المغني
المغني · الجزء الأول
page 256 · printed p. 150
( 333 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَطَلَبَ الْمَاءَ فَأَعْوَزَهُ ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ : أَحَدُهَا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ . فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً مُؤَدَّاةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا . وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ لَهَا فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ فِعْلِهَا فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا . وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً جَازَ التَّيَمُّمُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ; لِأَنَّ فِعْلَهَا جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ ، فَأُبِيحَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ ، أَوْ يُحْدِثَ . فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ .
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَوْ نَقُولُ : يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ فِي وَقْتٍ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ . وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَيُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سَائِرَ الطِّهَارَاتِ ; لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ لِضَرُورَةٍ . الشَّرْطُ الثَّانِي طَلَبُ الْمَاءِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِعْوَازُ الْمَاءِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعُذْرِ عَدَمِ الْمَاءِ . وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ طَلَبِ الْمَاءِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ . وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ . وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ; { ۝ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } . وَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ .
150 وَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ، وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ، قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لَمْ يُبِحْ لَهُ الصِّيَامَ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ ، وَلَمْ يُعَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِدٍ ; وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ ، كَالْقِبْلَةِ .
( 334 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَطْلُبَ فِي رَحْلِهِ ، ثُمَّ إنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ أَتَاهُ وَطَلَبَ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ عَنْ مِيَاهِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ عَادِمٌ . وَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ لَزِمَهُ قَصْدُهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا ، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ رُفْقَتِهِ ، وَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ( 335 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَبَ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الطَّلَبِ بَعْدَهُ . قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّهُ طَلَبٌ قَبْل الْمُخَاطَبَةِ بِالتَّيَمُّمِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ ، كَالشَّفِيعِ إذَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ . وَإِنْ طَلَبَ بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَتَيَمَّمْ عَقِيبَهُ ، جَازَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : إعْوَازُ الْمَاءِ بَعْدَ الطَّلَبِ . وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } { ۝ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } . فَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ ; وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَمَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith