المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1015 · ص. المطبوع 55
55 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ
مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ
989 - مُكَرَّرٌ مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ ، لَا لَحْمِهِ ، وَلَا شَحْمِهِ ، وَلَا جِلْدِهِ ، وَلَا عَصَبِهِ ، وَلَا غُضْرُوفِهِ ، وَلَا حَشْوَتِهِ ، وَلَا مُخِّهِ ، وَلَا عَظْمِهِ ، وَلَا رَأْسِهِ ، وَلَا أَطْرَافِهِ ، وَلَا لَبَنِهِ ، وَلَا شَعْرِهِ - الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ سَوَاءٌ - وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِشَعْرِهِ لَا فِي خَرَزٍ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ .
وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ الدَّمِ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ - مَسْفُوحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَسْفُوحٍ - إلَّا الْمِسْكُ وَحْدَهُ ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِمَّا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَلَا مَا قُتِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا ، إلَّا الْجَرَادُ وَحْدَهُ ، فَإِنْ خُنِقَ شَيْءٌ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ ضُرِبَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ سَقَطَ مِنْ عُلْوٍ فَمَاتَ ، أَوْ نَطَحَهُ حَيَوَانٌ آخَرُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا مَا قَتَلَهُ السَّبُعُ أَوْ حَيَوَانٌ آخَرُ حَاشَا الصَّيْدِ عَلَى مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أُدْرِكَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا حَيًّا فَذُكِّيَ فَهُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ إنْ كَانَ مِمَّا لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ .
وَلَا يَحِلُّ أَكْلُ حَيَوَانٍ ذُبِحَ أَوْ نُحِرَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } فَحَرَّمَ تَعَالَى كُلَّ 56 مَا ذَكَرْنَا وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ كُلُّ مَا ذَكَّيْنَا وَلَا تَقْتَضِي الْآيَةُ غَيْرَ هَذَا أَصْلًا وَهَهُنَا قَوْلَانِ لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ ، أَحَدُهُمَا قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ بِالْحَيَوَانِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا مَبْلَغًا يُوقَنُ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، وَإِنْ ذُكِّيَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا عَرَفَ أَنَّهُ يَمُوتُ مِمَّا أَصَابَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ الذَّكَاةِ حَرُمَ أَكْلُهُ وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْ الذَّكَاةِ قَبْلَ مَوْتِهِ مِمَّا أَصَابَهُ حَلَّ أَكْلُهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخِلَافٌ لِلْآيَةِ ظَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ تَقْسِيمُ الْمُزَنِيّ أَيْضًا وَسَنَسْتَقْصِي هَذَا فِي كِتَابِ الذَّكَاةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّ قَوْمًا حَرَّمُوا الْمَسْفُوحَ وَحْدَهُ ، وَهُوَ الْجَارِي ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } قَالُوا : فَإِنَّمَا حَرَّمَ الْمَسْفُوحَ فَقَطْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْهُمْ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِأَنَّ الْآيَةَ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ وَالْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَا نَحْنُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ مِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَ فَحَرَّمَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ ثُمَّ حَرَّمَ بِالْمَدِينَةِ الدَّمَ كُلَّهُ جُمْلَةً عُمُومًا فَمَنْ لَمْ يُحَرِّمْ إلَّا الْمَسْفُوحَ وَحْدَهُ فَقَدْ أَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَمَنْ حَرَّمَ الدَّمَ جُمْلَةً فَقَدْ أَخَذَ بِالْآيَتَيْنِ جَمِيعًا وَقَدْ حَرَّمَ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ فِيهَا كَالْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ كُلِّ مَا جَاءَ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ وَالدَّمُ جُمْلَةً مِمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهُ بَعْدَ تِلْكَ الْآيَةِ . نَا أَبُو سَعِيدٍ الْفَتَى نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِي نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ النَّحَّاسُ حَدَّثَنِي يَمُوتُ بْنُ المزرع نَا أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّجِسْتَانِيُّ نَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى نَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ : سَأَلْت مُجَاهِدًا عَنْ تَلْخِيصِ آيِ الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ مِنْ الْمَكِّيِّ ؟ فَقَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : سُورَةُ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً وَاحِدَةً إلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } إلَى تَمَامِ الثَّلَاثِ الْآيَاتِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هِيَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا 57 تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
فَهَذِهِ الثَّلَاثُ الْآيَاتُ هِيَ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِنْهَا فِي الْمَدِينَةِ وَسَائِرُهَا بِمَكَّةَ ، وَسُورَةُ الْمَائِدَةِ أُنْزِلَتْ بِالْمَدِينَةِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، ( فَإِنْ ذَكَرُوا ) مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ الدَّمِ يَكُونُ فِي أَعْلَى الْقِدْرِ ؟ فَلَمْ تَرَ بِهِ بَأْسًا وَقَرَأَتْ { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } حَتَّى بَلَغَتْ ( مَسْفُوحًا ) فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَارَضَهُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جُرَيِّ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : قَالَتْ لِي عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ : هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ ؟ قُلْت : نَعَمْ قَالَتْ : أَمَا إنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا حَرَامًا فَحَرِّمُوهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي أَعْلَى الْقِدْرِ إنْ كَانَ أَحْمَرَ ظَاهِرًا فَهُوَ بِلَا شَكٍّ مَسْفُوحٌ وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ صُفْرَةٌ فَلَيْسَ دَمًا لِأَنَّ الدَّمَ أَحْمَرُ أَوْ أَسْوَدُ لَا أَصْفَرُ فَإِنْ بَطَلَتْ صِفَاتُهُ الَّتِي مِنْهَا يَقُومُ حَدُّهُ فَقَطْ سَقَطَ عَنْهُ اسْمُ الدَّمِ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ دَمًا فَهُوَ حَلَالٌ ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الْعُرُوقِ وَخِلَالَ اللَّحْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ظَاهِرًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَلَيْسَ هُنَالِكَ دَمٌ يُحَرَّمُ وَإِنَّمَا نَسْأَلُ خُصُومَنَا عَنْ دَمٍ أَحْمَرَ ظَاهِرٍ إلَّا أَنَّهُ جَامِدٌ لَيْسَ جَارِيًا أَيَحِلُّ أَكْلُهُ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا مَكَانُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا الْمِسْكُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يَتَطَيَّبُ بِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَبَعْدَهَا وَقَبْلَهَا وَأَقَرَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَلَنَا وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ فِي أَصْلِهِ دَمُ قُرْحَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ فِي حَيَوَانٍ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا } وَالضَّمِيرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَيْهِ فَصَحَّ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ بِعَيْنِهِ رِجْسٌ فَهُوَ كُلُّهُ رِجْسٌ وَبَعْضُ الرِّجْسِ رِجْسٌ ، وَالرِّجْسُ حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ 58 فَالْخِنْزِيرُ كُلُّهُ حَرَامٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ شَعْرُهُ وَلَا غَيْرُهُ حَاشَا مَا أَخْرَجَهُ النَّصُّ مِنْ الْجِلْدِ إذَا دُبِغَ فَحَلَّ اسْتِعْمَالُهُ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا لَيْثٌ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا هَارُونُ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ نَا حَجَّاجٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ - ( عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ) نَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ : لَا إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ } ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوَّبَ قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْخَنَازِيرِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ يَنْزِلُ وَبِهِ يَحْكُمُ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ فَلَوْ كَانَتْ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ لَمَا أَبَاحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَتْلَهُ فَيُضَيِّعُ ، فَصَحَّ أَنَّهُ كُلَّهُ مَيْتَةٌ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي مَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ شَحْمَ الْخِنْزِيرِ إنَّمَا حُرِّمَ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِهِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ هَذَا التَّخْلِيطَ الظَّاهِرَ فَسَادُهُ : أَوَّلُ بُطْلَانِ قَوْلِك أَنَّهُ دَعْوَى بِلَا بُرْهَانٍ ، وَثَانِيه أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا إذْ قُلْت إنَّهَا إنَّمَا أَجْمَعَتْ عَلَى الْبَاطِلِ مِنْ الْقِيَاسِ ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْهُ عَيْنَ الْبَاطِلِ لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّحْمِ وَاللَّحْمِ ، فَإِنْ قَالُوا : لِأَنَّ الشَّحْمَ بَعْضُ اللَّحْمِ وَمِنْ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّحْمِ تُولَدُ قُلْنَا لَهُمْ : أَمَّا قَوْلُكُمْ : إنَّ الشَّحْمَ بَعْضُ اللَّحْمِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ الشَّحْمُ لَحْمًا وَهَذَا لَمْ تَأْتِ بِهِ لُغَةٌ قَطُّ وَلَا شَرِيعَةٌ ، وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لِأَنَّهُ مِنْ اللَّحْمِ تَوَلَّدَ فَنَحْنُ تَوَلَّدْنَا مِنْ التُّرَابِ وَلَسْنَا تُرَابًا ، وَالدَّجَاجَةُ تَوَلَّدَتْ مِنْ الْبَيْضَةِ وَلَيْسَتْ بَيْضَةً ، وَالتَّمْرُ تَوَلَّدَ مِنْ النَّخْلِ 59 وَلَيْسَ نَخْلًا ، وَاللَّحْمُ تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ ، وَاللَّبَنُ تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ وَلَيْسَ اللَّحْمُ دَمًا وَلَا اللَّبَنُ دَمًا بَلْ هُمَا حَلَالَانِ ، وَالدَّمُ حَرَامٌ وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ شَيْءٍ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الدِّيَانَةِ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّحْمَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَلَمْ يُحَرِّمْ اللَّحْمَ بِتَحْرِيمِ الشَّحْمِ . نَعَمْ وَلَا حَرَّمَ شَحْمَ الظَّهْرِ وَلَا شَحْمَ الصَّدْرِ وَلَا شَحْمَ الْحَوَايَا لِتَحْرِيمِ شَحْمِ الْبَطْنِ ، وَلَا يَدْرِي ذُو عَقْلٍ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ إذَا حُرِّمَ اللَّحْمُ أَنْ يُحَرِّمَ الشَّحْمَ ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا آنِفًا .
وَالرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ أَتَرَوْنَ سَفَّ عَظْمِهِ وَأَكْلَ غُضْرُوفِهِ وَشُرْبَ لَبَنِهِ حُرِّمَ قِيَاسًا عَلَى لَحْمِهِ ؟ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ جِدًّا وَكُلُّ هَذِهِ عِنْدَهُمْ أَنْوَاعٌ غَيْرُ اللَّحْمِ بِلَا خِلَافٍ مِنْهُمْ ، وَيُقَالُ لَهُمْ أَيْضًا أَخْبِرُونَا أَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى شَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَغُضْرُوفَهُ وَعَظْمَهُ وَشَعْرَهُ وَلَبَنَهُ ؟ أَمْ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ قَالُوا : حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُمْ : وَمِنْ أَيْنَ يُعْرَفُ تَحْرِيمُ اللَّهِ تَعَالَى مَا حَرَّمَ إلَّا بِتَفْصِيلِهِ تَحْرِيمَهُ وَبِوَحْيِهِ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهَلْ يَكُونُ مَنْ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ أَمْرَ كَذَا بِغَيْرِ وَحْيٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ إلَّا مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَاذِبًا عَلَيْهِ جِهَارًا ؟ إذْ أَخْبَرَ عَنْهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ وَحْيًا وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } .
فَإِنْ قَالُوا : حَرُمَ كُلُّ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهِ اللَّحْمَ قُلْنَا : وَهَذِهِ دَعْوَى مُكَرَّرَةٌ كَاذِبَةٌ مُفْتَرَاةٌ بِلَا دَلِيلٍ عَلَى صِحَّتِهَا ، وَعَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْكَاذِبَةِ سَأَلْنَاكُمْ فَلَمْ نَجِدْ عِنْدَكُمْ زِيَادَةً عَلَى تَكْرِيرِهَا فَقَطْ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ . فَإِنْ قَالُوا : لَمْ يُحَرِّمْهَا اللَّهُ تَعَالَى بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِهِ وَلَا حَرَّمَهَا رَسُولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَصٍّ مِنْهُ لَكِنْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ ، قِيلَ لَهُمْ : هَذِهِ أَطَمُّ وَأَفْحَشُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يُقِرُّونَ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا شَكٍّ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذْ حَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْكَفَرَةِ الصَّلْعَاءِ ، فَإِنْ قَالُوا : لَمَّا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَئِذٍ قُلْنَا لَهُمْ : مَتَى حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ؟ أَقَبْلَ إجْمَاعِهِمْ أَمْ مَعَ إجْمَاعِهِمْ أَمْ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ . فَإِنْ قَالُوا : بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ جَعَلُوا حُكْمَهُ تَعَالَى تَبَعًا لِحُكْمِ عِبَادِهِ وَهَذَا كُفْرٌ مَحْضٌ ، وَإِنْ قَالُوا : بَلْ مَعَ إجْمَاعِهِمْ كَانُوا قَدْ أَوْجَبُوا أَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا مُخَالَفَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي 60 تَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ وَقَدْ بَيَّنَّا فُحْشَ هَذَا آنِفًا . وَإِنْ قَالُوا : بَلْ قَبْلَ إجْمَاعِهِمْ قُلْنَا : فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَلَا يُعْرَفُ تَحْرِيمُهُ إيَّاهُ إلَّا بِتَفْصِيلٍ مِنْهُ تَعَالَى بِتَحْرِيمِهِ وَالتَّفْصِيلُ لَا يَكُونُ أَلْبَتَّةَ إلَّا بِنَصٍّ وَهَذَا قَوْلُنَا وَإِلَّا فَهُوَ دَعْوَى كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَهُّنٌ . وَقَوْلٌ فِي الدِّينِ بِالظَّنِّ فَظَهَرَ يَقِينُ مَا قُلْنَاهُ وَفَسَادُ قَوْلِهِمْ وَصَحَّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي تَحْرِيمِهِ كَمَا لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى تَحْرِيمِ لَحْمِهِ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ النَّصِّ بِتَحْرِيمِهِ وَلَا فَرْقَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ ، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ الْجَرَادِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث