المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2406 · ص. المطبوع 432
2312 - مَسْأَلَةٌ : مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوْ اللَّهَ تَعَالَى ، أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ مَلَكًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، أَوْ إنْسَانًا مِنْ الصَّالِحِينَ ، هَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُرْتَدًّا - إنْ كَانَ مُسْلِمًا - أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ - إنْ كَانَ ذِمِّيًّا - أَمْ لَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، مِمَّنْ يَقُولُ : إنَّهُ مُسْلِمٌ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَيْسَ ذَلِكَ كُفْرًا .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ كُفْرٌ ، وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ : فَأَمَّا التَّوَقُّفُ فَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا - فَإِنَّنَا رُوِّينَا بِإِسْنَادٍ غَابَ عَنَّا مَكَانُهُ مِنْ رِوَايَتِنَا ، إلَّا 432 أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : لَا أُوتَى بِرَجُلٍ قَذَفَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالزِّنَا إلَّا جَلَدْته حَدَّيْنِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ كُفْرٌ فَأَبَاحَ دَمَهُ بِذَلِكَ - فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبِيعٍ قَالَ : نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ نا أَبُو بَكْرٍ نا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ : تَغَيَّظَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ ، فَقُلْت : مَنْ هُوَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِمَ ؟ قُلْت لَهُ : لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ ، إنْ أَمَرَتْنِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ : أَوَ كُنْت فَاعِلًا ، قَالَ : قُلْت : نَعَمْ ، قَالَ : فَذَكَرْت كَلِمَةً مَعْنَاهَا لَأَذْهَبَ عِظَمُ كَلِمَتِي الَّتِي قُلْت غَضَبَهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا حُمَامٌ نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ التِّرْمِذِيُّ نا الْحُمَيْدِيُّ نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ نا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ، قَالَ : مَرَرْت عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقُلْت : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ مَنْ هَذَا الَّذِي تَغِيظُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : وَلِمَ تَسْأَلْ عَنْهُ ؟ قُلْت لِأَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ : فَوَاَللَّهِ لَأَذْهَبَ غَضَبَهُ مَا قُلْت ، ثُمَّ قَالَ : مَا كَانَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ نا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْت أَبَا نَصْرٍ - هُوَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ - يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ، قَالَ : أَتَيْت عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقَدْ أَغْلَظَ لِرَجُلٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ ، فَقُلْت : أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ : إنَّهَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ نا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ أَنَا أَبُو دَاوُد نا عَفَّانُ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ جِدًّا ، فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ قُلْت : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَلَمَّا ذَكَرْت الْقَتْلَ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَجْمَعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّحْوِ ، قَالَ : فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا أَرْسَلَ إلَيَّ فَقَالَ : يَا أَبَا بَرْزَةَ مَا قُلْت ؟ قَالَ : وَنَسِيت الَّذِي قُلْت ؟ فَقُلْت لَهُ : ذَكِّرْنِيهِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا تَذْكُرُ مَا قُلْت ؟ قُلْت : لَا ، وَاَللَّهِ ، قَالَ : رَأَيْت حِينَ رَأَيْتنِي 433 غَضِبْت عَلَى الرَّجُلِ ، فَقُلْت : أَضْرِبُ عُنُقَهُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَمَا تَذْكُرُ ذَلِكَ ، أَوَ كُنْت فَاعِلًا ذَلِكَ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَاَللَّهِ وَلَئِنْ أَمَرْتنِي فَعَلْت ، قَالَ : وَاَللَّهِ مَا هِيَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَإِنْ قِيلَ - هَذَا خَبَرٌ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ - مَرَّةً عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، وَمَرَّةً عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ؟ قُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا ؟ كُلُّهُمْ ثِقَةٌ ، سَمِعَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَحَدَّثَ بِهِ كَذَلِكَ ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ مِنْ الْجَلَالَةِ وَالثِّقَةِ بِحَيْثُ لَا يَغْمِزُهُ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا جَاهِلٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يُطَاعَ فِي سَفْكِ دَمٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْنَا نَعَمْ ، وَأَرَادَ أَيْضًا مَعْنًى آخَرَ ، كَمَا رُوِّينَا مُبَيَّنًا بِلَا إشْكَالٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نُبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ ثَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ : سَمِعْت أَبَا السَّوَّارِ الْقَاضِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُدَامَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ : أَغْلَظَ رَجُلٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، قُلْت : أَلَا أَقْتُلُهُ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ هَذَا إلَّا لِمَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَبَيَّنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَنْ شَتَمَهُ ، لَكِنْ يُقْتَلُ مَنْ شَتَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ إلَّا بِمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَلَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ، إلَّا فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، أَوْ زِنَا الْمُحْصَنِ ، أَوْ قَوَدٍ بِنَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ ، أَوْ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ ، أَوْ فِي الْمُدَافَعَةِ عَنْ الظُّلْمَةِ ، أَوْ فِي الْمُمَانَعَةِ مِنْ حَقٍّ ، أَوْ فِيمَنْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ شَرِبَهَا الرَّابِعَةَ فَقَطْ .
وَقَدْ عَلِمْنَا - أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّهُ لَمْ يَزْنِ ، وَلَا شَرِبَ خَمْرًا ، وَلَا قَصَدَ ظُلْمَ مُسْلِمٍ ، وَلَا قَطَعَ طَرِيقًا - فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ كَافِرٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا سَحْنُونٌ نا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ 434 أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنِّي وَجَدْت رَجُلًا بِالْكُوفَةِ يَسُبُّك ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، فَهَمَمْت بِقَتْلِهِ ، أَوْ قَطْعِ يَدَيْهِ ، أَوْ قَطْعِ لِسَانِهِ ، أَوْ جَلْدِهِ ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُرَاجِعَك فِيهِ - فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَلَامٌ عَلَيْك ، أَمَّا بَعْدُ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قَتَلْته لَقَتَلْتُك بِهِ ، وَلَوْ قَطَعْته لَقَطَعْتُك بِهِ ، وَلَوْ جَلَدْته لَأَقَدْته مِنْك ، فَإِذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا ، فَاخْرُجْ بِهِ إلَى الْكُنَاسَةِ فَسُبَّهُ كَاَلَّذِي سَبَّنِي ، أَوْ اُعْفُ عَنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسُبُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ إلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، إلَى أَنَّهُ بِذَلِكَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ كُلُّ طَائِفَةٍ لِقَوْلِهَا لِنَعْلَمَ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ فَنَتَّبِعَهُ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَأْيِيدِهِ . فَوَجَدْنَا مَنْ قَالَ : لَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا يَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ { ۝ آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَقَالَ رَجُلٌ : وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } .
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ نا أَبِي عَنْ الْأَعْمَشِ نا سُفْيَانُ قَالَ : { ۝ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَكُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ : أَمَّا الْقَائِلُ فِي قِسْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عَدْلٌ فِيهَا ، وَلَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَدْ قُلْنَا : إنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَإِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ 435 أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّينَ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ لَيْسَ كَافِرًا بِقَوْلِ ذَلِكَ ، فَإِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ الَّذِي بِهِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمُوهُ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ، وَمَعْنَى دُعَاءِ ذَلِكَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ : إنَّمَا هُوَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا فَيَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ ، وَيُبَيِّنَ أَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا بِهِ قَوْلُهُ " فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " فَصَحَّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْلَمُونَ بِنُبُوَّتِهِ . فَصَحَّ أَنَّ كِلَا الْخَبَرَيْنِ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ .
وَأَمَّا سَبُّ اللَّهِ تَعَالَى - فَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يُخَالِفُ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ ، إلَّا أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ ، وَالْأَشْعَرِيَّةَ - وَهُمَا طَائِفَتَانِ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا - يُصَرِّحُونَ بِأَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِعْلَانَ الْكُفْرِ ، لَيْسَ كُفْرًا ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَقِدُ الْكُفْرَ ، لَا أَنَّهُ كَافِرٌ بِيَقِينٍ بِسَبِّهِ اللَّهَ تَعَالَى - وَأَصْلُهُمْ فِي هَذَا أَصْلُ سُوءٍ خَارِجٌ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - وَهُوَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ - وَإِنْ أَعْلَنَ بِالْكُفْرِ - وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ بِغَيْرِ تَقِيَّةٍ وَلَا حِكَايَةٍ ، لَكِنْ مُخْتَارًا فِي ذَلِكَ الْإِسْلَامَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ ; لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَلِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ - لَا كَافِرٌ وَلَا مُؤْمِنٌ - فِي أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ أَنَّهُ وَحْيٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ قَوْمٌ مِنْ الرَّوَافِضِ ادَّعُوا أَنَّهُ نُقِصَ مِنْهُ ، وَحُرِّفَ ، فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ جُمْلَتَهُ - كَمَا ذَكَرْنَا .
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ فِيهِ التَّسْمِيَةَ بِالْكُفْرِ ، وَالْحُكْمُ بِالْكُفْرِ قَطْعًا عَلَى مَنْ نَطَقَ بِأَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث