المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1216 · ص. المطبوع 341
341 مَسْأَلَةٌ :
وَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَوْ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ يُرْدَدُ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ ، وَهُنَا خِلَافُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ - وَرُوِّينَا مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَخَالَفَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَلَا يُجْزِئُ إلَّا مِثْلُ مَا يُطْعِمُ الْإِنْسَانُ أَهْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الدَّقِيقَ ، فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الدَّقِيقَ ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الْحَبَّ فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْحَبَّ ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِي أَهْلَهُ الْخُبْزَ ، فَلْيُعْطِ الْمَسَاكِينَ الْخُبْزَ ، وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطْعَمَ أَهْلَهُ فَمِنْهُ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْقُرْآنِ وَيُعْطِي مِنْ الصِّفَةِ ، وَالْمَكِيلِ الْوَسَطِ - لَا الْأَعْلَى وَلَا الْأَدْنَى - كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا - : فَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ - . وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ .
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ حِنْطَةٍ . وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ .
وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ أَوْ صَاعُ تَمْرٍ - وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَقَالَ : أَوْ أَكْلَةٌ مَأْدُومَةٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : مَكُّوكُ حِنْطَةٍ ، وَمَكُّوكُ تَمْرٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .
وَالْمَكُّوكُ نِصْفُ صَاعٍ .
قَالَ الْحَسَنُ : وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَهُمْ أَكْلَةً خُبْزًا ، وَلَحْمًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَخُبْزًا وَسَمْنًا وَلَبَنًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَخُبْزًا وَخَلًّا وَزَيْتًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
وَقَالَ قَتَادَةَ أَيْضًا : مَكُّوكُ تَمْرٍ ، وَمَكُّوكُ حِنْطَةٍ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مُدُّ بُرٍّ ، وَمُدُّ تَمْرٍ - هَذَا كُلُّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ : عَشْرَةُ أَمْدَادٍ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَمُدَّانِ لِلْحَطَبِ ، وَالْإِدَامِ .
وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ : يَجْمَعُهُمْ فَيُشْبِعُهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً .
وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ : مُدُّ تَمْرٍ وَمُدُّ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ . 342
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ حِنْطَةٍ .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ مِثْلُهُ أَيْضًا .
وَعَنْ عَطَاءٍ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
وَرُوِّينَا عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ إنْ كَانَ خُبْزًا يَابِسًا : فَعَشَاءٌ وَغَدَاءٌ .
وَعَنْ عَلِيٍّ يُغَدِّيهِمْ ، وَيُعَشِّيهِمْ : خُبْزًا ، وَزَيْتًا ، وَسَمْنًا - وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمَا .
وَعَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ : غَدَاءٌ ، وَعَشَاءٌ .
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا - : بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى نا أَبُو الْمُحَيَّاةِ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إنْ كَانَ خُبْزًا يَابِسًا فَغَدَاءٌ وَعَشَاءٌ } وَهَذَا مُرْسَلٌ وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، أَوْ صَاعُ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، وَمِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَسَوِيقِهِ نِصْفُ صَاعٍ ، وَمِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَسَوِيقِهِ صَاعٌ ، فَإِنْ أَطْعَمَهُمْ : فَغَدَاءٌ ، وَعَشَاءٌ - أَوْ غَدَاءٌ ، وَغَدَاءٌ - أَوْ عَشَاءٌ وَعَشَاءٌ - أَوْ سَحُورٌ وَغَدَاءٌ - أَوْ سَحُورٌ وَعَشَاءٌ .
وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ : دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذِهِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا حُجَّةَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْأَذَى لِلْمُحْرِمِ نِصْفَ صَاعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ - وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ نَصَّ ذَلِكَ الْخَبَرِ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ - وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ .
وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ نا الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { ۝ كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُعْطُوا ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ } .
وَهَذَا خَبَرٌ سَاقِطٌ ، لِأَنَّ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ضَعِيفٌ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ - وَقَدْ يُنْسَبُ إلَى جَدِّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ خِلَافًا لِقَوْلِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ نِصْفَ صَاعِ تَمْرٍ أَلْبَتَّةَ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا مُعَاوِيَةُ الضَّرِيرُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ 343 ابْنِ عُمَرَ قَالَ { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } قَالَ : الْخُبْزُ وَاللَّبَنُ ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ - وَمِنْ أَعْلَى مَا يُطْعِمُهُمْ : الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ : أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ فَعَجَنَ فَأَطْعَمَهُمْ .
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ - وَكَانَ ثِقَةً - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الرَّجُلُ يُقَوِّتُ أَهْلَهُ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ ، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا دُونًا ، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا وَسَطًا ، فَقِيلَ { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ .
وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ - وَهُوَ قَوْلُنَا ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا مَنْ حَدَّ كَيْلًا مَا ، وَمَنْ مَنَعَ مِنْ إطْعَامِ الْخُبْزِ ، وَالدَّقِيقِ ، وَمَنْ أَوْجَبَ أَكْلَتَيْنِ ، فَأَقْوَالٌ لَا حُجَّةَ لَهَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث