المغني
المغني · الجزء التاسع
الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا . وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } . وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ . وَيُعْتَبَرُ فِي تَعْلِيمِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ; إذَا أَرْسَلَهُ اسْتَرْسَلَ ، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ . وَيَتَكَرَّرُ هَذَا مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ مُعَلَّمًا فِي حُكْمِ الْعُرْفِ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثٌ . قَالَهُ الْقَاضِي . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .
وَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَدَ الْمَرَّاتِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، بَلْ قَدْرُهُ بِمَا يَصِيرُ بِهِ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ ، صَارَ مُعَلَّمًا ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ . وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ ; لِأَنَّهُ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ ، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ .
وَلَنَا أَنَّ تَرْكَهُ لِلْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَعَلُّمٍ ، فَلَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّكْرَارِ ، وَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّكْرَارُ 295 اُعْتُبِرَ ثَلَاثًا ، كَالْمَسْحِ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَعَدَدِ الْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ فِي الْعِدَّةِ ، وَالْغَسَلَاتِ فِي الْوُضُوءِ . وَيُفَارِقُ الصَّنَائِعَ ، فَإِنَّهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إلَّا مَنْ تَعَلَّمَهَا ، فَإِذَا فَعَلَهَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَهَا وَعَرَفَهَا ، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ وَغَيْرِهِ ، وَيُوجَدُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَا يَتَمَيَّزُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ .
وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ ; لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ ، وَإِنْ أَكَلَ } . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَلَنَا ، أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تَرْكُ الْأَكْلِ ، فَاعْتُبِرَ شَرْطًا ، كَالِانْزِجَارِ إذَا زُجِرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } . وَهَذَا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَهُوَ ذِكْرُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا . ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى جَارِحَةٍ ثَبَتَ تَعْلِيمُهَا ; لِقَوْلِهِ : " إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ " . وَلَا يَثْبُتُ التَّعْلِيمُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الِانْزِجَارَ بِالزَّجْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ ، أَوْ رُؤْيَتِهِ ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِحَالٍ .
وَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَدَ الْمَرَّاتِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، بَلْ قَدْرُهُ بِمَا يَصِيرُ بِهِ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ ، صَارَ مُعَلَّمًا ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ . وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ ; لِأَنَّهُ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ ، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ .
وَلَنَا أَنَّ تَرْكَهُ لِلْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَعَلُّمٍ ، فَلَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّكْرَارِ ، وَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّكْرَارُ 295 اُعْتُبِرَ ثَلَاثًا ، كَالْمَسْحِ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَعَدَدِ الْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ فِي الْعِدَّةِ ، وَالْغَسَلَاتِ فِي الْوُضُوءِ . وَيُفَارِقُ الصَّنَائِعَ ، فَإِنَّهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إلَّا مَنْ تَعَلَّمَهَا ، فَإِذَا فَعَلَهَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَهَا وَعَرَفَهَا ، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ وَغَيْرِهِ ، وَيُوجَدُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَا يَتَمَيَّزُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ .
وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ ; لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ ، وَإِنْ أَكَلَ } . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَلَنَا ، أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تَرْكُ الْأَكْلِ ، فَاعْتُبِرَ شَرْطًا ، كَالِانْزِجَارِ إذَا زُجِرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } . وَهَذَا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَلِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَهُوَ ذِكْرُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا . ثُمَّ إنَّ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى جَارِحَةٍ ثَبَتَ تَعْلِيمُهَا ; لِقَوْلِهِ : " إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ " . وَلَا يَثْبُتُ التَّعْلِيمُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الِانْزِجَارَ بِالزَّجْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ ، أَوْ رُؤْيَتِهِ ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِحَالٍ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث