المغني
المغني · الجزء السابع
الصفحة 4501 · ص. المطبوع 31
( 5200 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ : وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ ، فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ ، وَإِنْ كَرِهَتْ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً . أَمَّا الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ ، فَلَا خِلَافَ فِيهَا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ نِكَاحَ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ جَائِزٌ ، إذَا زَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ ، وَيَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مَعَ كَرَاهِيَتِهَا وَامْتِنَاعِهَا . وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ 31 تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } فَجَعَلَ لِلَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا تَكُونُ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إلَّا مِنْ طَلَاقٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ فَسْخٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا تُزَوَّجُ وَتَطْلُقُ ، وَلَا إذْنَ لَهَا فَيُعْتَبَرُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : { ۝ تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنَةُ سِتٍّ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا . وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ تَزَوَّجَ ابْنَةَ الزُّبَيْرِ حِين نَفِسَتْ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : ابْنَةُ الزُّبَيْرِ إنْ مِتّ وَرِثَتْنِي ، وَإِنْ عِشْت كَانَتْ امْرَأَتِي . وَزَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا ، لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ، كَالصَّغِيرَةِ
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ . وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ إذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { ۝ أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا ، أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . } وَلِأَنَّهَا جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهَا ، كَالثَّيِّبِ ، وَالرَّجُلِ
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .
فَلَمَّا قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ ، وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا ، دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ ، وَهِيَ الْبِكْرُ فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هَاهُنَا ، وَالِاسْتِئْذَانَ فِي حَدِيثِهِمْ مُسْتَحَبٌّ ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَحَدِيثُ الَّتِي خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ،
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الَّتِي زَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِهَا خَسِيسَتَهُ ، فَتَخْيِيرُهَا لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ ، كَالنُّطْقِ . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ . وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ . كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ لِمُوَلِّيَتِهِ عَقْدًا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِهِ عَقَارَهَا مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ وَلَا حَاجَةٍ ، أَوْ بَيْعِهِ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهَا شَرْعًا ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ لَهَا شَرْعًا بِمَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ كَالْوَكِيلِ
وَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ ، كَشِرَاءِ الْمَعِيبِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَيْبُهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ ، إذَا عَلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ بِكُفْءٍ ، وَيَصِحُّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ; لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَبَطَلَ لِتَحْرِيمِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ الضَّرَرِ ، بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا ، فَتُفْسَخُ إنْ كَرِهَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ كَانَ كَإِجَازَتِهَا وَإِذْنِهَا ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ .
32 وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ; فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً ، فَلَهَا الْخِيَارُ ، وَلَا خِيَارَ لِأَبِيهَا إذَا كَانَ عَالِمًا ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، فَعَلَيْهِ الْفَسْخُ ، وَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ ; لِأَنَّهُ يَفْسَخُ لِحَظِّهَا ، وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ . وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرَ الْأَبِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى مَا مَضَى . وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، وَلَا مِنْ مَعِيبٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَهُ مُقَامَهَا ، نَاظِرًا لَهَا فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَمُتَصَرِّفًا لَهَا ، لِعَجْزِهَا عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ مَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ ، كَمَا فِي مَالِهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِمَا لَا حَظَّ فِيهِ ، فَفِي نَفْسِهَا أَوْلَى .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث