المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني
page 282 · printed p. 25
284 - مَسْأَلَةٌ : وَأَمَّا إعَادَةُ مَنْ صَلَّى إذَا وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ - مَكْرُوهٌ تَرْكُهُ - فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى مُنْفَرِدًا ; لِعُذْرٍ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ، وَلْيُصَلِّهَا وَلَوْ مَرَّاتٍ كُلَّمَا وَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّيهَا ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : لَا يُصَلِّيهَا ثَانِيَةً أَصْلًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُصَلِّي ثَانِيَةً إلَّا الظُّهْرَ وَالْعَتَمَةَ فَقَطْ ، سَوَاءٌ كَانَ صَلَّاهُمَا فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا ، وَالْأُولَى هِيَ صَلَاتُهُ ; حَاشَا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ ; فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَجْزَأَتْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَضَ إلَى الْجَامِعِ ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ; فَحِينَ خُرُوجِهِ لِذَلِكَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ الَّتِي كَانَ صَلَّى فِي بَيْتِهِ ، وَكَانَتْ الَّتِي تُصَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فَرْضَهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِخُرُوجِهِ إلَى الْجَامِعِ ، لَكِنْ بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ تَبْطُلُ الَّتِي صَلَّى فِي 25 مَنْزِلِهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يُعِيدُ مَنْ صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ صَلَاةَ فَرْضٍ مَعَ الْجَمَاعَةِ إذَا وَجَدَهَا تُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ حَاشَا الْمَغْرِبَ فَلَا يُعِيدُهَا ، قَالَ : وَالْأَمْرُ فِي أَيِّ الصَّلَاتَيْنِ فَرْضُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ : فَإِنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْ فِي أُخْرَى .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا مَنْ مَنَعَ مِنْ الْإِعَادَةِ جُمْلَةً فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد : ثنا أَبُو كَامِلٍ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا حُسَيْنٌ هُوَ الْمُعَلِّمُ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَقُلْت : أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ قَدْ صَلَّيْت ، وَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { ۝ لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ } .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَبَرٌ صَحِيحٌ لَا يَحِلُّ خِلَافُهُ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَلَمْ نَقُلْ قَطُّ ، وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ هَذَا ; إنَّهُ يُصَلِّي عَلَى نِيَّةِ أَنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى ، فَيَجْعَلُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ظُهْرَيْنِ أَوْ عَصْرَيْنِ أَوْ صُبْحَيْنِ أَوْ مَغْرِبَيْنِ أَوْ عَتَمَتَيْنِ ; هَذَا كُفْرٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ ; لِأَحَدٍ لَكِنَّهُ يُصَلِّي نَافِلَةً كَمَا نَصَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِأَنَّ التَّطَوُّعَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَغَلَّبَهَا عَلَى أَحَادِيثِ الْأَمْرِ ; وَغَلَّبْنَا نَحْنُ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ ، وَسَنَذْكُرُ الْبُرْهَانَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْعَمَلَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بَعْدَ تَمَامِ كَلَامِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا فِي الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تُصَلِّي الْمَغْرِبَ خَاصَّةً بِأَنْ قَالُوا : إنَّ الْمَغْرِبَ وِتْرُ النَّهَارِ ، فَلَوْ صَلَّاهَا ثَانِيَةً لَشَفَعَهَا ، فَبَطَلَ كَوْنُهَا وِتْرًا .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ إحْدَاهُمَا نَافِلَةٌ وَالْأُخْرَى فَرِيضَةٌ ، بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ وَالنَّافِلَةُ لَا تَشْفَعُ الْفَرِيضَةَ ، بِإِجْمَاعٍ مِنَّا وَمِنْهُمْ .
وَقَالُوا : لَا تَطَوُّعَ بِثَلَاثٍ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّ الَّذِي وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِي إخْبَارِهِ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى ، هُوَ الَّذِي أَمَرَ مَنْ صَلَّى وَوَجَدَ جَمَاعَةً تُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ صَلَاةً بَعْدَ صَلَاةٍ ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُتَنَفَّلَ فِي الْوِتْرِ بِوَاحِدَةٍ أَوْ بِثَلَاثٍ ، وَالْعَجَبُ مِنْ 26 احْتِجَاجِهِمْ بِهَذَا الْخَبَرِ ، وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْوَقْتِ فَقَالُوا : يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعَتَمَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ ; فَأَجَازُوا لَهُ التَّطَوُّعَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهَا ; وَلَيْسَ ذَلِكَ مَثْنَى مَثْنَى ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْهُمْ .
وَالْحَقُّ فِي هَذَا هُوَ أَنَّ جَمِيعَ أَوَامِرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ لَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، بَلْ يُؤْخَذُ بِجَمِيعِهَا كَمَا هِيَ .
وَقَالُوا : إنَّ وَقْتَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ضَيِّقٌ ، وَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي وَجَدَهَا تُصَلِّي ، لَا شَكَّ فِي أَنَّهَا تُصَلِّي فِي وَقْتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ ، فَمَا ضَاقَ وَقْتُهَا بَعْدُ ، فَبَطَلَ كُلُّ مَا شَغَبُوا بِهِ فِي تَخْصِيصِ الْمَغْرِبِ هُمْ وَالْحَنَفِيُّونَ مَعًا ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْمَالِكِيِّينَ بِأَنْ يُصَلِّيَ مَنْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا فَخَطَأٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِتَخْصِيصِ ذَلِكَ قُرْآنٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا إجْمَاعٌ ، وَلَا قَوْلُ صَاحِبٍ ، وَلَا قِيَاسٌ ، وَلَا رَأْيٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَضْلًا لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَإِنَّهَا أَفْضَلُ لِمَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ ، وَلَا فَرْقَ ، وَفَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَائِمٌ فِي كُلِّ جَمَاعَةٍ يَجِدُهَا ، وَلَا فَرْقَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا صَلَاتُهُ فَخَطَأٌ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّتِي وَجَدَهَا تُصَلِّي - غَيْرُ رَاغِبٍ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ ، فَإِذْ لَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَلَا بُدَّ ; فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا نَافِلَةٌ إنْ صَلَّاهَا ; لِأَنَّ هَذِهِ هِيَ صِفَةُ النَّافِلَةِ ; فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إنْ شَاءَ صَلَّاهَا ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُصَلِّهَا .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ قَبْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَوَى صَلَاتَهُ إيَّاهَا أَنَّهُ فَرْضُهُ ، وَنَوَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي الَّتِي صَلَّى فِي مَنْزِلِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَعَلَ هَذَا ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ ; فِي أَنْ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ; عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَرْضُهُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ، أَوْ يَكُونَ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِلْتَيْهِمَا ; فَهَذَا لَمْ يُصَلِّ أَصْلًا .
وَلَا تَجْزِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، وَهُوَ عَابِثٌ عَاصٍ ; لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَكُونَ نَوَى فِي الْأُولَى أَنَّهَا فَرْضُهُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا نَافِلَةٌ أَوْ فِي الْأُولَى أَنَّهَا نَافِلَةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ أَنَّهَا فَرْضُهُ ، فَهُوَ كَمَا نَوَى ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الثَّانِيَةُ هِيَ فَرْضُهُ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَالْحَقُّ فِي هَذَا : أَنَّهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَّى وَحْدُهُ ، أَوْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، فَالْأُولَى فَرْضُهُ بِلَا شَكٍّ ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي 27 أَدَّى عَلَى أَنَّهَا فَرْضُهُ ، وَنَوَى ذَلِكَ فِيهَا .
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا ; لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّأَخُّرِ عَنْ الْجَمَاعَةِ ; فَالْأُولَى إنْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ بَاطِلٌ : وَالثَّانِيَةُ فَرْضُهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ ، وَلَا بُدَّ عَلَى مَا نَذْكُرُ فِي وُجُوبِ فَرْضِ الْجَمَاعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ سَوَاءٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِيمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي مَنْزِلِهِ ; لِغَيْرِ عُذْرٍ فَبَاطِلٌ لِوُجُوهٍ : أَوَّلُهَا : تَفْرِيقُهُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِلَا بُرْهَانٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ : إنَّهَا تُجْزِئُهُ إذَا صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا ; لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي مَنْزِلِهِ .
وَالثَّالِثُ : إبْطَالُهُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ أَنْ جَوَّزَهَا : إمَّا بِخُرُوجِهِ إلَى الْجَامِعِ ، وَإِمَّا بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ آرَاءٌ فَاسِدَةٌ مَدْخُولَةٌ ، وَقَوْلٌ فِي الدِّينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
قَالَ عَلِيٌّ : فَإِذْ قَدْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلُّهَا فَلْنَذْكُرْ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ : حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيِّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيِّ قَالَا : ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ وَكَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؟ قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا فِيهِمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ } .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ثنا إسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَاءِ قَالَ : أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ فَذَكَرْت لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ فَقَالَ : سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ { ۝ إنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي وَقَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ وَلَا تَقُلْ إنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلَا أُصَلِّي } .
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلِمَنْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالدَّعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَخَذَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَمَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ : أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ ; وَكَمَا 28 رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ وَالنُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ اتَّعَدَا مَوْعِدًا فَجَاءَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ وَقَدْ صَلَّى ، فَصَلَّى الْفَجْرَ مَعَ صَاحِبِهِ .
وَبِهِ إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَحُمَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمْنَا مَعَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَصَلَّى بِنَا الْفَجْرَ فِي الْمِرْبَدِ ، ثُمَّ جِئْنَا إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَإِذَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُخْتَلِطُونَ ، فَصَلَّيْنَا مَعَهُمْ .
فَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ; وَبَعْدَ أَنْ صَلَّوْا جَمَاعَةً بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ يَخُصُّ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ دُونَ غَيْرِهِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرِ الْعَبْسِيِّ : خَرَجْت مَعَ حُذَيْفَةَ فَمَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الظُّهْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى ; ثُمَّ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الْعَصْرَ وَقَدْ كَانَ صَلَّى ، ثُمَّ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فَصَلَّى مَعَهُمْ الْمَغْرِبَ وَشَفَعَ بِرَكْعَةٍ وَكَانَ قَدْ صَلَّى ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : يُعِيدُ الْعَصْرَ إذَا جَاءَ الْجَمَاعَةَ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : صَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَإِنَّ صَلَاتَك مَعَهُمْ تَفْضُلُ صَلَاتَك وَحْدَك بِضْعًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً .
وَعَنْ سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ : لَا بَأْسَ أَنْ تُعَادَ الصَّلَاةُ كُلُّهَا .
وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ : إذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ فِي الْبَيْتِ ثُمَّ أَدْرَكْتُهَا مَعَ النَّاسِ فَإِنِّي أَجْعَلُ الَّتِي صَلَّيْتُهَا فِي بَيْتِي نَافِلَةً ، وَأَجْعَلُ الَّتِي صَلَّيْت مَعَ النَّاسِ الْمَكْتُوبَةَ وَلَوْ لَمْ أُدْرِكْ إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً مِنْهَا .
قَالَ : وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنْ الْمَغْرِبِ يُصَلِّيهَا الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَجِدُ النَّاسَ فِيهَا ؟ قَالَ : أَشْفَعُ الَّتِي صَلَّيْت فِي بَيْتِي بِرَكْعَةٍ ثُمَّ أُسَلِّمُ ثُمَّ أَلْحَقُ بِالنَّاسِ ، فَأَجْعَلُ الَّتِي هُمْ فِيهَا الْمَكْتُوبَةَ .
وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حَسَّانٍ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ : صَلَّيْت أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ جِئْنَا إلَى النَّاسِ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَدَخَلْنَا مَعَهُمْ فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إبْرَاهِيمُ فَشَفَعَ بِرَكْعَةٍ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَمْ يَشْفَعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ ; لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ لَمْ يَأْتِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ .
29 وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ عَنْ أَبِي الضُّحَى أَنَّ مَسْرُوقًا صَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ مَعَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ شَفَعَ الْمَغْرِبَ بِرَكْعَةٍ .
وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ : تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ ; وَلَكِنْ إذَا أَذَّنَ فِي الْمَسْجِدِ فَالْفِرَارُ أَقْبَحُ مِنْ الصَّلَاةِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَإِنْ ذَكَرُوا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : إنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فِي أَهْلِكَ ثُمَّ أَدْرَكْت الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْإِمَامِ فَصَلِّ مَعَهُ ; غَيْرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ ، فَإِنَّهُمَا لَا يُصَلَّيَانِ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا ; لِأَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوهُ فَخَالَفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي زِيَادَتِهِ الْعَصْرَ فِيمَا لَا يُعَادُ ; وَخَالَفَهُ مَالِكٌ فِي إعَادَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَمَنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَالْحُجَّةِ ، فَقَدْ كَفَى خَصْمَهُ مُؤْنَتَهُ ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith