المغني
المغني · الجزء الخامس
الصفحة 3191 · ص. المطبوع 90
90 مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : ( وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا ، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ : ( 3819 ) أَوَّلُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَبِهَذَا قَالَ زُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، جَازَ ، وَإِنْ اسْتَثْنَى عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ ، لَمْ يَجُزْ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ } . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إلَّا قِيلًا سَلَامًا } . وَقَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ﴿﴾ ﴿﴾ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ ﴿﴾ وَقَالَ آخَرُ : ﴿﴾ عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ ﴿﴾ ﴿﴾ إلَّا أُوَارِي لَأَيًّا مَا أُبَيِّنُهَا ﴿﴾ وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيه لَوْلَاهُ .
وَقِيلَ : هُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، مُشْتَقٌّ مِنْ ثَنَيْت فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ . إذَا صَرَفْته عَنْ رَأْيٍ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ . وَثَنَيْت عِنَانَ دَابَّتِي . إذَا صَرَفْتهَا بِهِ عَنْ وِجْهَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَذْهَبُ إلَيْهَا . وَغَيْرُ الْجِنْسِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْكَلَامِ ، فَإِذَا ذَكَرَهُ ، فَمَا صَرَفَ الْكَلَامَ عَنْ صَوْبِهِ ، وَلَا ثَنَاهُ عَنْ وَجْهِ اسْتِرْسَالِهِ ، فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ . " وَإِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنَى " لَكِنْ " . هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ; مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ .
وَالِاسْتِدْرَاكُ لَا يَأْتِي إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ الْإِثْبَاتُ ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ .
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْرَاكِ فِي الْإِقْرَارِ ; لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقِرِّ بِهِ ، فَإِذَا ذَكَرَ الِاسْتِدْرَاكَ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ جُمْلَةٍ كَأَنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ . فَيَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لَشَيْءٍ سِوَاهُ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ } فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ غَيْرَهُمْ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، وَلَا عَاصِيًا بِتَرْكِهِ ، وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } . وَلَا قَالَ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ . } وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أَنْكَسَهُ اللَّهُ وَأَهْبَطَهُ وَدَحَرَهُ ؟ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّجُودِ إلَّا الْمَلَائِكَةَ . فَإِنْ قَالُوا : بَلْ قَدْ تَنَاوَلَ الْأَمْرُ الْمَلَائِكَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ ، فَدَخَلَ إبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَعَهُمْ .
قُلْنَا : قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُمْ ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ إبْلِيسُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . فَعَلَى هَذَا ، مَتَى قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ 91 إلَّا ثَوْبًا . لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، لَكِنْ لِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ . ( 3820 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ ; فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ; لِمَا ذَكَرْنَا .
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَتَانِ . وَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ صِحَّتَهُ ; لِأَنَّ قَدْرَ أَحَدِهِمَا مَعْلُومٌ مِنْ الْآخَرِ ، وَيُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا ، وَآخَرُونَ يُسَمُّونَ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا ، فَإِذَا اسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْبِيرَ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، فِي مَوْضِعٍ يُعَبِّرُ فِيهِ بِالدِّينَارِ عَنْ تِسْعَةٍ ، كَانَ مَعْنَاهُ : لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً .
وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، لَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهُ ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا ، فَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْآخَرِ ، أَوْ يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْهُ ، وَرِوَايَةِ الْبُطْلَانِ عَلَى مَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث