كشاف القناع عن متن الإقناع
كشاف القناع عن متن الإقناع · الجزء الثاني
394 فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ .
شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا مَسَافَةُ قَصْرٍ ، وَدُونَهَا : وُجُودُ مَحْرَمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ : اُخْرُجْ مَعَهَا } رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِمُسْلِمٍ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا " ، وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ; وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ ، ( وَكَذَا يُعْتَبَرُ ) الْمَحْرَمُ ( لِكُلِّ سَفَرٍ يُحْتَاجُ فِيهِ مَحْرَمٌ ) أَيْ : لِكُلِّ مَا يُعَدُّ سَفَرًا عُرْفًا ، وَ ( لَا ) يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ إذَا خَرَجَتْ ( فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْف ) عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ ( وَهُوَ ) أَيْ الْمَحْرَمُ ( مُعْتَبَرٌ لِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ ) ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ بِخِلَافِ مَنْ دُونَهَا .
( قَالَ الشَّيْخُ : وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَيُسَافِرْنَ مَعَهَا ) تَبَعًا لَهَا ( وَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ انْتَهَى وَيَتَوَجَّهُ فِي عُتَقَائِهَا مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلُهُ عَلَى مَا قَالَ ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : مِنْ أَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَيَمْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ .
( قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ ) أَيْ : الْأَصْحَابِ ( اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ ) أَيْ : الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ( وَعَدَمِهِ ) أَيْ الْمَحْرَمِ لِلْمَذْكُورَاتِ ( كَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لِلْحُرَّةِ ) الْأَصْلِ فَلَا يُبَاحُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِ مُطْلَقًا " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخُنْثَى كَالرَّجُلِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ ، ( وَالْمَحْرَمُ ) هُنَا ( زَوْجُهَا ) سُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ كَوْنِهَا تَحِلُّ لَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا بِسَفَرِهِ مَعَهَا ( أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ ) كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ ( أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ ) كَزَوْجِ أُمِّهَا وَابْنِ زَوْجِهَا وَأَبِيهِ وَأَخِيهَا مِنْ رَضَاعٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ 395 ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِحُرْمَتِهَا ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ سَبَبٍ مُبَاحٍ نِسَاءُ النَّبِيِّ ; صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَسْنَا مَحَارِمُ لَهُنَّ إلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَوْ مُصَاهَرَةٌ كَذَلِكَ ، وَحُكْمُهُنَّ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِنَّ ، لَكِنْ قُصِدَ بَيَانُ خُصُوصِيَّتِهِنَّ وَفَضِيلَتِهِنَّ .
( وَخَرَجَ بِهِ ) أَيْ : بِقَوْلِهِ : مُبَاحٌ ( أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا وَبِنْتُهَا ) أَيْ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَلَيْسَ الْوَاطِئُ لَهُنَّ مَحْرَمًا لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ ، ( وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا : الْمُلَاعَنَةُ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ) أَيْ : الْمَلَاعِنِ ( عُقُوبَةً وَتَغْلِيظًا لِحُرْمَتِهَا ) فَلَا يَكُونُ الْمَلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا ( إذَا كَانَ ذَكَرًا ) .
فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا : لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا ( بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا ) فَمَنْ دُونَ بُلُوغٍ وَالْمَجْنُونُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مَحْرَمًا ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ ، وَالْكَافِرُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا وَلَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ فَلِهَذَا قَالَ :
( وَلَوْ عَبْدًا ) وَهُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا أَوْ أَبُوهُ وَنَحْوِهِ ( وَنَفَقَتُهُ ) أَيْ : الْمَحْرَمِ إذَا سَافَرَ مَعَهَا ( عَلَيْهَا ) ; لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا ( وَلَوْ كَانَ مَحْرَمُهَا زَوْجَهَا ) فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا زَادَ فَعَلَيْهَا ( فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَمْلِكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَهُمَا ) أَيْ : لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِمَا .
( وَلَوْ بَذَلَتْ النَّفَقَةَ ) لِمَحْرَمِهَا ( لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا ) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجَّةٍ عَنْ مَرِيضَةٍ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّوْجُ بِأَنْ يُسَافِرَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ ، وَعُلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا ( وَكَانَتْ ) مَنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا ( كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ( وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ ) نَصًّا ( مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ } ; وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا .
( وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ) ; لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ ( فَلَوْ حَجَّتْ ) الْمَرْأَةُ ( بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ ) عَلَيْهَا ذَلِكَ ( وَأَجْزَأَ ) هَا الْحَجُّ وِفَاقًا ، كَمَنْ حَجَّ وَقَدْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ .
( وَيَصِحُّ ) الْحَجُّ ( مِنْ مَغْصُوبٍ وَ ) مِنْ ( أَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَمِنْ تَاجِرٍ ) وَقَاصِدٍ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ أَوْ النُّزْهَةَ وَنَحْوِهِ ( وَيَأْتِي وَلَا إثْمَ ) عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى { : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .
396 ( وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ ) فِي الْعَمَلِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ( وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ قَبْلَ خُرُوجِهَا ) لِلسَّفَرِ ( لَمْ تَخْرُجْ ) بِلَا مَحْرَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ .
( وَ ) إنْ مَاتَ ( بَعْدَهُ ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا ( فَإِنْ كَانَ ) مَاتَ ( قَرِيبًا رَجَعَتْ ) ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ ، ( وَإِنْ كَانَ ) مَاتَ ( بَعِيدًا مَضَتْ ) فِي سَفَرِهَا لِلْحَجِّ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ شَيْئًا لِكَوْنِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .
( وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ إقَامَتِهَا بِبَلَدٍ ) ; لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الرُّجُوعِ ( وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً ) ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ ، ( لَكِنْ إنْ كَانَ حَجُّهَا تَطَوُّعًا وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ فَهُوَ أَوْلَى ) مِنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .
( وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ الْمَيِّتُ زَوْجُهَا فَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْعِدَدِ ) مُفَصَّلًا .
شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا مَسَافَةُ قَصْرٍ ، وَدُونَهَا : وُجُودُ مَحْرَمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ : اُخْرُجْ مَعَهَا } رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِمُسْلِمٍ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا " ، وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ; وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ ، ( وَكَذَا يُعْتَبَرُ ) الْمَحْرَمُ ( لِكُلِّ سَفَرٍ يُحْتَاجُ فِيهِ مَحْرَمٌ ) أَيْ : لِكُلِّ مَا يُعَدُّ سَفَرًا عُرْفًا ، وَ ( لَا ) يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ إذَا خَرَجَتْ ( فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْف ) عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ ( وَهُوَ ) أَيْ الْمَحْرَمُ ( مُعْتَبَرٌ لِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ ) ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ بِخِلَافِ مَنْ دُونَهَا .
( قَالَ الشَّيْخُ : وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَيُسَافِرْنَ مَعَهَا ) تَبَعًا لَهَا ( وَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ ; لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ انْتَهَى وَيَتَوَجَّهُ فِي عُتَقَائِهَا مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلُهُ عَلَى مَا قَالَ ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : مِنْ أَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَيَمْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ .
( قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ ) أَيْ : الْأَصْحَابِ ( اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ ) أَيْ : الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ( وَعَدَمِهِ ) أَيْ الْمَحْرَمِ لِلْمَذْكُورَاتِ ( كَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لِلْحُرَّةِ ) الْأَصْلِ فَلَا يُبَاحُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِ مُطْلَقًا " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخُنْثَى كَالرَّجُلِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ ، ( وَالْمَحْرَمُ ) هُنَا ( زَوْجُهَا ) سُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ كَوْنِهَا تَحِلُّ لَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا بِسَفَرِهِ مَعَهَا ( أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ ) كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ ( أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ ) كَزَوْجِ أُمِّهَا وَابْنِ زَوْجِهَا وَأَبِيهِ وَأَخِيهَا مِنْ رَضَاعٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ 395 ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِحُرْمَتِهَا ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ سَبَبٍ مُبَاحٍ نِسَاءُ النَّبِيِّ ; صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَسْنَا مَحَارِمُ لَهُنَّ إلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَوْ مُصَاهَرَةٌ كَذَلِكَ ، وَحُكْمُهُنَّ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِنَّ ، لَكِنْ قُصِدَ بَيَانُ خُصُوصِيَّتِهِنَّ وَفَضِيلَتِهِنَّ .
( وَخَرَجَ بِهِ ) أَيْ : بِقَوْلِهِ : مُبَاحٌ ( أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا وَبِنْتُهَا ) أَيْ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَلَيْسَ الْوَاطِئُ لَهُنَّ مَحْرَمًا لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ ، ( وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا : الْمُلَاعَنَةُ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ) أَيْ : الْمَلَاعِنِ ( عُقُوبَةً وَتَغْلِيظًا لِحُرْمَتِهَا ) فَلَا يَكُونُ الْمَلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا ( إذَا كَانَ ذَكَرًا ) .
فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا : لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا ( بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا ) فَمَنْ دُونَ بُلُوغٍ وَالْمَجْنُونُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مَحْرَمًا ; لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ ، وَالْكَافِرُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا وَلَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ فَلِهَذَا قَالَ :
( وَلَوْ عَبْدًا ) وَهُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا أَوْ أَبُوهُ وَنَحْوِهِ ( وَنَفَقَتُهُ ) أَيْ : الْمَحْرَمِ إذَا سَافَرَ مَعَهَا ( عَلَيْهَا ) ; لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا ( وَلَوْ كَانَ مَحْرَمُهَا زَوْجَهَا ) فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا زَادَ فَعَلَيْهَا ( فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَمْلِكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَهُمَا ) أَيْ : لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِمَا .
( وَلَوْ بَذَلَتْ النَّفَقَةَ ) لِمَحْرَمِهَا ( لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا ) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجَّةٍ عَنْ مَرِيضَةٍ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّوْجُ بِأَنْ يُسَافِرَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ ، وَعُلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا ( وَكَانَتْ ) مَنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا ( كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ ( وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ ) نَصًّا ( مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ } ; وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا .
( وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ) ; لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ ( فَلَوْ حَجَّتْ ) الْمَرْأَةُ ( بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ ) عَلَيْهَا ذَلِكَ ( وَأَجْزَأَ ) هَا الْحَجُّ وِفَاقًا ، كَمَنْ حَجَّ وَقَدْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ .
( وَيَصِحُّ ) الْحَجُّ ( مِنْ مَغْصُوبٍ وَ ) مِنْ ( أَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَمِنْ تَاجِرٍ ) وَقَاصِدٍ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ أَوْ النُّزْهَةَ وَنَحْوِهِ ( وَيَأْتِي وَلَا إثْمَ ) عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى { : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .
396 ( وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ ) فِي الْعَمَلِ ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ( وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ قَبْلَ خُرُوجِهَا ) لِلسَّفَرِ ( لَمْ تَخْرُجْ ) بِلَا مَحْرَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ .
( وَ ) إنْ مَاتَ ( بَعْدَهُ ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا ( فَإِنْ كَانَ ) مَاتَ ( قَرِيبًا رَجَعَتْ ) ; لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ ، ( وَإِنْ كَانَ ) مَاتَ ( بَعِيدًا مَضَتْ ) فِي سَفَرِهَا لِلْحَجِّ ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ شَيْئًا لِكَوْنِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .
( وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ إقَامَتِهَا بِبَلَدٍ ) ; لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الرُّجُوعِ ( وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً ) ; لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ ، ( لَكِنْ إنْ كَانَ حَجُّهَا تَطَوُّعًا وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ فَهُوَ أَوْلَى ) مِنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .
( وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ الْمَيِّتُ زَوْجُهَا فَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْعِدَدِ ) مُفَصَّلًا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث