المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
2243 - مَسْأَلَةٌ : عَفْوُ الْمَقْذُوفِ عَنْ الْقَاذِفِ 254 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِلْإِمَامِ : افْتَرَى عَلَيَّ فُلَانٌ ، أَوْ رَمَى أُمِّيَ ؟ فَيَقُولُ الْإِمَامُ : أَفَعَلْتَ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، قَدْ فَعَلْتُ ، فَيَقُولُ الْآخَرُ : قَدْ أَعْفَيْتُهُ ؟ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتَرَى عَلَيْهِ : أَنْتَ أَبْصَرُ - وَلَا يَكْشِفُهُ لَعَلَّهُ يَكْشِفُ غِطَاءً لَا يَحِلُّ كَشْفُهُ ، فَإِنْ عَادَ يَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْحَدَّ كَانَ ذَلِكَ لَهُ .
وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ ني مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ زُرَيْقَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ . قَالَ : افْتَرَى رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ مِصْبَاحٌ - عَلَى ابْنِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا زَانِي ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَيَّ فَأَمَرْت بِجَلْدِهِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتُهُ لَأُقِرَّنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا ؟ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لِي أَشْكَلَ عَلَيَّ ؟ فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ : أَنْ أَجِزْ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ ؟ قَالَ زُرَيْقٌ : فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلَيْهِ أَبَوَاهُ ، أَيَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُمَا ؟ فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ : خُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَنِي زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ فِي رَجُلٍ قَذَفَ ابْنَهُ : أَنْ اجْلِدْهُ ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ ابْنُهُ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ زُرَيْقٍ : فَظَنَنْت أَنَّهَا لِلْأَبِ خَاصَّةً ، فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ أُرَاجِعُهُ : لِلنَّاسِ عَامَّةً أَمْ لِلْأَبِ خَاصَّةً ؟ فَكَتَبَ إلَيَّ : بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا عَفْوَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ ، كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا عَفْوَ فِي الْحُدُودِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الْإِمَامَ ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا مِنْ السُّنَّةِ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ السُّلْطَانَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٌ - يَعْنِي الْفِرْيَةَ - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُنَا . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ . 255 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَمْرِ إلَى الْإِمَامِ ، وَبَعْدَ بُلُوغِهِ إلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَذَفَ آخَرَ فَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ فَأَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَاذِفِ ؟ قَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ مَا رُمِيَ بِهِ ، فَيَجُوزُ عَفْوُهُ حِينَئِذٍ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُؤَخِّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ لَهُ أَوْ لِأَبَوَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَيَأْخُذُهُ بِهِ مَتَى أَحَبَّ ، قَالَ : فَإِنْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا هَذَا الِاخْتِلَافَ مَرْجِعَهُ إلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالْحَدِّ فِي الزِّنَا ، وَالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ ، وَالْحَدِّ فِي السَّرِقَةِ ، وَالْحَدِّ فِي الْمُحَارَبَةِ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ ، كَالْقِصَاصِ فِي الْأَعْضَاءِ ، وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ .
فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ عَفْوٌ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ سَرَقَ مَالَ إنْسَانٍ ، أَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ ، أَوْ بِامْرَأَةٍ أَكْرَهَهَا ، وَسَرَقَ مَالًا مِنْ مَالِهَا ، وَافْتَرَى عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الزِّنَا بِأَمَتِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا بِذَلِكَ ، وَلَا لَهُمَا أَنْ يَعْفُوَا عَمَّنْ سَرَقَ مَالَهُمَا ، أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ السَّرِقَةِ بِذَلِكَ ، وَحَدُّ الْمُحَارَبَةِ .
وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا : مُتَحَكِّمٌ فِي الدِّينِ بِلَا دَلِيلٍ . وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ : فَعَفْوُ النَّاسِ عَنْ حُقُوقِهِمْ جَائِزٌ : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ التَّنَاقُضِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى - فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ إسْقَاطَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى . 256 وَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَالْعَفْوُ جَائِزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي حَقِّهِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ - وَيُقَالُ لِمَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ الظَّاهِرَ الْخَطَأَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ الزَّانِي بِأَمَتِهِ - وَهُوَ يُرِيدُ تَسَتُّرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الْوَاطِئُ لَهَا بَيِّنَةً بِأَنَّهَا لَهُ غَصَبَهَا مِنْهُ الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ الْآنَ ؟ وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ سَارِقِ مَتَاعِهِ وَهُوَ يُرِيدُ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ بَيِّنَةَ عَدْلٍ أَنَّ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ سَرَقَهُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ هَذَا الَّذِي سَرَقَهُ آخَرُ ، فَهَلْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَرْقٌ هَذَا مَا لَا يُعْرَفُ أَصْلًا ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً ، لِتَنَاقُضِهِ ، وَلِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : فَوَجَدْنَاهُ قَدْ تَنَاقَضَ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُجِزْ الْعَفْوَ عَنْهُ أَصْلًا ، فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ - ثُمَّ تَنَاقَضَ مُنَاقَضَةً ظَاهِرَةً فَقَالَ : لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَقْذُوفُ ، فَجَعَلَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ ، وَأَسْقَطَهُ بِأَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ ظَاهِرٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - وَقَدْ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ { عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَرَ بِالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلَيْنِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَمْ يُشَاوِرْ عَائِشَةَ أُمَّنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنْ تَعْفُوَ أَمْ لَا ؟ فَلَوْ كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ حَقٌّ لَمَا عَطَّلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَرْحَمُ النَّاسِ ، وَأَكْثَرُهُمْ حَضًّا عَلَى الْعَفْوِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ - فَصَحَّ أَنَّ الْحَدَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا مَدْخَلَ لِلْمَقْذُوفِ فِيهِ أَصْلًا وَلَا عَفْوَ لَهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقَذْفِ حَدًّا ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ ، وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ لِإِنْسَانٍ حُكْمًا فِي إسْقَاطِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - فَصَحَّ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْعَفْوِ فِيهِ . وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ لَكَانَ الْعَفْوُ الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ لَا 257 يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إلَّا مِنْ الْمَقْذُوفِ فِيمَا قُذِفَ بِهِ ، لَا فِيمَا قُذِفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَبِيهِ ، وَأُمِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَفْوُ أَحَدٍ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ - وَهُمْ يُجِيزُونَ عَفْوَ الْمَرْءِ عَنْ قَاذِفِ أَبِيهِ الْمَيِّتِ ، وَأُمِّهِ الْمَيِّتَةِ - وَهَذَا فَاسِدٌ ، وَتَنَاقُضٌ مِنْ الْقَوْلِ ، وَالْقَوْمُ أَهْلُ قِيَاسٍ . قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ سَارِقِهِ ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ عَلَيْهِ لِلْمُحَارِبِ لَهُ ، وَلَا لِلْمَزْنِيِّ بِامْرَأَتِهِ ، وَأَمَتِهِ ، عَنْ الزَّانِي بِهِمَا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَذْفِ وَحَدِّ السَّرِقَةِ ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ .
وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ ، وَنَافِعًا ، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ، إذْ رَآهُمْ قَذَفَةً - وَلَمْ يُشَاوِرْ فِي ذَلِكَ الْمُغِيرَةَ - وَلَا رَأَى لَهُ حَقًّا فِي عَفْوٍ أَوْ غَيْرِهِ . فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَبِهِ - إلَى ابْنِ وَهْبٍ ني مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّ زُرَيْقَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُ . قَالَ : افْتَرَى رَجُلٌ - يُقَالُ لَهُ مِصْبَاحٌ - عَلَى ابْنِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا زَانِي ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَيَّ فَأَمَرْت بِجَلْدِهِ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَئِنْ جَلَدْتُهُ لَأُقِرَّنَّ عَلَى نَفْسِي بِالزِّنَا ؟ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لِي أَشْكَلَ عَلَيَّ ؟ فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ : أَنْ أَجِزْ عَفْوَهُ فِي نَفْسِهِ ؟ قَالَ زُرَيْقٌ : فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الرَّجُلِ يَفْتَرِي عَلَيْهِ أَبَوَاهُ ، أَيَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُمَا ؟ فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيَّ : خُذْ لَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ نا الدَّبَرِيُّ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَخْبَرَنِي زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ فِي رَجُلٍ قَذَفَ ابْنَهُ : أَنْ اجْلِدْهُ ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ ابْنُهُ عَنْهُ . قَالَ ابْنُ زُرَيْقٍ : فَظَنَنْت أَنَّهَا لِلْأَبِ خَاصَّةً ، فَكَتَبْت إلَى عُمَرَ أُرَاجِعُهُ : لِلنَّاسِ عَامَّةً أَمْ لِلْأَبِ خَاصَّةً ؟ فَكَتَبَ إلَيَّ : بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا عَفْوَ فِي ذَلِكَ لِأَحَدٍ ، كَمَا رُوِّينَا بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : لَا عَفْوَ فِي الْحُدُودِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الْإِمَامَ ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا مِنْ السُّنَّةِ .
وَبِهِ - إلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ السُّلْطَانَ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَعْمَرٌ - يَعْنِي الْفِرْيَةَ - وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - وَبِهِ يَقُولُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُنَا . وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْ الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ . 255 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَمْرِ إلَى الْإِمَامِ ، وَبَعْدَ بُلُوغِهِ إلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَذَفَ آخَرَ فَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ فَأَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَاذِفِ ؟ قَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ مَا رُمِيَ بِهِ ، فَيَجُوزُ عَفْوُهُ حِينَئِذٍ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ أَرَادَ الْمَقْذُوفُ أَنْ يُؤَخِّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ لَهُ أَوْ لِأَبَوَيْهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ، وَيَأْخُذُهُ بِهِ مَتَى أَحَبَّ ، قَالَ : فَإِنْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا هَذَا الِاخْتِلَافَ مَرْجِعَهُ إلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا : إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالْحَدِّ فِي الزِّنَا ، وَالْحَدِّ فِي الْخَمْرِ ، وَالْحَدِّ فِي السَّرِقَةِ ، وَالْحَدِّ فِي الْمُحَارَبَةِ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ ، كَالْقِصَاصِ فِي الْأَعْضَاءِ ، وَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ .
فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ عَفْوٌ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ سَرَقَ مَالَ إنْسَانٍ ، أَوْ زَنَى بِأَمَتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ ، أَوْ بِامْرَأَةٍ أَكْرَهَهَا ، وَسَرَقَ مَالًا مِنْ مَالِهَا ، وَافْتَرَى عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الزِّنَا بِأَمَتِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا بِذَلِكَ ، وَلَا لَهُمَا أَنْ يَعْفُوَا عَمَّنْ سَرَقَ مَالَهُمَا ، أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ السَّرِقَةِ بِذَلِكَ ، وَحَدُّ الْمُحَارَبَةِ .
وَالْمُفَرِّقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا : مُتَحَكِّمٌ فِي الدِّينِ بِلَا دَلِيلٍ . وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ فِي الْقَذْفِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ : فَعَفْوُ النَّاسِ عَنْ حُقُوقِهِمْ جَائِزٌ : فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، فَوَجَدْنَاهُ ظَاهِرَ التَّنَاقُضِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ حَدُّ الْقَذْفِ عِنْدَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى - فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ إسْقَاطَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى . 256 وَإِنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَالْعَفْوُ جَائِزٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي حَقِّهِ - أَرَادَ سَتْرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ - وَيُقَالُ لِمَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ الظَّاهِرَ الْخَطَأَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ الزَّانِي بِأَمَتِهِ - وَهُوَ يُرِيدُ تَسَتُّرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الْوَاطِئُ لَهَا بَيِّنَةً بِأَنَّهَا لَهُ غَصَبَهَا مِنْهُ الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ الْآنَ ؟ وَبَيْنَ مَنْ عَفَا عَنْ سَارِقِ مَتَاعِهِ وَهُوَ يُرِيدُ سَتْرًا عَلَى نَفْسِهِ خَوْفَ أَنْ يُقِيمَ الَّذِي سَرَقَهُ مِنْهُ بَيِّنَةَ عَدْلٍ أَنَّ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ سَرَقَهُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ هَذَا الَّذِي سَرَقَهُ آخَرُ ، فَهَلْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فَرْقٌ هَذَا مَا لَا يُعْرَفُ أَصْلًا ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ جُمْلَةً ، لِتَنَاقُضِهِ ، وَلِتَعَرِّيهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : فَوَجَدْنَاهُ قَدْ تَنَاقَضَ ; لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُجِزْ الْعَفْوَ عَنْهُ أَصْلًا ، فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ - ثُمَّ تَنَاقَضَ مُنَاقَضَةً ظَاهِرَةً فَقَالَ : لَا حَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَقْذُوفُ ، فَجَعَلَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ ، وَأَسْقَطَهُ بِأَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ ظَاهِرٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - وَقَدْ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ { عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَرَ بِالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلَيْنِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَمْ يُشَاوِرْ عَائِشَةَ أُمَّنَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنْ تَعْفُوَ أَمْ لَا ؟ فَلَوْ كَانَ لَهَا فِي ذَلِكَ حَقٌّ لَمَا عَطَّلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَرْحَمُ النَّاسِ ، وَأَكْثَرُهُمْ حَضًّا عَلَى الْعَفْوِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ - فَصَحَّ أَنَّ الْحَدَّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا مَدْخَلَ لِلْمَقْذُوفِ فِيهِ أَصْلًا وَلَا عَفْوَ لَهُ عَنْهُ .
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَسْمِيَةِ الْجَلْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقَذْفِ حَدًّا ، وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ ، وَلَا إجْمَاعٌ بِأَنَّ لِإِنْسَانٍ حُكْمًا فِي إسْقَاطِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى - فَصَحَّ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْعَفْوِ فِيهِ . وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ لَكَانَ الْعَفْوُ الْمَذْكُورُ فِي ذَلِكَ لَا 257 يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ إلَّا مِنْ الْمَقْذُوفِ فِيمَا قُذِفَ بِهِ ، لَا فِيمَا قُذِفَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ أَبِيهِ ، وَأُمِّهِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَفْوُ أَحَدٍ عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ - وَهُمْ يُجِيزُونَ عَفْوَ الْمَرْءِ عَنْ قَاذِفِ أَبِيهِ الْمَيِّتِ ، وَأُمِّهِ الْمَيِّتَةِ - وَهَذَا فَاسِدٌ ، وَتَنَاقُضٌ مِنْ الْقَوْلِ ، وَالْقَوْمُ أَهْلُ قِيَاسٍ . قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عَفْوَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ سَارِقِهِ ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ عَلَيْهِ لِلْمُحَارِبِ لَهُ ، وَلَا لِلْمَزْنِيِّ بِامْرَأَتِهِ ، وَأَمَتِهِ ، عَنْ الزَّانِي بِهِمَا فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَذْفِ وَحَدِّ السَّرِقَةِ ، وَلَا لِلْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقَاطِعِ .
وَأَمَّا مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ ، وَنَافِعًا ، وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ ، إذْ رَآهُمْ قَذَفَةً - وَلَمْ يُشَاوِرْ فِي ذَلِكَ الْمُغِيرَةَ - وَلَا رَأَى لَهُ حَقًّا فِي عَفْوٍ أَوْ غَيْرِهِ . فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ رَأَى الْعَفْوَ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث