المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السادس
الصفحة 1303 · ص. المطبوع 458
وَأَمَّا جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ فَفِي مَالِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَفِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مَالٌ فِي رِقِّهِ أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَلَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ فِدَاؤُهُ ، وَلَا بِمَا قَلَّ وَلَا بِمَا كَثُرَ وَلَا إسْلَامُهُ فِي جِنَايَتِهِ وَلَا بَيْعُهُ فِيهَا .
وَكَذَلِكَ جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ ، وَالْمُكَاتَبِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ الْمَأْذُونِ ، وَغَيْرِ الْمَأْذُونِ - سَوَاءٌ ، الدَّيْنُ وَالْجِنَايَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِجَرِيرَةِ أَحَدٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .
وَالْعَبْدُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، وَكَذَلِكَ ثَمَنُهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَالِ السَّيِّدِ ، فَنَسْأَلُ مَنْ خَالَفَنَا هَاهُنَا ؟ بِأَيِّ كِتَابِ اللَّهِ ، أَمْ بِأَيِّ سَنَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَلْتُمْ إبَاحَةَ مَالِ السَّيِّدِ لِغَيْرِهِ 458 وَلَمْ يَجْنِ شَيْئًا ؟ وَلَعَلَّهُ صَغِيرٌ ، أَوْ مَجْنُونٌ ، أَوْ غَائِبٌ فِي أَرْضٍ بَعِيدَةٍ ، أَوْ نَائِمٌ ، أَوْ فِي صَلَاةٍ ، إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ عَجِيبٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُونَ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيّ عَنْ دَهْثَمِ بْنِ قُرَّانَ الْيَمَامِيِّ عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ ظَفَرٍ عَنْ أَبِيهِ { ۝ أَنَّ مَمْلُوكًا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ لَقِيَ آخَرَ فَشَجَّهُ فَاخْتَصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبْدَ إلَى الْمَقْطُوعِ يَدُهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهُ فَدَفَعَهُ إلَى الْمَشْجُوجِ ، فَصَارَ لَهُ وَرَجَعَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَالْمَقْطُوعُ يَدُهُ بِلَا شَيْءٍ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ دَهْثَمَ بْنَ قُرَّانَ ضَعِيفٌ مُتَّفَقٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ضَعْفِهِ - وَنِمْرَانُ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَمَا سَبَقُونَا إلَى الْأَخْذِ بِهِ ، وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِالْكَذِبِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ ، وَقَدْ كَذَبَ هَذَا الْجَاهِلُ وَأَفِكَ ، مَا جَاءَ فِي هَذَا [ الْخَبَرِ ] عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي عِلْمِنَا إلَّا مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَا فَاتَنَا - بِحَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى - فِي ذَلِكَ شَيْءٌ ثَابِتٌ أَصْلًا ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَفُتْنَا أَيْضًا مَعْلُولٌ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ حَجَّاجٍ هُوَ ابْنُ أَرْطَاةَ - عَنْ حُصَيْنٍ الْحَارِثِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ الْحَارِثِ هُوَ الْأَعْوَرُ - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَا جَنَى الْعَبْدُ فَفِي رَقَبَتِهِ ، وَيَتَخَيَّرُ مَوْلَاهُ إنْ شَاءَ فَدَاهُ وَإِنْ شَاءَ دَفَعَهُ . وَهَذِهِ فَضِيحَةُ الْحَجَّاجِ ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، أَحَدُهُمَا كَانَ يَكْفِي .
وَقَدْ خَالَفُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي إسْلَامِهِ الشَّاةَ إلَى أَوْلِيَاءِ الَّتِي نُطِحَتْ فَغَرِقَتْ فِي 459 الْفُرَاتِ ، فَمَا الَّذِي جَعَلَ حُكْمَهُ هُنَالِكَ أَوْلَى مِنْ حُكْمِهِ هَاهُنَا لَوْ صَحَّ عَنْهُ فَكَيْفَ وَهُوَ بَاطِلٌ ؟ نَعَمْ ، وَقَدْ خَالَفُوا عَلِيًّا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : مَا جَنَى الْعَبْدُ مِنْ دَمٍ عَمْدًا فَلَيْسَ فِي رَقَبَتِهِ ، وَلَا يَفْدِيه سَيِّدُهُ ، وَلَا يَدْفَعُهُ ، إنَّمَا هُوَ الْقَوَدُ ، أَوْ الْعَفْوُ ، أَوْ مَا تَصَالَحُوا عَلَيْهِ . وَمَالِكٌ يَقُولُ : جِنَايَةُ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى سَيِّدِهِ - وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ : لَا يَلْزَمُ السَّيِّدُ أَنْ يَفْدِيَ عَبْدَهُ ، وَلَا أَنْ يُسَلِّمَهُ ، لَكِنْ يُبَاعُ فِي جِنَايَتِهِ فَقَطْ .
وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَنَحَرُوهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِحَاطِبٍ : إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ : كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك ؟ قَالَ : أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ : فَأَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ .
وَهُمْ يُخَالِفُونَ عُمَرَ فِي هَذَا .
فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي جَعَلَ بَعْضَ حُكْمِهِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ حَقًّا وَبَعْضُهُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا بَاطِلًا ، إنَّ هَذَا لَهُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ .
وَرِوَايَةٌ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ السَّلُولِيِّ الْأَعْوَرِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ عَلَى مَوْلَاهُ - وَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ السَّلُولِيَّ الْأَعْوَرَ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ .
ثُمَّ قَدْ خَالَفُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَمَالِكٌ يَقُولُ : لَا يَغْرَمُ عَنْهُ سَيِّدُهُ مَا جَنَى ، وَلَا يَدْفَعُهُ ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ أَنْ يُسْتَخْدَمَ فِي جِنَايَتِهِ فَقَطْ .
وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا فِيمَا جَنَى فِي الْأَمْوَالِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ ، فَمَنْ أَقَلُّ حَيَاءً مِمَّنْ يَجْعَلُ مِثْلَ هَذَا إجْمَاعًا ثُمَّ لَا يَرَى صَوَابًا فَكَيْفَ سُنَّةً ؟ فَكَيْفَ إجْمَاعًا ؟ دَفْعَهُمْ كُلَّهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِخَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ تَمْرٍ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ ، لَكِنْ يُقِرُّونَهُمْ مَا أَقَرَّهُمْ اللَّهُ ، وَيُخْرِجُونَهُمْ إذَا شَاءُوا مُدَّةَ حَيَاةِ 460 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مُدَّةَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ مُدَّةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا أَحَدَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ ، فَأَيُّ عَجَبٍ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا ؟
وَلَا يَرَى أَيْضًا آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَمِيعِ الْحَاضِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَمَّنْ غَابَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ بِهِمْ صَوَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : ثُمَّ هُمْ مُخْتَلِفُونَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُبَاعُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي دِيَتِهِ ، وَلَا يُسَلَّمُ ، وَلَا يَفْدِيه سَيِّدُهُ ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فَهُوَ الَّذِي يُبَاعُ ، أَوْ يُسَلَّمُ ، أَوْ يُفْدَى .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُبَاعُ الْمَأْذُونُ ، وَلَا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي دَيْنٍ ، وَلَا يُسَلَّمُ وَلَا يُفْدَى ، وَأَمَّا جِنَايَتُهُمَا فَيُبَاعَانِ فِيهِمَا ، أَوْ يُسَلَّمَانِ أَوْ يُفْدَيَانِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْمَأْذُونُ وَغَيْرُ الْمَأْذُونِ سَوَاءٌ ، وَالدَّيْنُ وَالْجِنَايَةُ سَوَاءٌ ، كِلَاهُمَا يُبَاعُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، أَوْ يُسَلِّمُهُ سَيِّدُهُ أَوْ يَفْدِيه .
فَهَذِهِ أَقْوَالٌ كَمَا تَرَوْنَهَا مَا نَحْتَاجُ فِي رَدِّهَا إلَى أَكْثَرَ مِنْ إيرَادِهَا ; لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى ، وَتُبْطِلُ قَوْلَهَا وَكُلُّهَا بَاطِلٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إنْ قَتَلَ الْعَبْدُ حُرًّا فَلَيْسَ إلَّا الْقَوَدُ أَوْ الْعَفْوُ ، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ كَمَا كَانَ ، إنْ عَفَا عَنْهُ - وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ .
قَالُوا : فَإِنْ قَتَلَ الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا خَطَأً ، أَوْ جَنَى عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً - قَلَّتْ الْجِنَايَةُ أَوْ كَثُرَتْ - كُلِّفَ سَيِّدُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، أَوْ إلَى وَلِيِّهِ - كَثُرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمْ أَمْ قَلُّوا - أَوْ يَفْدِيه بِجَمِيعِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ .
قَالُوا : فَإِنْ جَنَى فِي مَالٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى السَّيِّدِ إلَّا أَنْ يُبَاعَ فِي جِنَايَتِهِ فَإِنْ وَفَّى ثَمَنُهُ بِالْجِنَايَاتِ فَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ ، وَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ لِلسَّيِّدِ .
قَالُوا : فَإِنْ جَنَى الْمُدَبَّرُ فَقَتَلَ خَطَأً ، أَوْ جَنَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، أَوْ الدِّيَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْجِنَايَةِ عَشَرَةَ 461 آلَافِ دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا ، فَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ إلَّا عَشَرَةُ آلَافٍ غَيْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، فَإِنْ قَتَلَ آخَرَ خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ ، لَكِنْ يَرْجِعُ كُلُّ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَيُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَ ، وَهَكَذَا أَبَدًا .
وَهَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ فِي جِنَايَتِهَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَإِنْ جَنَى الْمُدَبَّرُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ عَلَى مَالٍ فَعَلَيْهِمَا السَّعْيُ فِي قِيمَةِ مَا جَنَيَا وَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِ أُمِّ الْوَلَدِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا الْفَصْلُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ سَائِرُ جِنَايَاتِهِمَا ، وَجِنَايَاتِ الْعَبِيدِ وَلَا فَرْقَ ، وَهَذِهِ تَفَارِيقُ لَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ فِي هَذِهِ التَّخَالِيطِ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ لَمَا بَعُدَ عَنْ الصِّدْقِ .
وَقَالُوا : إنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ فَقَتَلَ خَطَأً ، أَوْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ جَنَى فِي مَالٍ : سَعَى فِي قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : جِنَايَةُ الْعَبْدِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ سَوَاءٌ ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَكُلُّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ بِقَدْرِ الْمَالِ أَوْ يَدْفَعَهُ ، فَإِنْ جَنَى الْمُدَبَّرُ كَذَلِكَ فَفِي مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفِ اُسْتُخْدِمَ فِي الْبَاقِي ، فَإِنْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَعَلَى سَيِّدِهَا أَنْ يَفْدِيَهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَقَطْ ، ثُمَّ كُلَّمَا جَنَتْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهَا كَذَلِكَ ، فَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ كَذَلِكَ كُلِّفَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَرْشَ مَا جَنَى ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْ أَبَى رُقَّ وَعَادَ إلَى حُكْمِ الْعَبِيدِ .
وَهَذِهِ تَفَارِيقُ لَا تُحْفَظُ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ قَبْلَهُ ، وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا لَمَا بَعُدَ عَنْ الصِّدْقِ إلَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْجِنَايَاتِ فِي مَالِ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ ، فَهُوَ صَحِيحٌ لَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ بِمَا ذَكَرْنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا جَنَى الْمُدَبَّرُ ، وَالْعَبْدُ مِنْ دَمٍ ، أَوْ فِي مَالٍ أَوْ مَا دُونَ النَّفْسِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ بَيْعُهُ فِيهَا فَقَطْ ، فَإِنْ وَفَّى فَذَلِكَ فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ فَلِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَلَا أَنْ يَفْدِيَهُ . 462 فَإِنْ جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فِدَاهَا سَيِّدُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ - فَإِنْ جَنَتْ ثَانِيَةً فَقَوْلَانِ - : أَحَدُهُمَا : يَفْدِيهَا أَيْضًا ، وَهَكَذَا أَبَدًا .
وَالثَّانِي : يَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ فَيُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَ وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ - وَهَذَا أَيْضًا قَوْلٌ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَيْسَ عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ فَاسِدَةٍ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ ، وَلَا مِنْ رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ .
فَإِنْ مَوَّهُوا بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا ؟ قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ ، بَلْ يَمْلِكُ كَمَا يَمْلِكُ الْحُرُّ ، وَلَكِنْ هَبْكُمْ الْآنَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَمَا تَدَّعُونَ عُدُّوهُ فَقِيرًا ، وَأَتْبِعُوهُ بِهِ إذَا مَلَكَ يَوْمًا مَا كَمَا يُتْبَعُ الْفَقِيرُ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ، وَلَا فَرْقَ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فَقَدْ وَعَدَهُمْ اللَّهُ أَوْ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِالْغِنَى ، فَانْتَظَرُوا بِهِمْ ذَلِكَ الْغِنَى ، فَكَيْفَ وَالْبَرَاهِينُ عَلَى صِحَّةِ مِلْكِ الْعَبْدِ ظَاهِرَةٌ ؟ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : وَيُقَادُ لِلْمَمْلُوكِ مِنْ الْمَمْلُوكِ فِي كُلِّ عَمْدٍ يَبْلُغُ نَفْسَهُ فَمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ ، فَإِنْ اصْطَلَحُوا عَلَى الْعَقْلِ فَقِيمَةُ الْمَقْتُولِ عَلَى مَالِ الْقَاتِلِ أَوْ الْجَارِحِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا قَوْلُنَا وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ ، وَبَيَانُ [ هَذَا ] أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَرَى الْعَبْدَ مَالِكًا .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أُخِذَ عَبْدٌ أَسْوَدُ آبِقٌ قَدْ عَدَا عَلَى رَجُلٍ فَشَجَّهُ لِيَذْهَبَ بِرَقَبَتِهِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمْ يَرَ لَهُ شَيْئًا .
وَهَذَا قَوْلُنَا : وَقَدْ جَاءَ هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ 463 { ۝ أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ فَأَتَى أَهْلُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءَ ؟ فَلَمْ يَجْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ شَيْئًا . } ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَمْ يُسَلِّمْهُ وَلَا بَاعَهُ وَلَا أَلْزَمَهُ مَالًا يَمْلِكُهُ وَلَا أَلْزَمَ سَادَاتِهِ فِدَاءَهُ - وَهَذَا قَوْلُنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
تَمَّ " كِتَابُ الْغَصْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ " .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث