المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الحادي عشر
الصفحة 2204 · ص. المطبوع 206
2114 - مَسْأَلَةٌ : مِنْ جِنَايَةِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ ، وَنِفَارِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِنْ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ؟ قَالَ عَلِيٌّ : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسْرِي بِأُمِّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ يَرْكُضُ فَنَفَرَ الْحِمَارُ مِنْ وَقْعِ حَافِرِ الْفَرَسِ فَوَثَبَ فَوَقَعَتْ الْمَرْأَةُ فَمَاتَتْ ؟ فَاسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ضَرَبَ الْحِمَارُ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ : أَصَابَ الْحِمَارَ مِنْ الْفَرَس شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أُمُّك أَتَتْ عَلَى أَجَلِهَا فَاحْتَسِبْهَا .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الزِّنَادِ عَنْ عَقْلِ الْكَلْبِ ، أَوْ الْفَهْدِ ، أَوْ السَّبْعِ الدَّاجِنِ ، أَوْ الْكَبْشِ النَّطَّاحِ ، أَوْ نَطْحِ الثَّوْرِ ، أَوْ الْبَعِيرِ ، أَوْ الْفَرَسِ الَّذِي يَعَضُّ ، فَيَعْقُرُ مِسْكِينًا ، أَوْ زَامِرًا ، أَوْ عَابِدًا ؟ فَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : إنْ قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الدَّوَابِّ ، أَوْ أَصَابَ كَسْرَ يَدٍ ، أَوْ رِجْلٍ ، أَوْ فَقَأَ عَيْنًا ، أَوْ أَيَّ أَمْرٍ جَرَحَ مِنْ ذَلِكَ بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَهُوَ 206 هَدْرٌ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ { ۝ الْعَجْمَاءَ جُرْحُهَا جُبَارٌ } إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَعْدَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِإِيثَاقِ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرَمَ مَا حَرَجَ بِالنَّاسِ - فَأَمَّا مَا أُصِيبَ بِهِ الدَّابَّةُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، فَلَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ يَتَقَدَّمُ إلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ أَصَابَهَا غُرْمُ مَا أَصَابَهَا بِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : فِيمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا فِي دَارِ الْبَادِيَةِ فَعَقَرَ ذَلِكَ الْكَلْبُ إنْسَانًا : إنَّهُ إنْ اقْتَنَاهُ - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ يَفْتَرِسُ النَّاسَ فَعَقَرَهُمْ - فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا فَرَسَ الْكَلْبُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عُمَرَ - فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ - مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ فَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ - وَبِهِ نَأْخُذُ ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَا أَمَرَ : فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَالدَّابَّةُ إذَا نَفَرَتْ فَلَيْسَ لِلَّذِي نَفَرَتْ مِنْهُ ذَنْبٌ ؟ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَفَّرَهَا عَامِدًا : فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ فِيمَا قَتَلَتْ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ تَطَأَ الَّذِي أَصَابَتْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ ذَلِكَ فَهُوَ قَاتِلٌ خَطَأً ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، وَيَضْمَنُ الْمَالَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ ، إذَا تَعَمَّدَ تَنْفِيرَهَا ، لِأَنَّهُ الْمُحَرِّكُ لَهَا .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ - فَصَحِيحٌ كُلُّهُ ، لِأَنَّ جُرْحَ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ إشْلَاءَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ { ۝ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ } فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَتَقَدُّمُ السُّلْطَانِ لَا يُوجِبُ غَرَامَةً لَمْ يُوجِبْهَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا السُّلْطَانُ مُنَفِّذٌ لِلْوَاجِبِ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ فَقَطْ ، وَلَيْسَ شَارِعًا شَرِيعَةً .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَخَطَأٌ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عِلْمُ الْمُقْتَنِي لِلْكَلْبِ بِأَنَّهُ يَفْتَرِسُ النَّاسَ بِمُوجِبٍ عَلَيْهِ غَرَامَةً لَمْ يُوجِبْهَا الْقُرْآنُ وَلَا السُّنَّةُ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِاقْتِنَائِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ شَيْئًا فِي الَّذِي أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ .
وَهَكَذَا مَنْ آوَى رَجُلًا قَتَّالًا مُحَارِبًا فَجَنَى جِنَايَةً ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِإِيوَائِهِ إيَّاهُ فَلَيْسَ مُبَاشِرًا عُدْوَانًا فِي الْمُصَابِ .
وَكُلُّ هَذَا بَابٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ قِيَاسًا ، وَلَكِنَّ خُصُومَنَا يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ وَيُخَالِفُونَهُ فِي 207 ذَلِكَ الْعَمَلِ نَفْسِهِ ، فَإِذَا جَمَعْنَا لَهُمْ الْقَوْلَيْنِ لَاحَ لَهُمْ تَنَاقُضُهُمْ فِيهَا - فَعَلَى هَذَا نُورِدُ مِثْلَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا عَلَى أَنَّهَا حُجَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ { ۝ جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ } . وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ سَوَّارٍ : أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى حِمَارٍ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ عَلَى بَعِيرٍ فِي زُقَاقٍ فَنَفَرَ الْحِمَارُ فَصُرِعَ الرَّجُلُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ ؟ فَلَمْ يُضَمِّنْ كَعْبُ بْنُ سَوَّارٍ صَاحِبَ الْبَعِيرِ شَيْئًا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا كَمَا قُلْنَا - وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَارِقٍ قَالَ : كُنْت عِنْدَ شُرَيْحٍ فَأَتَاهُ سَائِلٌ فَقَالَ : إنِّي دَخَلْت دَارَ قَوْمٍ فَعَقَرَنِي كَلْبُهُمْ وَخَرَقَ جِرَابِي ؟ فَقَالَ : إنْ كُنْت دَخَلْت بِإِذْنِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ ، وَإِنْ كُنْت دَخَلْت بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ .
وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : إذَا كَانَ الْكَلْبُ فِي الدَّارِ فَأَذِنَ أَهْلُ الدَّارِ لِلرَّجُلِ فَعَقَرَهُ الْكَلْبُ ضَمِنُوا ، وَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَعَقَرَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ - وَأَيُّمَا قَوْمٍ غَشَوْا غَنَمًا فِي مَرَابِضِهَا فَعَقَرَتْهُمْ الْكِلَابُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَصْحَابِ الْغَنَمِ ، وَإِنْ عَرَضَتْ لَهُمْ الْكِلَابُ فِي الطَّرِيقِ فَعَقَرَتْهُمْ الْكِلَابُ فِي الطَّرِيقِ ضَمِنُوا .
وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ - فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَأَبَا سُلَيْمَانَ ، قَالُوا : مَنْ كَانَ فِي دَارِهِ كَلْبٌ فَدَخَلَ إنْسَانٌ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَتَلَهُ الْكَلْبُ فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ - وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ .
وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ نَحْوَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ : أَنَّهُ قَالَ : إنْ اتَّخَذَ الْكَلْبَ وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ يَعْقِرُ النَّاسَ ضَمِنَ - وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ - إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ السُّلْطَانِ ، أَوْ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ عَقُورٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ هَذَا نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ بِاِتِّخَاذِهِ الْكَلْبَ الْعَقُورَ مُتَعَدٍّ - وَكَذَلِكَ هُوَ بِاِتِّخَاذِهِ حَيْثُ لَمْ يُبَحْ لَهُ اتِّخَاذُهُ مُتَعَدٍّ أَيْضًا ؟ 208 قُلْنَا : هُوَ مُتَعَدٍّ فِي اتِّخَاذِهِ - فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ - ظَالِمٌ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُتَعَدِّيًا فِي إتْلَافِ مَا أَتْلَفَ الْكَلْبُ ، وَلَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ عَلَى ظَالِمٍ غَرَامَةً مُطْلَقَةً .
وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ التَّعَدِّيَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ ، أَوْ لِلْقَوَدِ ، أَوْ لِلدِّيَةِ ، هُوَ مَا سُمِّيَ بِهِ الْمَرْءُ " قَاتِلًا ، أَوْ مُفْسِدًا " وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ ، أَوْ بِالْأَمْرِ ، وَهِيَ فِي اتِّخَاذِهِ الْكَلْبَ ، كَمَنْ عَمِلَ سَيْفًا وَأَعْطَاهُ لِظَالِمٍ ، أَوْ اقْتَنَى خَمْرًا فِي خَابِيَةٍ فَجَلَسَ إنْسَانٌ إلَيْهَا فَانْكَسَرَتْ فَقَتَلَتْ الْإِنْسَانَ ؟ فَكُلُّ هَذَا لَيْسَ يُسَمِّي هَذَا الظَّالِمَ " قَاتِلًا ، وَلَا مُتْلِفًا " فَلَا ضَمَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ فَقَتَلَ رَجُلًا ، قَالَ : يَضْمَنُ ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي رَمَى بِسَهْمِهِ طَائِرًا فَأَصَابَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : إذَا جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُحَرِّكُ لَهُ ، الْمُغَالِبُ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا جَنَى بِتَحْرِيكِهِ إيَّاهُ ، فِي الْقَصْدِ الْقَوَدُ وَفِيمَا لَمْ يَقْصِدْهُ ضَمَانُ الْخَطَأ - وَأَمَّا إذَا غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ فَلَمْ يَحْمِلْهَا عَلَى شَيْءٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا فِي كُلِّ مَا أَصَابَتْ .
وَلَوْ أَنَّ امْرَأً اتَّبَعَ حَيَوَانًا لِيَأْخُذَهُ ؟ فَكُلُّ مَا أَفْسَدَ الْحَيَوَانُ فِي هُرُوبِهِ ذَلِكَ ، مِمَّا هُوَ حَامِلُهُ عَلَيْهِ ، مِمَّا يُوقَنُ أَنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ إنَّمَا يَرَاهُ وَيَهْرُبُ عَنْهُ : فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ مَا عَمَدَ وَقَصَدَ بِالْقَوَدِ ، وَمَا لَمْ يَقْصِدْ : فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ - وَأَمَّا مَا أَتْلَفَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ فِي جَرْيِهِ - وَهُوَ لَا يَرَاهُ - فَلَا ضَمَانَ عَلَى مُتَّبِعِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث