المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثامن
443 مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ بَيِّنَةٌ وَأَبَى الْمَطْلُوبُ مِنْ الْيَمِينِ : أُجْبِرَ عَلَيْهَا - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - بِالْأَدَبِ ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ أَصْلًا ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ أَلْبَتَّةَ .
وَلَا تَرُدُّ يَمِينٌ أَصْلًا ، إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فَقَطْ - : وَهِيَ الْقَسَامَةُ : فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ لِأَوْلِيَائِهِ بَيِّنَةٌ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ ، وَاسْتَحَقُّوا الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ ، فَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَبَرِئُوا ، فَإِنْ نَكَلُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْيَمِينِ أَبَدًا - وَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الطَّالِبُونَ ، فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّ عَلَى الْمَطْلُوبِينَ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي : الْوَصِيَّةُ فِي السَّفَرِ ، لَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا إلَّا كُفَّارٌ ، وَأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يَحْلِفَانِ مَعَ شَهَادَتِهَا ، فَإِنْ نَكَلَا لَمْ يُقْضَ بِشَهَادَتِهَا ، فَإِنْ قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِ حَلَفَ اثْنَانِ مِنْهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِمَا ، وَحُكِمَ بِهَا ، وَفُسِخَ مَا شَهِدَ بِهِ الْأَوَّلَانِ ، فَإِنْ نَكَلَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهَا ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ كَمَا حُكِمَ بِهِ - فَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الشُّهُودُ لَا الطَّالِبُ وَلَا الْمَطْلُوبُ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ : مَنْ قَامَ لَهُ بِدَعْوَاهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ ، أَوْ امْرَأَتَانِ عَدْلَتَانِ ، فَيَحْلِفُ وَيُقْضَى لَهُ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ ، فَإِنْ نَكَلَ أُجْبِرَ عَلَى الْيَمِينِ أَبَدًا ، فَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الطَّالِبُ فَإِنْ نَكَلَ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ .
وَفِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ - : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَعْوَى الطَّالِبِ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُقْضَى عَلَيْهِ إلَّا حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، فَيُقْضَى لَهُ حِينَئِذٍ ، فَالْقَائِلُونَ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِنُكُولِهِ دُونَ أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ - .
فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ نا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بَاعَ عَبْدًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْبَرَاءَةِ ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعَبْدِ خَاصَمَ فِيهِ ابْنَ عُمَرَ إلَى عُثْمَانَ فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : احْلِفْ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ مِنْ دَاءٍ عَلِمْته فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْعَبْدَ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ 444 ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَمَرَ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَحْلِفَ ، فَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ الْحَارِثِ ، قَالَ : نَكَلَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ عَنْ الْيَمِينِ ، فَقَضَى عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ : قَدْ مَضَى قَضَائِي .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْضَى عَلَى النَّاكِلِ عَنْ الْيَمِينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ ، وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، حَاشَا الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِنُكُولِ الْمَطْلُوبِ ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ ، لَكِنْ يُسْجَنُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ .
وَقَالَ زُفَرُ : أَقْضِي فِي النُّكُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا .
وَقَالَا مَرَّةً أُخْرَى : يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَاشَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْأَرْشُ وَالدِّيَةُ بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلَا يُقَصُّ مِنْهُ .
وَقَالُوا كُلُّهُمْ : مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَا فِيهِ الْقَطْعُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ : حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْمَالَ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
وَقَالُوا كُلُّهُمْ : لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إلَى الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
فَإِنْ أَبَى وَتَمَادَى قُضِيَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ : حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ، ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ ، فَإِنْ نَكَلُوا قُتِلُوا قِصَاصًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ ادَّعَى حَقًّا مِنْ مَالٍ عَلَى مُنْكِرٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ احْلِفْ فَتَبْرَأْ .
فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُ طَالِبِهِ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمَنْ قَالَ : أَنَا أَتَّهِمُ فُلَانًا بِأَنَّهُ أَخَذَ لِي مَالًا ذَكَرَ عَدَدَهُ - وَلَا أُحَقِّقُ ذَلِكَ .
قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ : احْلِفْ وَتَبْرَأْ ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُتَّهَمُ دُونَ رَدِّ يَمِينٍ . 445
قَالَ : مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ وَرَثَتَهُ صِغَارًا فَأَقَامَ وَصِيُّهُمْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا بِدَيْنٍ لِمَوْرُوثِهِمْ عَلَى إنْسَانٍ : قِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ : احْلِفْ حَتَّى تَبْلُغَ الصِّغَارُ فَيَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ ، وَيُقْضَى لَهُمْ ، فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغُوا وَيَحْلِفُوا وَيُقْضَى لَهُمْ ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .
وَقَالَ فِيمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ طَلَاقًا ، أَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَمَتُهُ أَوْ عَبْدُهُ عَتَاقًا ، وَقَامَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ : إنَّهُ يُقَالُ لَهُ : احْلِفْ مَا طَلَّقْت ، وَلَا أَعْتَقْت وَتَبَرَّأْ .
فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ .
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يُسْجَنُ حَتَّى يَطُولَ أَمْرُهُ ، وَحَدَّ ذَلِكَ بِسَنَةٍ ، ثُمَّ يُطَلِّقُ - وَمَرَّةً قَالَ : يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ ; لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ : مَرَّةً يَقْضِي بِالنُّكُولِ كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَفِي سَائِرِ الدَّعَاوَى لَا يَقْضِي بِهِ ، وَهَذِهِ فُرُوقٌ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَّقَ بِهَا قَبْلَهُ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى تَفْرِيقِهِ ، لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَا قِيَاسٍ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِفُرُوقِهِ - فَسَقَطَ هَذِهِ الْقَوْلُ بِيَقِينٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ أَيْضًا ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُمْ إلَى تِلْكَ الْفُرُوقِ الْفَاسِدَةِ ، وَلَا إلَى تَرْدِيدِ دُعَائِهِ إلَى الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَا صَحَّحَ ذَلِكَ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَلَا قِيَاسٌ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِفُرُوقِهِمْ .
وَلَا يَخْلُو الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَاجِبًا أَوْ بَاطِلًا ، فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ لَا يَحِلُّ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحُكْمُ بِهِ فِي كُلِّ مَكَان وَاجِبٌ - : كَمَا قَالَ زُفَرُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا - إذْ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا جُمْلَةً ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ قَطُّ الِاحْتِيَاطَ لِلدَّمِ بِأَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ ، وَالْمَالِ ، وَالْبَشَرَةِ ، بَلْ الْحَرَامُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ 446 كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ } .
بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الدَّمَ يُبَاحُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَجَلْدِ مِائَةٍ فِي الزِّنَى أَوْ خَمْسِينَ لَا يُبَاحُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ عُدُولٍ - فَصَحَّ أَنَّهُ التَّسْلِيمُ لِلنُّصُوصِ فَقَطْ .
وَلَمْ يَبْقَ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ إلَّا قَوْلُ زُفَرَ الَّذِي وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَاهُ ، فَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ : أَنَّهُ ذَكَرَ آيَةَ اللِّعَانِ وَقَالَ : إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الزَّوْجَ إنْ نَكَلَ عَنْ الْأَيْمَانِ ، أَوْ نَكَلَتْ هِيَ ، فَإِنَّ عَلَى النَّاكِلِ حُكْمًا مَا يَلْزَمُهُ بِنُكُولِ النَّاكِلِ الْمَذْكُورِ إمَّا السِّجْنُ وَإِمَّا الْحَدُّ - فَهَذَا قَضَاءٌ بِالنُّكُولِ .
فَقُلْنَا : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا ، لِوَجْهَيْنِ - :
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الزَّوْجَ قَاذِفٌ ، فَجَاءَ النَّصُّ بِإِزَالَةِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ بِأَيْمَانِهِ الْأَرْبَعِ وَلَعَنَتْهُ الْخَامِسَةُ فَلَزِمَتْ الطَّاعَةُ لِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَالْحَدُّ بَاقٍ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ - وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الْعَذَابَ ، إلَّا أَنْ تَحْلِفَ ، فَإِنْ حَلَفَتْ دُرِئَ عَنْهَا الْعَذَابُ بِأَيْمَانِهَا الْأَرْبَعِ ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي الْخَامِسَةِ بِالنَّصِّ ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَالْعَذَابُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الدَّعَاوَى ، بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ حُكْمًا مَا يَلْزَمُهَا بِالنُّكُولِ ، وَهُوَ عِنْدَكُمْ السِّجْنُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ نُكُولَ النَّاكِلِ عَنْ الْيَمِينِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يُوجِبُ أَيْضًا عَلَيْهِ حُكْمًا مَا وَهُوَ الْأَدَبُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَتَى مُنْكَرًا قَدَرْنَا عَلَى تَغْيِيرِهِ بِالْيَدِ - وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا فَوَجَبَ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِالْآيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا .
وَقَالَ أَيْضًا : إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ لِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمًا مُوجِبًا لِلْمُدَّعِي حَقًّا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ رَدُّ الْيَمِينِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ السِّجْنُ وَالْأَدَبُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ إنْفَاذُ الْحُكْمِ عَلَى النَّاكِلِ ، فَبَطَلَ رَدُّ الْيَمِينِ ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُدَّعِي فِي سِجْنِ الْمَطْلُوبِ النَّاكِلِ وَتَأْدِيبِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِنُكُولِهِ .
فَقُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، إذْ زِدْتُمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ ، وَلَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ 447 فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالْحُكْمِ ، إلَّا الْغَرَامَةُ إنْ أَقَرَّ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ بِيَقِينِ الْحَاكِمِ ، أَوْ الْيَمِينُ إنْ أَنْكَرَ فَقَطْ ، فَلَمَّا لَمْ يُقِرَّ ، وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَلَا تَيَقَّنَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الْمُدَّعِي : سَقَطَتْ الْغَرَامَةُ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَهُوَ حَقُّهُ قِبَلَ الْمَطْلُوبِ ، فَوَجَبَ أَخْذُهُ بِهِ وَلَا بُدَّ ، لَا بِمَا سِوَاهُ مِمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ - سَوَاءٌ كَانَ لِلطَّالِبِ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ - لِأَنَّ مُرَاعَاةَ فَائِدَتِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ دُونَ مُرَاعَاةِ فَائِدَةِ الْمَطْلُوبِ .
وَقَالَ : إنَّ قَطْعَ الْخُصُومَةِ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَوْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَانْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ ، فَإِذْ نَكَلَ فَقَدْ لَزِمَهُ قَطْعُ الْخُصُومَةِ ، وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ بِسَجْنِهِ وَلَا بِأَدَبِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَطْعُهَا بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ الطَّالِبُ ، وَكَانَ فِي سَجْنِهِ قَطْعٌ لَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَتَقِفُ الْخُصُومَةُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ .
فَقُلْنَا : هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَخِلَافُ قَوْلِكُمْ - : أَمَّا خِلَافُ قَوْلِكُمْ : لَوْ حَلَفَ لَانْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ ، بَلْ مَتَى أَقَامَ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ عَادَتْ الْخُصُومَةُ - وَسَائِرُ قَوْلِكُمْ بَاطِلٌ .
وَمَا عَلَيْهِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ أَصْلًا إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا - : إمَّا بِالْإِقْرَارِ ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي صَادِقًا .
وَإِمَّا بِالْيَمِينِ ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا ، وَعَلَى الْحَاكِمِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِالْقَضَاءِ بِمَا تُوجِبُهُ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَقَطْ - وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ .
وَإِمَّا غَرَامَةً - بِأَنْ لَا يُوجِبَهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ ، فَهِيَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ .
ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ : أَنَّكُمْ بَعْدَ قَضَائِكُمْ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ تَسْجُنُونَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ، قَدْ عُدْتُمْ إلَى السِّجْنِ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ .
وَهَذَا تَلَوُّثٌ وَسَخَافَةٌ نَاهِيكَ بِهَا .
وَقَالَ : هُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ خِلَافُ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ مِنْهُمْ . 448
فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفُوا عُثْمَانَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ الْبَيْعَ بِالْبَرَاءَةِ إلَّا فِي عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ عُثْمَانَ بَعْضُهُ حُجَّةٌ وَبَعْضُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، هَذَا عَلَى أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَالِمِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ فِيهِ ، عَنْ أَبِيهِ : فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَرْتَجِعَ الْعَبْدَ ، فَرَدَّهُ إلَيْهِ عُثْمَانُ بِرِضَاهُ - .
فَبَطَلَ بِهَذَا أَنْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ أَوْ يُدْرَى مَخْرَجُهَا .
وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ : أَنَّهُ رَأَى الْحُكْمَ بِالنُّكُولِ جَائِزًا ، وَإِنَّمَا فِيهِ : أَنَّهُ حُكْمُ عُثْمَانُ ، وَأَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَكُمْ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَلْزَمَ الْغَرَامَةَ بِالنُّكُولِ ، إنَّمَا فِيهِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا فَأَبَتْ ، فَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ - وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الْيَمِينِ ، إذْ لَيْسَ لِلْغَرَامَةِ فِي الْخَبَرِ ذِكْرٌ أَصْلًا ، فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا ، لَا لِقَوْلِكُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ رَوَى عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَسَدِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، فَذَكَرَ فِيهِ : فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَضَمِّنْهَا .
قِيلَ لَهُ : إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَسَدِيُّ مَجْهُولٌ - لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُوَ - وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيُّ - مَتْرُوكٌ مُطَرَّحٌ .
فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ فِي هَذَا شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا .
فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنْ يُقْضَى بِالْغَرَامَةِ عَلَى النَّاكِلِ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ - .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الطَّالِبِ - : فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : اسْتَسْلَفَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَضَاهُ أَتَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : إنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ فَقَالَ الْمِقْدَادُ : مَا كَانَتْ إلَّا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، فَارْتَفَعَا إلَى عُمَرَ ، 449 فَقَالَ الْمِقْدَادُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَحْلِفْ أَنَّهَا كَمَا يَقُولُ ، وَيَأْخُذْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْصَفَك ، احْلِفْ أَنَّهَا كَمَا تَقُولُ وَخُذْهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ قَدْ خَالَطَهُ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَضَى بِالْيَمِينِ فَرَدَّهَا عَلَى الطَّالِبِ فَلَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْ الْآخَرَ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عَبْدُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إذَا قَضَى بِالْيَمِينِ فَرَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ، وَقَالَ : لَا أُعْطِيك مَا لَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَقْضِ لِلطَّالِبِ إنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ إلَّا حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَرَى ذَلِكَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ نا عُبَيْدَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الْيَمِينَ وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّينَ الْقَاضِيَيْنِ - هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ - وَأَحَدُ قَوْلَيْ إِسْحَاقَ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلَانِ - : أَحَدُهُمَا : رَدُّ الْيَمِينِ جُمْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا رُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ - وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَلْزَمَ الْمَطْلُوبَ الْيَمِينُ أَبَدًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ . 450 وَقَالَ مَالِكٌ : تُرَدُّ الْيَمِينُ فِي الْأَمْوَالِ - وَلَا يَرَى رَدَّهَا فِي النِّكَاحِ ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا فِي الْعِتْقِ .
وَلَا تَرُدُّ يَمِينٌ أَصْلًا ، إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فَقَطْ - : وَهِيَ الْقَسَامَةُ : فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ لِأَوْلِيَائِهِ بَيِّنَةٌ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ ، وَاسْتَحَقُّوا الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ ، فَإِنْ أَبَوْا حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَبَرِئُوا ، فَإِنْ نَكَلُوا أُجْبِرُوا عَلَى الْيَمِينِ أَبَدًا - وَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الطَّالِبُونَ ، فَإِنْ نَكَلُوا رُدَّ عَلَى الْمَطْلُوبِينَ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي : الْوَصِيَّةُ فِي السَّفَرِ ، لَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا إلَّا كُفَّارٌ ، وَأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يَحْلِفَانِ مَعَ شَهَادَتِهَا ، فَإِنْ نَكَلَا لَمْ يُقْضَ بِشَهَادَتِهَا ، فَإِنْ قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِ حَلَفَ اثْنَانِ مِنْهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِمَا ، وَحُكِمَ بِهَا ، وَفُسِخَ مَا شَهِدَ بِهِ الْأَوَّلَانِ ، فَإِنْ نَكَلَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهَا ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ كَمَا حُكِمَ بِهِ - فَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الشُّهُودُ لَا الطَّالِبُ وَلَا الْمَطْلُوبُ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّالِثُ : مَنْ قَامَ لَهُ بِدَعْوَاهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ ، أَوْ امْرَأَتَانِ عَدْلَتَانِ ، فَيَحْلِفُ وَيُقْضَى لَهُ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ ، فَإِنْ نَكَلَ أُجْبِرَ عَلَى الْيَمِينِ أَبَدًا ، فَهَذَا مَكَانٌ يَحْلِفُ فِيهِ الطَّالِبُ فَإِنْ نَكَلَ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ .
وَفِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا اخْتِلَافٌ - : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَعْوَى الطَّالِبِ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُقْضَى عَلَيْهِ إلَّا حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، فَيُقْضَى لَهُ حِينَئِذٍ ، فَالْقَائِلُونَ يُقْضَى عَلَى الْمَطْلُوبِ بِنُكُولِهِ دُونَ أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ - .
فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ نا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بَاعَ عَبْدًا لَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ بِالْبَرَاءَةِ ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعَبْدِ خَاصَمَ فِيهِ ابْنَ عُمَرَ إلَى عُثْمَانَ فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : احْلِفْ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ مِنْ دَاءٍ عَلِمْته فَأَبَى ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ الْعَبْدَ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ 444 ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَمَرَ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَحْلِفَ ، فَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ الْحَارِثِ ، قَالَ : نَكَلَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ عَنْ الْيَمِينِ ، فَقَضَى عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ : قَدْ مَضَى قَضَائِي .
وَبِهَذَا يَأْخُذُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْضَى عَلَى النَّاكِلِ عَنْ الْيَمِينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ ، وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، حَاشَا الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِنُكُولِ الْمَطْلُوبِ ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ ، لَكِنْ يُسْجَنُ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ .
وَقَالَ زُفَرُ : أَقْضِي فِي النُّكُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا .
وَقَالَا مَرَّةً أُخْرَى : يُقْضَى بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَاشَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْأَرْشُ وَالدِّيَةُ بِالنُّكُولِ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَلَا يُقَصُّ مِنْهُ .
وَقَالُوا كُلُّهُمْ : مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَا فِيهِ الْقَطْعُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ : حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَبَرِئَ ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْمَالَ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
وَقَالُوا كُلُّهُمْ : لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إلَى الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .
فَإِنْ أَبَى وَتَمَادَى قُضِيَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ : إنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَيْهِمْ قَتْلَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ : حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ، ثُمَّ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ ، فَإِنْ نَكَلُوا قُتِلُوا قِصَاصًا .
وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ ادَّعَى حَقًّا مِنْ مَالٍ عَلَى مُنْكِرٍ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ احْلِفْ فَتَبْرَأْ .
فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُ طَالِبِهِ عَلَيْهِ . قَالَ : وَمَنْ قَالَ : أَنَا أَتَّهِمُ فُلَانًا بِأَنَّهُ أَخَذَ لِي مَالًا ذَكَرَ عَدَدَهُ - وَلَا أُحَقِّقُ ذَلِكَ .
قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ : احْلِفْ وَتَبْرَأْ ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُتَّهَمُ دُونَ رَدِّ يَمِينٍ . 445
قَالَ : مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ وَرَثَتَهُ صِغَارًا فَأَقَامَ وَصِيُّهُمْ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا بِدَيْنٍ لِمَوْرُوثِهِمْ عَلَى إنْسَانٍ : قِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ : احْلِفْ حَتَّى تَبْلُغَ الصِّغَارُ فَيَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ ، وَيُقْضَى لَهُمْ ، فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغُوا وَيَحْلِفُوا وَيُقْضَى لَهُمْ ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .
وَقَالَ فِيمَنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ طَلَاقًا ، أَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَمَتُهُ أَوْ عَبْدُهُ عَتَاقًا ، وَقَامَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ : إنَّهُ يُقَالُ لَهُ : احْلِفْ مَا طَلَّقْت ، وَلَا أَعْتَقْت وَتَبَرَّأْ .
فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ .
وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يُسْجَنُ حَتَّى يَطُولَ أَمْرُهُ ، وَحَدَّ ذَلِكَ بِسَنَةٍ ، ثُمَّ يُطَلِّقُ - وَمَرَّةً قَالَ : يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَظَاهِرُ الْخَطَأِ ; لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ : مَرَّةً يَقْضِي بِالنُّكُولِ كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَفِي سَائِرِ الدَّعَاوَى لَا يَقْضِي بِهِ ، وَهَذِهِ فُرُوقٌ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَّقَ بِهَا قَبْلَهُ وَلَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى تَفْرِيقِهِ ، لَا مِنْ قُرْآنٍ ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةٍ سَقِيمَةٍ ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَا قِيَاسٍ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِفُرُوقِهِ - فَسَقَطَ هَذِهِ الْقَوْلُ بِيَقِينٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ أَيْضًا ، وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُمْ إلَى تِلْكَ الْفُرُوقِ الْفَاسِدَةِ ، وَلَا إلَى تَرْدِيدِ دُعَائِهِ إلَى الْيَمِينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَا صَحَّحَ ذَلِكَ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا رِوَايَةٌ سَقِيمَةٌ ، وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ قَبْلَهُمْ ، وَلَا قِيَاسٌ ، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِفُرُوقِهِمْ .
وَلَا يَخْلُو الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَاجِبًا أَوْ بَاطِلًا ، فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ لَا يَحِلُّ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فَالْحُكْمُ بِهِ فِي كُلِّ مَكَان وَاجِبٌ - : كَمَا قَالَ زُفَرُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا - إذْ لَمْ يَأْتِ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا جُمْلَةً ، وَمَا جَعَلَ اللَّهُ قَطُّ الِاحْتِيَاطَ لِلدَّمِ بِأَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ ، وَالْمَالِ ، وَالْبَشَرَةِ ، بَلْ الْحَرَامُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ حَرَامٌ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ 446 كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ } .
بَلْ قَدْ وَجَدْنَا الدَّمَ يُبَاحُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَجَلْدِ مِائَةٍ فِي الزِّنَى أَوْ خَمْسِينَ لَا يُبَاحُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ عُدُولٍ - فَصَحَّ أَنَّهُ التَّسْلِيمُ لِلنُّصُوصِ فَقَطْ .
وَلَمْ يَبْقَ فِي الْحُكْمِ بِالنُّكُولِ إلَّا قَوْلُ زُفَرَ الَّذِي وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَاهُ ، فَوَجَدْنَا مِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ : أَنَّهُ ذَكَرَ آيَةَ اللِّعَانِ وَقَالَ : إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الزَّوْجَ إنْ نَكَلَ عَنْ الْأَيْمَانِ ، أَوْ نَكَلَتْ هِيَ ، فَإِنَّ عَلَى النَّاكِلِ حُكْمًا مَا يَلْزَمُهُ بِنُكُولِ النَّاكِلِ الْمَذْكُورِ إمَّا السِّجْنُ وَإِمَّا الْحَدُّ - فَهَذَا قَضَاءٌ بِالنُّكُولِ .
فَقُلْنَا : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا ، لِوَجْهَيْنِ - :
أَحَدُهُمَا - أَنَّ الزَّوْجَ قَاذِفٌ ، فَجَاءَ النَّصُّ بِإِزَالَةِ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْهُ بِأَيْمَانِهِ الْأَرْبَعِ وَلَعَنَتْهُ الْخَامِسَةُ فَلَزِمَتْ الطَّاعَةُ لِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَالْحَدُّ بَاقٍ عَلَيْهِ بِالنَّصِّ - وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الْعَذَابَ ، إلَّا أَنْ تَحْلِفَ ، فَإِنْ حَلَفَتْ دُرِئَ عَنْهَا الْعَذَابُ بِأَيْمَانِهَا الْأَرْبَعِ ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي الْخَامِسَةِ بِالنَّصِّ ، وَإِنْ نَكَلَتْ فَالْعَذَابُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الدَّعَاوَى ، بِلَا خِلَافٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي - أَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ لَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ حُكْمًا مَا يَلْزَمُهَا بِالنُّكُولِ ، وَهُوَ عِنْدَكُمْ السِّجْنُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ نُكُولَ النَّاكِلِ عَنْ الْيَمِينِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يُوجِبُ أَيْضًا عَلَيْهِ حُكْمًا مَا وَهُوَ الْأَدَبُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَتَى مُنْكَرًا قَدَرْنَا عَلَى تَغْيِيرِهِ بِالْيَدِ - وَهُوَ بِامْتِنَاعِهِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ قَدْ أَتَى مُنْكَرًا فَوَجَبَ تَغْيِيرُهُ بِالْيَدِ فَبَطَلَ تَمْوِيهُهُمْ بِالْآيَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا .
وَقَالَ أَيْضًا : إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ لِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمًا مُوجِبًا لِلْمُدَّعِي حَقًّا ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ رَدُّ الْيَمِينِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ السِّجْنُ وَالْأَدَبُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ إنْفَاذُ الْحُكْمِ عَلَى النَّاكِلِ ، فَبَطَلَ رَدُّ الْيَمِينِ ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُدَّعِي فِي سِجْنِ الْمَطْلُوبِ النَّاكِلِ وَتَأْدِيبِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا إلْزَامُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِنُكُولِهِ .
فَقُلْنَا : هَذَا الْقَوْلُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، إذْ زِدْتُمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إلَّا أَنْ يُوجِبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطْ ، وَلَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ 447 فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالْحُكْمِ ، إلَّا الْغَرَامَةُ إنْ أَقَرَّ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ بِيَقِينِ الْحَاكِمِ ، أَوْ الْيَمِينُ إنْ أَنْكَرَ فَقَطْ ، فَلَمَّا لَمْ يُقِرَّ ، وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَلَا تَيَقَّنَ الْحَاكِمُ صِدْقَ الْمُدَّعِي : سَقَطَتْ الْغَرَامَةُ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَهُوَ حَقُّهُ قِبَلَ الْمَطْلُوبِ ، فَوَجَبَ أَخْذُهُ بِهِ وَلَا بُدَّ ، لَا بِمَا سِوَاهُ مِمَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ - سَوَاءٌ كَانَ لِلطَّالِبِ فِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ - لِأَنَّ مُرَاعَاةَ فَائِدَتِهِ دَعْوَى كَاذِبَةٌ دُونَ مُرَاعَاةِ فَائِدَةِ الْمَطْلُوبِ .
وَقَالَ : إنَّ قَطْعَ الْخُصُومَةِ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَوْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَانْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ ، فَإِذْ نَكَلَ فَقَدْ لَزِمَهُ قَطْعُ الْخُصُومَةِ ، وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ بِسَجْنِهِ وَلَا بِأَدَبِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَطْعُهَا بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِمَا يَدَّعِيهِ الطَّالِبُ ، وَكَانَ فِي سَجْنِهِ قَطْعٌ لَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، فَتَقِفُ الْخُصُومَةُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ .
فَقُلْنَا : هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ وَخِلَافُ قَوْلِكُمْ - : أَمَّا خِلَافُ قَوْلِكُمْ : لَوْ حَلَفَ لَانْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ ، فَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ ، بَلْ مَتَى أَقَامَ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ عَادَتْ الْخُصُومَةُ - وَسَائِرُ قَوْلِكُمْ بَاطِلٌ .
وَمَا عَلَيْهِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ أَصْلًا إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا - : إمَّا بِالْإِقْرَارِ ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي صَادِقًا .
وَإِمَّا بِالْيَمِينِ ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا ، وَعَلَى الْحَاكِمِ قَطْعُ الْخُصُومَةِ بِالْقَضَاءِ بِمَا تُوجِبُهُ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَقَطْ - وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ .
وَإِمَّا غَرَامَةً - بِأَنْ لَا يُوجِبَهَا قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ ، فَهِيَ بَاطِلٌ بِيَقِينٍ .
ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ : أَنَّكُمْ بَعْدَ قَضَائِكُمْ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ تَسْجُنُونَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ ، قَدْ عُدْتُمْ إلَى السِّجْنِ الَّذِي أَنْكَرْتُمْ .
وَهَذَا تَلَوُّثٌ وَسَخَافَةٌ نَاهِيكَ بِهَا .
وَقَالَ : هُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، فَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِيَ خِلَافُ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَمَا الَّذِي جَعَلَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضٍ مِنْهُمْ . 448
فَكَيْفَ وَقَدْ خَالَفُوا عُثْمَانَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ الْبَيْعَ بِالْبَرَاءَةِ إلَّا فِي عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ الْبَائِعُ - وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِكُمْ .
وَمِنْ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ عُثْمَانَ بَعْضُهُ حُجَّةٌ وَبَعْضُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، هَذَا عَلَى أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ سَالِمِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ فِيهِ ، عَنْ أَبِيهِ : فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ وَارْتَجَعَ الْعَبْدَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَرْتَجِعَ الْعَبْدَ ، فَرَدَّهُ إلَيْهِ عُثْمَانُ بِرِضَاهُ - .
فَبَطَلَ بِهَذَا أَنْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَأَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُعْرَفَ أَوْ يُدْرَى مَخْرَجُهَا .
وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ : أَنَّهُ رَأَى الْحُكْمَ بِالنُّكُولِ جَائِزًا ، وَإِنَّمَا فِيهِ : أَنَّهُ حُكْمُ عُثْمَانُ ، وَأَنْتُمْ مُخَالِفُونَ لِعُثْمَانَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ .
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا مُتَعَلَّقَ لَكُمْ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَلْزَمَ الْغَرَامَةَ بِالنُّكُولِ ، إنَّمَا فِيهِ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا فَأَبَتْ ، فَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ - وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الْيَمِينِ ، إذْ لَيْسَ لِلْغَرَامَةِ فِي الْخَبَرِ ذِكْرٌ أَصْلًا ، فَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِنَا ، لَا لِقَوْلِكُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ رَوَى عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَسَدِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، فَذَكَرَ فِيهِ : فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَضَمِّنْهَا .
قِيلَ لَهُ : إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَسَدِيُّ مَجْهُولٌ - لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَنْ هُوَ - وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيُّ - مَتْرُوكٌ مُطَرَّحٌ .
فَبَطَلَ أَنْ يَصِحَّ فِي هَذَا شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا .
فَبَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنْ يُقْضَى بِالْغَرَامَةِ عَلَى النَّاكِلِ لِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ - .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الطَّالِبِ - : فَكَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : اسْتَسْلَفَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَضَاهُ أَتَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، فَقَالَ عُثْمَانُ : إنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ فَقَالَ الْمِقْدَادُ : مَا كَانَتْ إلَّا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، فَارْتَفَعَا إلَى عُمَرَ ، 449 فَقَالَ الْمِقْدَادُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَحْلِفْ أَنَّهَا كَمَا يَقُولُ ، وَيَأْخُذْهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْصَفَك ، احْلِفْ أَنَّهَا كَمَا تَقُولُ وَخُذْهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ نا حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ قَدْ خَالَطَهُ ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَضَى بِالْيَمِينِ فَرَدَّهَا عَلَى الطَّالِبِ فَلَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْ الْآخَرَ .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ نا عَبْدُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إذَا قَضَى بِالْيَمِينِ فَرَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ، وَقَالَ : لَا أُعْطِيك مَا لَا تَحْلِفُ عَلَيْهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ : أَنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَقْضِ لِلطَّالِبِ إنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ إلَّا حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ .
وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ نا هُشَيْمٌ أَنَا الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ - وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَرَى ذَلِكَ .
وَقَالَ هُشَيْمٌ نا عُبَيْدَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ الْيَمِينَ وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَسَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّينَ الْقَاضِيَيْنِ - هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ - وَأَحَدُ قَوْلَيْ إِسْحَاقَ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَوْلَانِ - : أَحَدُهُمَا : رَدُّ الْيَمِينِ جُمْلَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا رُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ - وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَلْزَمَ الْمَطْلُوبَ الْيَمِينُ أَبَدًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ الْحُكْمُ بِالنُّكُولِ . 450 وَقَالَ مَالِكٌ : تُرَدُّ الْيَمِينُ فِي الْأَمْوَالِ - وَلَا يَرَى رَدَّهَا فِي النِّكَاحِ ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا فِي الْعِتْقِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث