المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني
321 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ ، وَلَا لِسَيِّدِ الْأَمَةِ مَنْعُهُمَا مِنْ حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، إذَا عَرَفَ أَنَّهُنَّ يُرِدْنَ الصَّلَاةَ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَخْرُجْنَ مُتَطَيِّبَاتٍ ، وَلَا فِي ثِيَابٍ حِسَانٍ ; فَإِنْ فَعَلَتْ فَلْيَمْنَعْهَا ، وَصَلَاتُهُنَّ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ .
- : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ قَالَا ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إلَيْهَا فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ ابْنُهُ ; وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْته سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ ، قَالَ : أُخْبِرُك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ : وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ ؟ . } وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسَاجِدِ } .
حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ - ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا وَهُنَّ تَفِلَاتٌ } .
171 قَالَ عَلِيٌّ : وَالتَّفِلَةُ السَّيِّئَةُ الرِّيحِ وَالْبِزَّةُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثنا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا } .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : { إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ } .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُتَقَدِّمُ ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ ، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمُ ، وَخَيْرُهَا الْمُؤَخَّرُ ; يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إذَا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ } .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ أَبُو مَعْمَرٍ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ ؟ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ . } 172 وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ نَافِعٍ قَالَ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَمَا تَرَكَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَنَّيْنَ بِتَعَبٍ لَا يُجْدِي عَلَيْهِنَّ زِيَادَةُ فَضْلٍ أَوْ يَحُطُّهُنَّ مِنْ الْفَضْلِ ، وَهَذَا لَيْسَ نُصْحًا ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : { الدِّينُ النَّصِيحَةُ } وَحَاشَا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ ; بَلْ هُوَ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِأُمَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ لَا يَمْنَعَهُنَّ ; وَلَمَا أَمَرَهُنَّ بِالْخُرُوجِ تَفِلَاتٍ .
وَأَقَلُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَمْرَ نَدْبٍ وَحَضٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ : صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَلِلْجُمُعَةِ ، وَفِي الْعِيدَيْنِ ، وَرَخَّصَ لِلْعَجُوزِ خَاصَّةً فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَالْفَجْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ خُرُوجَهُنَّ فِي الْعِيدَيْنِ - : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَأَبَاحَ لِلْمُتَجَالَّةِ شُهُودَ الْعِيدَيْنِ ، وَالِاسْتِسْقَاءَ .
وَقَالَ : تَخْرُجُ الشَّابَّةُ إلَى الْمَسْجِدِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ .
قَالَ : وَالْمُتَجَالَّةُ تَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَلَا تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ - : قَالَ عَلِيٌّ : وَشَغَبَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ : لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنَى إسْرَائِيلَ . وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أَوْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ 173 أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ صَلَاتَكِ فِي بَيْتِكِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكِ مَعِي } ؟ ، وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَأَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي مَخْدَعِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ . } وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِنَّ يَوْمَ الْعِيدِ إنَّمَا كَانَ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَكْثُرُوا فِي عَيْنِ مَنْ يَرَاهُمْ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ ; لِأَنَّهَا كِذْبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ أَمْرَهُ بِخُرُوجِهِنَّ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ; فَأُفٍّ لِمَنْ كَذَّبَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافْتَرَى كِذْبَةً بِرَأْيِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا بَحْتًا فَهُوَ بَارِدٌ سَخِيفٌ جِدًّا .
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عَسْكَرٍ فَيُرْهِبُ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَدُوٌّ إلَّا الْمُنَافِقُونَ وَيَهُودُ الْمَدِينَةِ ، الَّذِينَ يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ ، فَاعْجَبُوا لِهَذَا التَّخْلِيطِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُدْرِكْ مَا أَحْدَثْنَ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُنَّ ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَمَنْعُهُنَّ بِدْعَةٌ وَخَطَأٌ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } فَمَا أَتَيْنَ قَطُّ بِفَاحِشَةٍ وَلَا ضُوعِفَ لَهُنَّ الْعَذَابُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَفْتَحْ عَلَيْهِمْ وَمَا نَعْلَمُ احْتِجَاجًا أَسْخَفَ مِنْ احْتِجَاجِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ قَائِلٍ : لَوْ كَانَ كَذَا : لَكَانَ كَذَا - : عَلَى إيجَابِ مَا لَمْ يَكُنْ ، الشَّيْءُ الَّذِي لَوْ كَانَ لَكَانَ ذَلِكَ الْآخَرُ ؟ وَوَجْهٌ ثَانٍ : وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مَا يُحْدِثُ النِّسَاءُ ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ، 174 فَلَمْ يُوحِ قَطُّ إلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْعِهِنَّ مِنْ أَجْلِ مَا اسْتَحْدَثْنَهُ ، وَلَا أَوْحَى تَعَالَى قَطُّ إلَيْهِ : أَخْبِرْ النَّاسَ إذَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ فَامْنَعُوهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ ; فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا فَالتَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ هُجْنَةٌ وَخَطَأٌ ؟ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ أَنَّنَا مَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ ، مِمَّا لَمْ يُحْدِثْنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إحْدَاثِهِنَّ مِنْ الزِّنَى ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمَ فِيهِ وَجَلَدَ ، فَمَا مَنَعَ النِّسَاءَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَطُّ ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى عَلَى الرِّجَالِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا فَرْقَ ; فَمَا الَّذِي جَعَلَ الزِّنَى سَبَبًا يَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ ؟ وَلَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا إلَى مَنْعِ الرِّجَالِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ؟ هَذَا تَعْلِيلٌ مَا رَضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَوَجْهٌ رَابِعٌ : وَهُوَ أَنَّ الْإِحْدَاثَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ بِلَا شَكٍّ دُونَ بَعْضٍ ، وَمِنْ الْمُحَالِ مَنْعُ الْخَيْرِ عَمَّنْ لَمْ يُحْدِثْ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْدَثَ ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَوَجْهٌ خَامِسٌ : وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِحْدَاثُ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ السُّوقِ ، وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بِلَا شَكٍّ ، فَلِمَ خَصَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَنْعَهُنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ إحْدَاثِهِنَّ ، دُونَ مَنْعِهِنَّ مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ ؟ بَلْ قَدْ أَبَاحَ لَهَا أَبُو حَنِيفَةَ السَّفَرَ وَحْدَهَا ، وَالْمَسِيرَ فِي الْفَيَافِي وَالْفَلَوَاتِ مَسَافَةَ يَوْمَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَلَمْ يَكْرَهْ لَهَا ذَلِكَ ، وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ التَّخْلِيطُ .
وَوَجْهٌ سَادِسٌ : وَهُوَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَرَ مَنْعَهُنَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، وَلَا قَالَتْ : امْنَعُوهُنَّ لِمَا أَحْدَثْنَ ; بَلْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ عَاشَ لَمَنَعَهُنَّ ، وَهَذَا هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ : لَوْ مَنْعَهُنَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَنَعْنَاهُنَّ ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَلَا نَمْنَعُهُنَّ ، فَمَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ السُّنَنِ ، وَخِلَافِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالْكَذِبِ بِإِيهَامِهِمْ مَنْ يُقَلِّدُهُمْ : أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْ خُرُوجِ النِّسَاءِ بِكَلَامِهَا ذَلِكَ ، وَهِيَ لَمْ تَفْعَلْ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ .
175 وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ رِوَايَاتُ الثِّقَاتِ الْمُتَوَاتِرَةُ بِرِوَايَةِ مِنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ فَهُوَ كَثِيرُ التَّصْحِيفِ وَالْغَلَطِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ هَكَذَا قَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ ، وَخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ - وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ - لَكَانَ عَلَى أُمُورِهِمَا مُعَارَضَةٌ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا ، وَلِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِخُرُوجِهِنَّ ، حَتَّى ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ إلَى مُشَاهَدَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَأَمَرَ مَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا أَنْ تَسْتَعِيرَ مِنْ غَيْرِهَا جِلْبَابًا لِذَلِكَ ؟ .
وَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمِ الْكِلَابِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ ثنا هَمَّامُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } .
قَالَ عَلِيٌّ : يُرِيدُ بِلَا شَكٍّ مَسْجِدَ مُحَلَّتِهَا ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْجِدَ بَيْتِهَا لَكَانَ قَائِلًا : صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ، وَحَاشَا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَقُولَ الْمُحَالَ ; فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مَنْسُوخٌ ؟ .
أَمَّا قَوْلُهُ { إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } وَحَضُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى الْعِيدِ ، وَإِلَى الْمَسْجِدِ - : مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : { إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ } وَمِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا } ، وَصَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : 176 { إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } وَحَضِّهِ عَلَى خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ .
لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَى نَسْخِ خَبَرٍ صَحِيحٍ إلَّا بِحُجَّةٍ ؟ .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى عَمَلًا زَائِدًا عَلَى الصَّلَاةِ ; وَكُلْفَةً فِي الْأَسْحَارِ وَالظُّلْمَةِ وَالزَّحْمَةِ وَالْهَوَاجِرِ الْحَارَّةِ ; وَفِي الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ ; فَلَوْ كَانَ فَضْلُ هَذَا الْعَمَلِ الزَّائِدِ مَنْسُوخًا لَمْ يَخْلُ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا - : إمَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ; فَيَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ كُلُّهُ لَغْوًا وَبَاطِلًا ، وَتَكَلُّفًا وَعَنَاءً ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا ; وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا ، أَوْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمُصَلَّى مُنْحَطَّةَ الْفَضْلِ عَنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُونَ ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ كُلُّهُ إثْمًا حَاطًّا مِنْ الْفَضْلِ ، وَلَا بُدَّ ; إذْ لَا يَحُطُّ مِنْ الْفَضْلِ فِي صَلَاةٍ مَا عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عَمَلٌ زَائِدٌ إلَّا ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا ؟ .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَرْكِ أَعْمَالٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ لَوْ عَمِلَهَا ; فَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِإِثْمٍ لَكِنْ تَرْكُ أَعْمَالِ بِرٍّ ، وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا تَكَلَّفَهُ فِي صَلَاتِهِ فَأَتْلَفَ بَعْضَ أَجْرِهِ الَّذِي كَانَ يَتَحَصَّلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ ، وَأَحْبَطَ بَعْضَ عَمَلِهِ - : فَهَذَا عَمَلٌ مُحَرَّمٌ بِلَا شَكٍّ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا .
وَلَيْسَ فِي الْكَرَاهَةِ إثْمٌ أَصْلًا ، وَلَا إحْبَاطُ عَمَلٍ ; بَلْ فِيهِ عَدَمُ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مَعًا ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ إحْبَاطٌ عَلَى الْحَرَامِ فَقَطْ وَقَدْ اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْ النِّسَاءَ قَطُّ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; وَلَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ ، فَصَحَّ أَنَّهُ عَمَلٌ مَنْسُوخٌ ; فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَلَا تَرَكَهُنَّ يَتَكَلَّفْنَهُ بِلَا مَنْفَعَةٍ ، بَلْ بِمَضَرَّةٍ ، وَهَذَا الْعُسْرُ وَالْأَذَى ، لَا النَّصِيحَةُ ; 177 وَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ النَّاسِخُ ، وَغَيْرُهُ الْمَنْسُوخُ ؟ هَذَا لَوْ صَحَّ ذَانِكَ الْحَدِيثَانِ ; فَكَيْفَ ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَكَانَتْ تَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهَا : وَاَللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمِينَ أَنِّي مَا أُحِبُّ هَذَا ؟ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى تَنْهَانِي قَالَ عُمَرُ : فَإِنِّي لَا أَنْهَاك ; فَلَقَدْ طُعِنَ عُمَرُ يَوْمَ طُعِنَ ، وَإِنَّهَا لَفِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ عَلِيٌّ : مَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَمْتَنِعُ مِنْ نَهْيِهَا عَنْ خُرُوجِهَا إلَى الْمَسْجِدِ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهَا فِيهِ ; فَكَيْفَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ أَجْرِهَا وَيُحْبِطُ عَمَلَهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ لَهَا : إنِّي لَا أُحِبُّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَيْلَ النَّفْسِ لَا إثْمَ فِيهِ ; وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ - : لَوْلَا خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحَبَّ الْأَكْلَ إذَا جَاعَ فِي رَمَضَانَ ، وَالشُّرْبَ فِيهِ إذَا عَطِشَ ، وَالنَّوْمَ فِي الْغَدَوَاتِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلِ الْقَصِيرِ عَنْ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَوَاتِ ، وَوَطْءَ كُلِّ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ يَرَاهَا الْمَرْءُ ؟ فَيُحِبُّ الْمَرْءُ الشَّيْءَ الْمَحْظُورَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ ; وَلَا يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِ قَلْبِهِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي صَبْرِهِ أَوْ عَمَلِهِ فَقَطْ .
قَالَ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَمْرِو الثَّقَفِيِّ عَنْ عَرْفَجَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ ; فَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا ، وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا ; فَأَمَرَنِي فَأَمَمْتُ النِّسَاءَ ؟ ، 178 قَالَ عَلِيٌّ : وَالشَّوَابُّ وَغَيْرُهُنَّ سَوَاءٌ - ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
- : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أَبِي ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ قَالَا ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } .
وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : ثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ - عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ إذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إلَيْهَا فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ ابْنُهُ ; وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْته سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ ، قَالَ : أُخْبِرُك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ : وَاَللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ ؟ . } وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ : ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسَاجِدِ } .
حَدَّثَنَا حَمَامٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ ثنا حَامِدٌ هُوَ ابْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ - ثنا سُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا وَهُنَّ تَفِلَاتٌ } .
171 قَالَ عَلِيٌّ : وَالتَّفِلَةُ السَّيِّئَةُ الرِّيحِ وَالْبِزَّةُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ثنا بُكَيْر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا } .
وَمِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : { إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ } .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي دُلَيْمٍ ثنا ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هُوَ الْجُعْفِيُّ - عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ الْمُتَقَدِّمُ ، وَشَرُّهَا الْمُؤَخَّرُ ، وَشَرُّ صُفُوفِ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمُ ، وَخَيْرُهَا الْمُؤَخَّرُ ; يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ إذَا سَجَدَ الرِّجَالُ فَاغْضُضْنَ أَبْصَارَكُنَّ لَا تَرَيْنَ عَوْرَاتِ الرِّجَالِ مِنْ ضِيقِ الْأُزُرِ } .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ أَبُو مَعْمَرٍ - ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ التَّنُّورِيُّ - ثنا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ ؟ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ . } 172 وَبِهِ إلَى أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ثنا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرٍ هُوَ ابْنُ الْأَشَجِّ - عَنْ نَافِعٍ قَالَ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ النِّسَاءِ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ لَمَا تَرَكَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَنَّيْنَ بِتَعَبٍ لَا يُجْدِي عَلَيْهِنَّ زِيَادَةُ فَضْلٍ أَوْ يَحُطُّهُنَّ مِنْ الْفَضْلِ ، وَهَذَا لَيْسَ نُصْحًا ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ : { الدِّينُ النَّصِيحَةُ } وَحَاشَا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ ; بَلْ هُوَ أَنْصَحُ الْخَلْقِ لِأُمَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ لَا يَمْنَعَهُنَّ ; وَلَمَا أَمَرَهُنَّ بِالْخُرُوجِ تَفِلَاتٍ .
وَأَقَلُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ أَمْرَ نَدْبٍ وَحَضٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ : صَلَاتُهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ أَفْضَلُ ، وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَلِلْجُمُعَةِ ، وَفِي الْعِيدَيْنِ ، وَرَخَّصَ لِلْعَجُوزِ خَاصَّةً فِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَالْفَجْرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْرَهْ خُرُوجَهُنَّ فِي الْعِيدَيْنِ - : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا نَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَأَبَاحَ لِلْمُتَجَالَّةِ شُهُودَ الْعِيدَيْنِ ، وَالِاسْتِسْقَاءَ .
وَقَالَ : تَخْرُجُ الشَّابَّةُ إلَى الْمَسْجِدِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ .
قَالَ : وَالْمُتَجَالَّةُ تَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَلَا تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ - : قَالَ عَلِيٌّ : وَشَغَبَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ : لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنَى إسْرَائِيلَ . وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمَّتِهِ أَوْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ 173 أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ صَلَاتَكِ فِي بَيْتِكِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكِ مَعِي } ؟ ، وَبِحَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَأَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي مَخْدَعِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي بَيْتِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي دَارِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهَا أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ، وَأَنْ تُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ خَيْرٌ لَهَا مِنْ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ . } وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُرُوجِهِنَّ يَوْمَ الْعِيدِ إنَّمَا كَانَ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ لِيَكْثُرُوا فِي عَيْنِ مَنْ يَرَاهُمْ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ ; لِأَنَّهَا كِذْبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلٌ بِلَا عِلْمٍ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ أَمْرَهُ بِخُرُوجِهِنَّ لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ; فَأُفٍّ لِمَنْ كَذَّبَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافْتَرَى كِذْبَةً بِرَأْيِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا بَحْتًا فَهُوَ بَارِدٌ سَخِيفٌ جِدًّا .
لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عَسْكَرٍ فَيُرْهِبُ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَدُوٌّ إلَّا الْمُنَافِقُونَ وَيَهُودُ الْمَدِينَةِ ، الَّذِينَ يَدْرُونَ أَنَّهُنَّ نِسَاءٌ ، فَاعْجَبُوا لِهَذَا التَّخْلِيطِ .
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ عَائِشَةُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يُدْرِكْ مَا أَحْدَثْنَ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُنَّ ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَمَنْعُهُنَّ بِدْعَةٌ وَخَطَأٌ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } فَمَا أَتَيْنَ قَطُّ بِفَاحِشَةٍ وَلَا ضُوعِفَ لَهُنَّ الْعَذَابُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَفْتَحْ عَلَيْهِمْ وَمَا نَعْلَمُ احْتِجَاجًا أَسْخَفَ مِنْ احْتِجَاجِ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ قَائِلٍ : لَوْ كَانَ كَذَا : لَكَانَ كَذَا - : عَلَى إيجَابِ مَا لَمْ يَكُنْ ، الشَّيْءُ الَّذِي لَوْ كَانَ لَكَانَ ذَلِكَ الْآخَرُ ؟ وَوَجْهٌ ثَانٍ : وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَلِمَ مَا يُحْدِثُ النِّسَاءُ ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ ، 174 فَلَمْ يُوحِ قَطُّ إلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْعِهِنَّ مِنْ أَجْلِ مَا اسْتَحْدَثْنَهُ ، وَلَا أَوْحَى تَعَالَى قَطُّ إلَيْهِ : أَخْبِرْ النَّاسَ إذَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ فَامْنَعُوهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ ; فَإِذْ لَمْ يَفْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا فَالتَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ هُجْنَةٌ وَخَطَأٌ ؟ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ أَنَّنَا مَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ ، مِمَّا لَمْ يُحْدِثْنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ فِي إحْدَاثِهِنَّ مِنْ الزِّنَى ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمَ فِيهِ وَجَلَدَ ، فَمَا مَنَعَ النِّسَاءَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَطُّ ، وَتَحْرِيمُ الزِّنَى عَلَى الرِّجَالِ كَتَحْرِيمِهِ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا فَرْقَ ; فَمَا الَّذِي جَعَلَ الزِّنَى سَبَبًا يَمْنَعُهُنَّ مِنْ الْمَسَاجِدِ ؟ وَلَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا إلَى مَنْعِ الرِّجَالِ مِنْ الْمَسَاجِدِ ؟ هَذَا تَعْلِيلٌ مَا رَضِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ ، وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَوَجْهٌ رَابِعٌ : وَهُوَ أَنَّ الْإِحْدَاثَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ بِلَا شَكٍّ دُونَ بَعْضٍ ، وَمِنْ الْمُحَالِ مَنْعُ الْخَيْرِ عَمَّنْ لَمْ يُحْدِثْ مِنْ أَجْلِ مَنْ أَحْدَثَ ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْمَعُ لَهُ وَيُطَاعُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَوَجْهٌ خَامِسٌ : وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِحْدَاثُ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا إلَى مَنْعِهِنَّ مِنْ السُّوقِ ، وَمِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بِلَا شَكٍّ ، فَلِمَ خَصَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَنْعَهُنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِ إحْدَاثِهِنَّ ، دُونَ مَنْعِهِنَّ مِنْ سَائِرِ الطُّرُقِ ؟ بَلْ قَدْ أَبَاحَ لَهَا أَبُو حَنِيفَةَ السَّفَرَ وَحْدَهَا ، وَالْمَسِيرَ فِي الْفَيَافِي وَالْفَلَوَاتِ مَسَافَةَ يَوْمَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَلَمْ يَكْرَهْ لَهَا ذَلِكَ ، وَهَكَذَا فَلْيَكُنْ التَّخْلِيطُ .
وَوَجْهٌ سَادِسٌ : وَهُوَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَرَ مَنْعَهُنَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، وَلَا قَالَتْ : امْنَعُوهُنَّ لِمَا أَحْدَثْنَ ; بَلْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَوْ عَاشَ لَمَنَعَهُنَّ ، وَهَذَا هُوَ نَصُّ قَوْلِنَا ؟ وَنَحْنُ نَقُولُ : لَوْ مَنْعَهُنَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَنَعْنَاهُنَّ ، فَإِذْ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ فَلَا نَمْنَعُهُنَّ ، فَمَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى خِلَافِ السُّنَنِ ، وَخِلَافِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالْكَذِبِ بِإِيهَامِهِمْ مَنْ يُقَلِّدُهُمْ : أَنَّهَا مَنَعَتْ مِنْ خُرُوجِ النِّسَاءِ بِكَلَامِهَا ذَلِكَ ، وَهِيَ لَمْ تَفْعَلْ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ .
175 وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُتْرَكَ رِوَايَاتُ الثِّقَاتِ الْمُتَوَاتِرَةُ بِرِوَايَةِ مِنْ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ فَهُوَ كَثِيرُ التَّصْحِيفِ وَالْغَلَطِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ هَكَذَا قَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الْفَلَّاسُ وَغَيْرُهُ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ ، وَخَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الْغُدَانِيِّ - وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ - لَكَانَ عَلَى أُمُورِهِمَا مُعَارَضَةٌ لِلْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا ، وَلِأَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِخُرُوجِهِنَّ ، حَتَّى ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ إلَى مُشَاهَدَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَأَمَرَ مَنْ لَا جِلْبَابَ لَهَا أَنْ تَسْتَعِيرَ مِنْ غَيْرِهَا جِلْبَابًا لِذَلِكَ ؟ .
وَلِمَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا أَبُو دَاوُد ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَاصِمِ الْكِلَابِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ ثنا هَمَّامُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلَاتُهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } .
قَالَ عَلِيٌّ : يُرِيدُ بِلَا شَكٍّ مَسْجِدَ مُحَلَّتِهَا ، لَا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْجِدَ بَيْتِهَا لَكَانَ قَائِلًا : صَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ، وَحَاشَا لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَقُولَ الْمُحَالَ ; فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مَنْسُوخٌ ؟ .
أَمَّا قَوْلُهُ { إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } وَحَضُّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى الْعِيدِ ، وَإِلَى الْمَسْجِدِ - : مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : { إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْمَسْجِدِ } وَمِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ " .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ صَلَاتَهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي مَسْجِدِهَا } ، وَصَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : 176 { إنَّ صَلَاتَهَا فِي مَسْجِدِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } وَحَضِّهِ عَلَى خُرُوجِهَا إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ .
لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَى نَسْخِ خَبَرٍ صَحِيحٍ إلَّا بِحُجَّةٍ ؟ .
فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ : فَوَجَدْنَا خُرُوجَهُنَّ إلَى الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى عَمَلًا زَائِدًا عَلَى الصَّلَاةِ ; وَكُلْفَةً فِي الْأَسْحَارِ وَالظُّلْمَةِ وَالزَّحْمَةِ وَالْهَوَاجِرِ الْحَارَّةِ ; وَفِي الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ ; فَلَوْ كَانَ فَضْلُ هَذَا الْعَمَلِ الزَّائِدِ مَنْسُوخًا لَمْ يَخْلُ ضَرُورَةً مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا - : إمَّا أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلَّى مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا ; فَيَكُونُ هَذَا الْعَمَلُ كُلُّهُ لَغْوًا وَبَاطِلًا ، وَتَكَلُّفًا وَعَنَاءً ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أَصْلًا ; وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا ، أَوْ تَكُونَ صَلَاتُهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمُصَلَّى مُنْحَطَّةَ الْفَضْلِ عَنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُونَ ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ كُلُّهُ إثْمًا حَاطًّا مِنْ الْفَضْلِ ، وَلَا بُدَّ ; إذْ لَا يَحُطُّ مِنْ الْفَضْلِ فِي صَلَاةٍ مَا عَنْ تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عَمَلٌ زَائِدٌ إلَّا ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا ؟ .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَرْكِ أَعْمَالٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ لَوْ عَمِلَهَا ; فَهَذَا لَمْ يَأْتِ بِإِثْمٍ لَكِنْ تَرْكُ أَعْمَالِ بِرٍّ ، وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلًا تَكَلَّفَهُ فِي صَلَاتِهِ فَأَتْلَفَ بَعْضَ أَجْرِهِ الَّذِي كَانَ يَتَحَصَّلُ لَهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ ، وَأَحْبَطَ بَعْضَ عَمَلِهِ - : فَهَذَا عَمَلٌ مُحَرَّمٌ بِلَا شَكٍّ لَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا .
وَلَيْسَ فِي الْكَرَاهَةِ إثْمٌ أَصْلًا ، وَلَا إحْبَاطُ عَمَلٍ ; بَلْ فِيهِ عَدَمُ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مَعًا ، وَإِنَّمَا الْإِثْمُ إحْبَاطٌ عَلَى الْحَرَامِ فَقَطْ وَقَدْ اتَّفَقَ جَمِيعُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْ النِّسَاءَ قَطُّ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِي مَسْجِدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; وَلَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ ، فَصَحَّ أَنَّهُ عَمَلٌ مَنْسُوخٌ ; فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ عَمَلُ بِرٍّ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَلَا تَرَكَهُنَّ يَتَكَلَّفْنَهُ بِلَا مَنْفَعَةٍ ، بَلْ بِمَضَرَّةٍ ، وَهَذَا الْعُسْرُ وَالْأَذَى ، لَا النَّصِيحَةُ ; 177 وَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا فَهُوَ النَّاسِخُ ، وَغَيْرُهُ الْمَنْسُوخُ ؟ هَذَا لَوْ صَحَّ ذَانِكَ الْحَدِيثَانِ ; فَكَيْفَ ، وَهُمَا لَا يَصِحَّانِ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ : أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَكَانَتْ تَشْهَدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهَا : وَاَللَّهِ إنَّك لَتَعْلَمِينَ أَنِّي مَا أُحِبُّ هَذَا ؟ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى تَنْهَانِي قَالَ عُمَرُ : فَإِنِّي لَا أَنْهَاك ; فَلَقَدْ طُعِنَ عُمَرُ يَوْمَ طُعِنَ ، وَإِنَّهَا لَفِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ عَلِيٌّ : مَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَمْتَنِعُ مِنْ نَهْيِهَا عَنْ خُرُوجِهَا إلَى الْمَسْجِدِ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا أَجْرَ لَهَا فِيهِ ; فَكَيْفَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ أَجْرِهَا وَيُحْبِطُ عَمَلَهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ لَهَا : إنِّي لَا أُحِبُّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَيْلَ النَّفْسِ لَا إثْمَ فِيهِ ; وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ - : لَوْلَا خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحَبَّ الْأَكْلَ إذَا جَاعَ فِي رَمَضَانَ ، وَالشُّرْبَ فِيهِ إذَا عَطِشَ ، وَالنَّوْمَ فِي الْغَدَوَاتِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلِ الْقَصِيرِ عَنْ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَوَاتِ ، وَوَطْءَ كُلِّ جَارِيَةٍ حَسْنَاءَ يَرَاهَا الْمَرْءُ ؟ فَيُحِبُّ الْمَرْءُ الشَّيْءَ الْمَحْظُورَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ ; وَلَا يَقْدِرُ عَلَى صَرْفِ قَلْبِهِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي صَبْرِهِ أَوْ عَمَلِهِ فَقَطْ .
قَالَ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَمْرِو الثَّقَفِيِّ عَنْ عَرْفَجَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ ; فَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا ، وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا ; فَأَمَرَنِي فَأَمَمْتُ النِّسَاءَ ؟ ، 178 قَالَ عَلِيٌّ : وَالشَّوَابُّ وَغَيْرُهُنَّ سَوَاءٌ - ، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith