المغني
المغني · الجزء الخامس
الصفحة 3532 · ص. المطبوع 258
( 4168 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ ; لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْبَدَلُ ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ . وَإِنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا ، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَلَا حَاجِزَ لَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ ، وَهِيَ حَقُّهُ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي . وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ ، فَتَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى حِمْصَ ، فَقَبَضَهَا ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُهَا فِيهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ 258 عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ فَمَضَتْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، كَالْأَجْرِ لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ . فَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ
وَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فِيهَا ، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَجْرَ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِيّ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهُ بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهَا بِالْبَذْلِ ، كَالصَّدَاقِ إذَا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَخْذِهَا
وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ ، فَفِيمَا إذَا عَرَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَأْخُذْهَا لَا أَجْرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ ، وَلَا فِي مِلْكِهِ . وَإِنْ قَبَضَهَا ، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا . وَالثَّانِيَةُ ، لَا شَيْءَ لَهُ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا ، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ ، بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالْعَقْدِ . وَلَنَا أَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فِي الْفَاسِدِ ، كَالْأَعْيَانِ . وَمَا ذَكَرَهُ لَا نُسَلِّمُهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث