ; وَلِأَنَّ { ۝ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ : اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ } . وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ .
133 وَلَنَا : مَا رَوَى { ۝ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قِلَّةِ النَّقْلِ ، فَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْجَنَابَةِ فِي شِرْكِهِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَالِغَ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا ، ثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إذَا صَحَّ كَانَ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ، حِينَ أَرَادَا الْإِسْلَامَ ، سَأَلَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَأَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ : كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ قَالَا : نَغْتَسِلُ ، وَنَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَفِيضًا ; وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ تَلْحَقُهُ ، وَنَجَاسَةٍ تُصِيبُهُ ، وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ ، وَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ إذَا اغْتَسَلَ ، فَأُقِيمَتْ مَظِنَّةُ ذَلِكَ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْإِنْزَالِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith