المغني
المغني · الجزء الخامس
( 4433 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ عَلَى مَعْرُوفٍ أَوْ بِرٍّ فَهُوَ بَاطِلٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى مَنْ يُعْرَفُ ، كَوَلَدِهِ ، وَأَقَارِبِهِ ، وَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ عَلَى بِرٍّ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، وَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ ، وَالْمَقَابِرِ ، وَالسِّقَايَاتِ وَسَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَصْلُحُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَرَجُلِ وَامْرَأَةٍ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، وَلَا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَبَيْتِ النَّارِ ، وَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ ، وَكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ بُنِيَتْ لِلْكُفْرِ .
وَهَذِهِ الْكُتُبُ مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ ، وَلِذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ ، وَقَالَ : { أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أَلَمِ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ؟ لَوْ كَانَ مُوسَى أَخِي حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي } . وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ مِنْهُ .
وَالْوَقْفُ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَفَرْشِهَا وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيُعَمِّرُهَا ، كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْظِيمِهَا . وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا
قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبِيعَةِ ضِيَاعًا كَثِيرَةً ، وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءُ نَصَارَى ، فَأَسْلَمُوا وَالضَّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى : فَلَهُمْ أَخْذُهَا ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، لَا يَصِحُّ مِنْ الذِّمِّيِّ ، كَالْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا عَقَدُوا عُقُودًا فَاسِدَةً ، وَتَقَابَضُوا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا ، لَمْ نَنْقُضْ مَا فَعَلُوهُ ، فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ الرُّجُوعَ فِيمَا وَقَفُوهُ عَلَى كَنَائِسِهِمْ ؟ قُلْنَا : الْوَقْفُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إزَالَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا ، لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ كَالْعِتْقِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي نَصْرَانِيٍّ أَشْهَدَ فِي وَصِيَّتِهِ ، أَنَّ غُلَامَهُ فُلَانًا يَخْدِمُ الْبِيعَةَ خَمْسَ سِنِينَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ . ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ ، وَخَدَمَ سَنَةً ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، مَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : هُوَ حُرٌّ . وَيَرْجِعُ عَلَى الْغُلَامِ بِأُجْرَةِ خِدْمَةِ مَبْلَغِ أَرْبَعِ سِنِينَ . وَرُوِيَ عَنْهُ ، قَالَ : هُوَ حُرٌّ سَاعَةَ مَاتَ مَوْلَاهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِدْمَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ . لَمْ يَكُنْ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ ، بَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ يَعْتَقِدَانِ صِحَّتَهُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعِوَضُ بِإِسْلَامِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ، كَذَا هَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
وَهَذِهِ الْكُتُبُ مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ ، وَلِذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ ، وَقَالَ : { أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أَلَمِ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ؟ لَوْ كَانَ مُوسَى أَخِي حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي } . وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ مِنْهُ .
وَالْوَقْفُ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَفَرْشِهَا وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيُعَمِّرُهَا ، كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْظِيمِهَا . وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا
قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبِيعَةِ ضِيَاعًا كَثِيرَةً ، وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءُ نَصَارَى ، فَأَسْلَمُوا وَالضَّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى : فَلَهُمْ أَخْذُهَا ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ . وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، لَا يَصِحُّ مِنْ الذِّمِّيِّ ، كَالْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا عَقَدُوا عُقُودًا فَاسِدَةً ، وَتَقَابَضُوا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا ، لَمْ نَنْقُضْ مَا فَعَلُوهُ ، فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ الرُّجُوعَ فِيمَا وَقَفُوهُ عَلَى كَنَائِسِهِمْ ؟ قُلْنَا : الْوَقْفُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إزَالَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا ، لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ كَالْعِتْقِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي نَصْرَانِيٍّ أَشْهَدَ فِي وَصِيَّتِهِ ، أَنَّ غُلَامَهُ فُلَانًا يَخْدِمُ الْبِيعَةَ خَمْسَ سِنِينَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ . ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ ، وَخَدَمَ سَنَةً ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، مَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : هُوَ حُرٌّ . وَيَرْجِعُ عَلَى الْغُلَامِ بِأُجْرَةِ خِدْمَةِ مَبْلَغِ أَرْبَعِ سِنِينَ . وَرُوِيَ عَنْهُ ، قَالَ : هُوَ حُرٌّ سَاعَةَ مَاتَ مَوْلَاهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِدْمَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ . لَمْ يَكُنْ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ ، بَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ يَعْتَقِدَانِ صِحَّتَهُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعِوَضُ بِإِسْلَامِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ، كَذَا هَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث