المغني
المغني · الجزء الثاني
page 921 · printed p. 20
( 1155 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ مَنْ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ الْمَسْجِدِ ، إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، كَاَلَّذِي عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى دِكَّةٍ عَالِيَةٍ ، أَوْ 20 رَفٍّ فِيهِ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَفَعَلَهُ سَالِمٌ . وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَقَالَ مَالِكٌ يُعِيدُ الْجُمُعَةَ إذَا صَلَّى فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ . وَلَنَا أَنَّهُمَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ يَعْلُ الْإِمَامُ ، فَصَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ كَالْمُتَسَاوِيَيْنِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا كَانَا جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ . قَالَ الْآمِدِيُّ : لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ .
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ فَقَدْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ . وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ، صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، كَثِيرًا كَانَ الْعُلُوُّ أَوْ قَلِيلًا ، بِشَرْطِ كَوْنِ الصُّفُوفِ مُتَّصِلَةً وَيُشَاهِدُ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي رَحْبَةِ الْجَامِعِ ، أَوْ دَارٍ ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ وَالْإِمَامُ عَلَى سَطْحٍ آخَرَ ، أَوْ كَانَا فِي صَحْرَاءَ ، أَوْ فِي سَفِينَتَيْنِ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ . وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ ، كَالْفَصْلِ الْيَسِيرِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَعْنَى اتِّصَالِ الصُّفُوفِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، وَلَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ .
وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَدَّ الِاتِّصَالَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ مِائَةِ ذِرَاعٍ . وَالتَّحْدِيدَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، وَالْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا نَصًّا نَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَا إجْمَاعًا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( 1156 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْإِمَامِ ، أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ . اخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا : لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ . وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ . وَالثَّانِيَةُ : يَصِحُّ .
قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ قَالَ : إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ فِي الْمِنْبَرِ إذَا قَطَعَ الصَّفَّ : لَا يَضُرُّ . وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ ، كَالْأَعْمَى ، وَلِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الْجَمَاعَةِ ، وَفِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ لِعَدَمِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلِخَبَرِ عَائِشَةَ .
وَلَنَا ، أَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ أَوْ الْمَانِعَ قَدْ اسْتَوَيَا فِيهِ ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ لَا يُشَاهِدُ أَنْ يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ ، لِيُمْكِنَهُ الِاقْتِدَاءُ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ ، لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهُ بِهِ بِحَالٍ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ .
21 فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ اعْتَبَرْنَا الْمُشَاهَدَةَ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مُشَاهَدَةُ مَنْ وَرَاءُ الْإِمَامِ ، سَوَاءٌ شَاهَدَهُ مِنْ بَابٍ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ ، أَوْ شَاهَدَهُ طَرَفَ الصَّفِّ الَّذِي وَرَاءَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ . وَإِنْ كَانَتْ الْمُشَاهَدَةُ تَحْصُلُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { ۝ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، وَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ . ( 1158 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ ، أَوْ كَانَا فِي سَفِينَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ .
وَالثَّانِي : يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ أَوْ سَمَاعَ الصَّوْتِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ . وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَصِحُّ فِي النَّهْرِ ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي السَّفِينَةِ ، وَإِذَا كَانَ جَامِدًا ، ثُمَّ كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ إنَّمَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فِيهِ ، أَمَّا الْمَنْعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ ، لَا يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ ، وَقَدْ صَلَّى أَنَسٌ فِي مَوْتِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith