المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
page 720 · printed p. 262
712 - مَسْأَلَةٌ : وَأَمَّا الصِّغَارُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُخْرِجَهَا الْأَبُ ، وَالْوَلِيُّ عَنْهُمْ مِنْ مَالٍ إنْ كَانَ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ، وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُؤَدِّيهَا الْأَبُ عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ ; فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ ، فَإِنْ أَدَّاهَا مِنْ مَالِهِمْ كَرِهْتُ لَهُ ذَلِكَ وَأَجْزَأَهُ ؟ قَالَ : وَيُؤَدِّيهَا عَنْ الْيَتِيمِ وَصِيُّهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَعَنْ رَقِيقِ الْيَتِيمِ أَيْضًا ؟ وَقَالَ زُفَرُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَيْسَ عَلَى الْيَتِيمِ زَكَاةُ الْفِطْرِ ، كَانَ لَهُ مَالٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; فَإِنْ أَدَّاهَا وَصِيُّهُ ضَمِنَهَا ؟ وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَى الْأَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ فَهِيَ فِي أَمْوَالِهِمْ ; وَهِيَ عَلَى الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ . وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْأَبَ لَا يُؤَدِّيهَا عَنْ وَلَدِهِ الْكِبَارِ ، كَانَ لَهُمْ مَالٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا ، إلَّا الدَّعْوَى : فِي أَنَّ الْقَصْدَ بِذِكْرِ الصِّغَارِ إنَّمَا هُوَ إلَى آبَائِهِمْ لَا إلَيْهِمْ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذِهِ دَعْوَى فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالْخِطَابِ إلَيْهِمْ فِي إيجَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى غَيْرِهِمْ - : فَمَنْ جَعَلَ الْآبَاءَ مَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ 262 سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالْأَقَارِبِ ، وَالْجِيرَانِ ، وَالسُّلْطَانِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : لِأَنَّ الْأَبَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ رَجَعَ الْحَنِيفِيُّونَ إلَى مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ ؟ وَيَلْزَمُ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ فِي هَذَا أَنْ يُؤَدِّيَهَا الْأَبُ - أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ - عَنْهُمْ ، كَانَ لَهُمْ مَالٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ دُونَهُمْ . فَوَضَحَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ بِيَقِينٍ .
وَالْحَقُّ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى : الْكَبِيرِ ، وَالصَّغِيرِ ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ ، وَادَّعَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْهُ ، وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ ؟ ثُمَّ وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } . فَوَجَدْنَا مَنْ لَا مَالَ لَهُ - مِنْ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ - لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ ; فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْهَا قَطُّ ، وَلَمَّا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُهَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهَا ، بِنَصِّ كَلَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْيَتِيمِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مَحْدُودَةٌ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ ، فَلَمَّا خَرَجَ وَقْتُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجِبَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَفِي غَيْرِ وَقْتِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِإِيجَابِهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith