المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الثاني
page 338 · printed p. 197
197 مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ : أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ أَخْذُ الشَّمْسِ فِي الزَّوَالِ وَالْمَيْلِ ; فَلَا يَحِلُّ ابْتِدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَلَا يُجْزِئُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُهَا إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ; لَا يُعَدُّ فِي ذَلِكَ الظِّلُّ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي أَوَّلِ زَوَالِ الشَّمْسِ ; وَلَكِنْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَإِذَا كَبَّرَ الْإِنْسَانُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ حِينَ ذَلِكَ - فَمَا قَبْلَهُ - فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ الظِّلُّ الْمَذْكُورُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا - : بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ; إلَّا لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ فَقَطْ ; وَدَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ; فَمَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَجْزِهِ إلَّا يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقَطْ ، ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ كُلُّهَا ; إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُ تَأْخِيرَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ إلَّا لِعُذْرٍ - : وَمَنْ كَبَّرَ لِلْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْرُبَ جَمِيعُ الْقُرْصِ : فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ ؟ فَإِذَا غَابَ جَمِيعُ الْقُرْصِ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي الْعَصْرِ ، وَدَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ; وَلَا يُجْزِئُ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ غُرُوبِ جَمِيعِ الْقُرْصِ .
ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ - : فَمَنْ كَبَّرَ لِلْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ آخِرُ حُمْرَةِ الشَّفَقِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِلَا 198 كَرَاهَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ ؟ .
فَإِذَا غَرُبَتْ حُمْرَةُ الشَّفَقِ كُلُّهَا فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ; إلَّا لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ ، وَبِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَطْ ; وَدَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَهِيَ الْعَتَمَةُ ، وَمَنْ كَبَّرَ لَهَا وَمِنْ الْحُمْرَةِ فِي الْأُفُقِ شَيْءٌ لَمْ يَجْزِهِ .
ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ إلَى انْقِضَاءِ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ، وَابْتِدَاءِ النِّصْفِ الثَّانِي - : فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَلَا ضَرُورَةٍ فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ ؟ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَقَدْ دَخَلَ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ; فَلَوْ كَبَّرَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْزِهِ ، وَيَتَمَادَى وَقْتُهَا إلَى أَنْ يَطْلُعَ أَوَّلُ قُرْصِ الشَّمْسِ - : فَمَنْ كَبَّرَ لَهَا قَبْلَ طُلُوعِ أَوَّلِ الْقُرْصِ فَقَدْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الصُّبْحِ - إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُ تَأْخِيرَهَا عَنْ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْهَا قَبْلَ طُلُوعِ أَوَّلِ الْقُرْصِ إلَّا لِعُذْرٍ ; فَإِذَا طَلَعَ أَوَّلُ الْقُرْصِ فَقَدْ بَطَلَ وَقْتُ الدُّخُولِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ؟ فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةٍ ذَكَرْنَاهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا : لَا صَبِيٌّ يَبْلُغُ ; وَلَا حَائِضٌ تَطْهُرُ ; وَلَا كَافِرٌ يُسْلِمُ - وَلَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ إلَّا مَا أَدْرَكُوا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ ؟ .
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنَّهُ إنْ زَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ ، وَهُوَ نَازِلٌ أَوْ غَرُبَتْ لَهُ الشَّمْسُ ، وَهُوَ نَازِلٌ - : فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا فَرْقَ - : يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا وَلَا بُدَّ .
فَإِنْ زَالَتْ لَهُ الشَّمْسُ وَهُوَ مَاشٍ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَا لِلْعَصْرِ ، ثُمَّ يَجْمَعُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ .
وَإِنْ غَابَتْ لَهُ الشَّمْسُ ، وَهُوَ مَاشٍ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَتَمَةِ ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ ؟ ، وَأَمَّا بِعَرَفَةَ - يَوْمَ عَرَفَةَ خَاصَّةً - فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا ; ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ إذَا سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ؟ .
وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَةَ - لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً - فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إلَّا بِمُزْدَلِفَةَ أَيَّ وَقْتٍ 199 جَاءَهَا ; فَإِنْ جَاءَهَا فِي وَقْتِ الْعَتَمَةِ صَلَّاهَا ، ثُمَّ صَلَّى الْعَتَمَةَ ، وَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلَاةِ وَالنَّائِمُ عَنْهَا فَإِنَّ وَقْتَهَا مُتَمَادٍ أَبَدًا لَا بُدَّ ; وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً عَنْ وَقْتِهَا الَّذِي ذَكَرْنَا ; وَلَا يُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ ; وَلَا أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الَّذِي ذَكَرْنَا ، لَا يُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ; وَوَقْتُ الْعَتَمَةِ الْمُسْتَحَبُّ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِهِ ، وَيَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ - وَإِنْ كُرِهَ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ .
وَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَا تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى وَقْتِ الْعَتَمَةِ - : لِلْمُسَافِرِ الْمُجِدِّ وَرَأَى مَالِكٌ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ ذَهَابَ عَقْلِهِ ، وَلِلْمُسَافِرِ الَّذِي يُرِيدُ الرَّحِيلَ - : أَنْ يُقَدِّمَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ ; وَالْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ .
وَرَأَى لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ - فِي الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ - أَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ قَلِيلًا وَتُقَدِّمَ الْعَتَمَةَ إلَى وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، وَلَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا ; وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ لِخَوْفِ عَدُوٍّ ، وَلَا رَأَى ذَلِكَ فِي نَهَارِ الْمَطَرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .
وَرَأَى وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يَمْتَدَّانِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِإِدْرَاكِ الظُّهْرِ وَرَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ جَمِيعِهَا ؟ وَرَأَى وَقْتَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ يَمْتَدَّانِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الْمَغْرِبَ وَرَكْعَةً مِنْ الْعَتَمَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَرَأَى الشَّافِعِيُّ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ ; وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ - : لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ خَاصَّةً فِي الْمَطَرِ .
وَرَأَى وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مُشْتَرَكًا مُمْتَدًّا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ وَالْعَتَمَةِ مُشْتَرَكًا مُمْتَدًّا إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
200 هَذَا مَعَ قَوْلِهِ وَقَوْلِ مَالِكٍ : إنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ ظَاهِرَةُ التَّنَاقُضِ بِلَا بُرْهَانٍ ؟ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثنا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ الْجُمَحِيُّ ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ هُوَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - أَنَا هَمَّامُ هُوَ ابْنُ يَحْيَى - عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ } .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ثنا مُسْلَمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا أُبَيٌّ ثنا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ { ۝ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ - وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ : قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ . ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنْ الْغَدِ حَتَّى 201 انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : قَدْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ كَادَتْ ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا وَالْقَائِلُ يَقُولُ : قَدْ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ فَقَالَ : الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ } .
وَقَدْ رُوِّينَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد الْخُرَيْبِيِّ عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ بِإِسْنَادِهِ - : وَفِيهِ { ۝ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ صَلَّى الْفَجْرَ فَانْصَرَفَ فَقُلْنَا : طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؟ وَأَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَقَدْ اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ قَالَ : أَمْسَى } .
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ثنا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ ابْنُ زُهَيْرٍ : حَدَّثَنِي أَبِي وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ زُهَيْرٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا - : وَإِنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ : حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَآخِرَ وَقْتِهَا : حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ : حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُهَا ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ 202 وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ : حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ : حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْفَجْرِ : حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ } .
قَالَ عَلِيٌّ : لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا اعْتِلَالُ مَنْ اعْتَلَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِأَنَّ قَتَادَةَ أَسْنَدَهُ مَرَّةً وَأَوْقَفَهُ أُخْرَى ، وَهَذَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ ، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ لِلْحَدِيثِ ، إذَا كَانَ الصَّاحِبُ يَرْوِيهِ مَرَّةً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفْتِي بِهِ أُخْرَى ؟ وَهَذَا جَهْلٌ مِمَّنْ تَعَلَّلَ بِهَذَا ، وَقَوْلٌ لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ ; وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ قَلَّدَ فِيهِ مَنْ ظَنَّهُ .
؟ وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا مَنْ تَعَلَّلَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ ; وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُجَاهِدٍ - وَهَذَا أَيْضًا دَعْوَى كَاذِبَةٌ بِلَا بُرْهَانٍ ، وَمَا يَضُرُّ إسْنَادُ مَنْ أَسْنَدَ إيقَافَ مَنْ أَوْقَفَ ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ ، مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ ; فَوَاجِبٌ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ ; وَاَلَّذِي فِيهِ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ } .
لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِاشْتِرَاكِ وَقْتَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ { ۝ وَقْتَ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَصْرُ } .
وَنَصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى بُطْلَانِ الِاشْتِرَاكِ ، كَمَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعٍ ثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ثنا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ 203 ثنا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ هُوَ الْبُنَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ : أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى } .
فَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِهَا كُلِّهَا لِصِحَّتِهَا فَصَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَبَّرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِلظُّهْرِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا ; فَصَارَ مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَهَذَا حَسَنٌ ؟ وَالْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ { ۝ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغِبْ الشَّمْسُ } زَائِدٌ عَلَى سَائِرِ الْأَخْبَارِ ; وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ وَاجِبٌ قَبُولُهَا ؟ وَكَذَلِكَ هُوَ زَائِدٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ بِإِسْنَادِهِ .
وَفِيهِ { ۝ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ } ؟ ، وَهَذَا الْخَبَرُ زَائِدٌ عَلَى الْآثَارِ الَّتِي فِيهَا { ۝ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ } وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ زِيَادَةِ الْعَدْلِ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّاهَا فِيهِ بِالْأَمْسِ وَقْتًا وَاحِدًا } .
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا مُبْطِلَةٌ قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ; وَهُوَ قَوْلٌ يَبْطُلُ مِنْ جِهَاتٍ - : مِنْهَا : مَا قَدْ صَحَّ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ بِإِسْنَادِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ۝ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ سُورَةَ الْأَعْرَافِ ، وَسُورَةَ الطُّورِ ، وَالْمُرْسَلَاتِ } .
فَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ لَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُصَلِّيًا لَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ; وَحَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا ؟ وَأَيْضًا : فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ تَخْتَلِفُ ; فَبَعْضُهَا لَا مَنَارَ لَهَا ; وَهِيَ ضَيِّقَةُ السَّاحَةِ جِدًّا ; فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ مُسْرِعًا وَيُصَلِّي ، وَبَعْضُهَا وَاسِعَةُ الصُّحُونِ : كَالْجَوَامِعِ الْكِبَارِ ، وَعَالِيَةُ الْمَنَارِ ; فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ مُسْتَرْسِلًا ثُمَّ يَنْزِلُ ; فَلَا سَبِيلَ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ إلَّا وَأَئِمَّةُ الْمَسَاجِدِ قَدْ أَتَمُّوا ; هَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي جَمِيعِ الْمُدُنِ .
فَعَلَى قَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّينَ : كَانَ يَجِبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُصَلُّوا الْمَغْرِبَ فِي وَقْتِهَا ؟ 204 وَأَيْضًا : فَيَسْأَلُونَ : مَتَى يَنْقَضِي وَقْتُهَا عِنْدَكُمْ ؟ فَلَا يَأْتُونَ بِحَدٍّ أَصْلًا ، وَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةٌ مَحْدُودَةٌ لَا يَدْرِي أَحَدٌ حَدَّهَا ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا ؟ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ أَيْضًا : تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِاشْتِرَاكِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ; وَبِاشْتِرَاكِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ; وَلَمْ يَأْتِ خَبَرٌ يُعَارِضُهَا فِي هَذَا أَصْلًا ؟ وَحُكْمُ عَرَفَةَ ، وَالْمُزْدَلِفَةِ : حُكْمٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي ذَيْنِك الْمَوْضِعَيْنِ فَقَطْ بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ - بِلَا خِلَافٍ - عَلَى أَنَّ إمَامًا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ; ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، كَحُكْمِهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ ; أَوْ صَلَّى الْمَغْرِبَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي إثْرِ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ - : لَكَانَ مُخْطِئًا مُسِيئًا ; وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ فَاسِدَ الصَّلَاةِ فَصَحَّ : أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْقِيَاسَ وَالنُّصُوصَ : أَمَّا النُّصُوصُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ؟ ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ : فَإِنَّ وَجْهَ الْقِيَاسِ - لَوْ كَانَ الْقِيَاسُ حَقًّا - أَنْ يَجُوزَ ، وَأَنْ يَلْزَمَ فِي غَيْرِ عَرَفَةَ ، وَمُزْدَلِفَةَ : مَا يَجُوزُ وَيَلْزَمُ فِي عَرَفَةَ ، وَمُزْدَلِفَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةِ ; فَيَكُونُ الْحُكْمُ : أَنْ تُصَلِّيَ الْعَصْرَ أَبَدًا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الظُّهْرِ ; وَأَنْ تُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ أَبَدًا إلَى بَعْدِ غُرُوبِ الشَّفَقِ ، وَهُمْ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذَا ; وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; فَظَهَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقِيسُوا قَوْلَهُمْ فِي اشْتِرَاكِ الْأَوْقَاتِ عَلَى حُكْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ ، وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith