المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء الرابع
الصفحة 805 · ص. المطبوع 432
790 - مَسْأَلَةٌ : وَأَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ الصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ .
وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ مِمَّنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِهَا الْحُجَّةُ ، وَلَا يَحِلُّ صَوْمُ الدَّهْرِ أَصْلًا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نَا الْفَرَبْرِيُّ نَا الْبُخَارِيُّ نَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : { ۝ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ وَأَفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ ; فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ; وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَإِذَا ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجِدُ قُوَّةً ؟ قَالَ فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُد 432 وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُد ؟ قَالَ : نِصْفُ الدَّهْرِ } . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : { ۝ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا ؟ قُلْتُ : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَصَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى صِيَامِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ نَهْيِهِ ، وَإِذْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ صَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ انْحَطَّ فَضْلُهُ فَإِذَا انْحَطَّ فَضْلُهُ فَقَدْ حَبِطَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ بِلَا شَكٍّ وَصَارَ عَمَلًا لَا أَجْرَ لَهُ فِيهِ بَلْ هُوَ نَاقِصٌ مِنْ أَجْرِهِ ; فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَصْلًا . قَالَ عَلِيٌّ : وَمِنْ طَرَائِفِ الْمَصَائِبِ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ لَا لَهُ : قَالَ : قَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : { ۝ فَصُمْ صَوْمَ دَاوُد كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى } فَقَالَ : إنَّمَا هَذَا الْحُكْمُ لِمَنْ لَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَجَمَعَ هَذَا الْكَلَامُ الْمَلْعُونُ وَجْهَيْنِ مِنْ الضَّلَالِ - : أَحَدُهُمَا : الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ بَلْ قَدْ أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقَطَعَ بِأَنَّهُ لَا صَوْمَ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ دَاوُد .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَأْوِيلٌ سَخِيفٌ لَا يُعْقَلُ ; لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ لَا يَفِرُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذَا لَاقَى أَفْضَلُ مِمَّنْ يَفِرُّ ; فَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْأَفْضَلِ أَنْ لَا يَتَزَيَّدَ مِنْ الْفَضْلِ فِي الصِّيَامِ وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ; فَهَذِهِ شَرِيعَةُ إبْلِيسٍ لَا شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نَا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ نَا أَبِي نَا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ سَمِعَ أَبَا الْعَبَّاسِ هُوَ السَّائِبُ بْنُ فَرُّوخَ الْمَكِّيُّ - سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ } . 433 وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا آدَم نَا شُعْبَةُ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، وَفِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ } . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي قَتَادَةَ { ۝ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ - : وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ مَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ - فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، أَوْ مَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ } . وَكَذَلِكَ نَصًّا مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ كِلَاهُمَا { ۝ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ صَامَ الدَّهْرَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ } فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ حَبِطَ صَوْمُهُ وَلَمْ يُفْطِرْ . وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يَحِلُّ الْخُرُوجُ عَنْهَا . وَمِنْ عَجَائِبِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّمَا لَا يَجُوزُ إذَا صَامَ الدَّهْرَ وَلَمْ يُفْطِرْ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا ؟ فَقُلْنَا : كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ وَنَهَى عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَى نِصْفِ الدَّهْرِ وَأَبْطَلَ أَجْرَ مَنْ زَادَ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَشَغَبَ مَنْ خَالَفَنَا بِأَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ { ۝ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ قَالَ : إنْ شِئْت فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ } .
وَبِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ : أَخْبَرَنِي ثَابِتٌ عَنْ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ : لَا يُفْطِرُ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ ، لِأَنَّ السَّرْدَ إنَّمَا هُوَ الْمُتَابَعَةُ لَا صَوْمُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدَّهْرِ ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : { ۝ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ صَامَ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ أَفْطَرَ ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا } . 434 فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بَيَّنَتْ السَّرْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ أُسَامَةُ ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ بِشَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ . وَمَوَّهُوا أَيْضًا بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَصُومُ الدَّهْرَ ; قُلْت : الدَّهْرُ ؟ قَالَ : كَانَتْ تَسْرُدُ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَسْرُدُ الصَّوْمَ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ سَرَدَ الصَّوْمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ هُوَ الضُّبَعِيُّ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَلَّ مَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ الْعَدُوِّ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا إلَّا يَوْمَ أَضْحَى ، أَوْ يَوْمَ فِطْرٍ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمَيْمَةَ عَنْ جَدَّتِهِ قَالَتْ : كَانَ عُثْمَانُ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ إلَّا هَجْعَةً مِنْ أَوَّلِهِ . وَعَنْ الْأَسْوَدِ ، وَعُرْوَةَ ، وَعُبَيْدٍ : أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ الدَّهْرَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا كُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ - : أَمَّا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَدْ فَرَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ صِيَامِ الدَّهْرِ وَبَيْنَ سَرْدِ الصَّوْمِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا إلَّا السَّرْدُ وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ لَا صَوْمُ الدَّهْرِ ; وَلَوْ صَحَّ عَنْهَا ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ ؟ - : فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ . وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَارُ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ آخِرِ شَعْبَانَ ; فَإِنْ كَانَ مَا لَا يَصِحُّ عَنْهَا مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ حُجَّةً فَاَلَّذِي صَحَّ عَنْهَا مِنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَيَوْمِ الشَّكِّ حُجَّةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حَجَّةً فَلَيْسَ ذَلِكَ حُجَّةً . 435 فَإِنْ قَالُوا : قَدْ صَحَّ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . قِيلَ لَهُمْ : وَقَدْ صَحَّ نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ صَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدَّهْرِ ، وَصَحَّ نَهْيُهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ . وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا السَّرْدُ فَقَطْ وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ لَا صِيَامُ الدَّهْرِ ; بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ تَحْرِيمُ صِيَامِ الدَّهْرِ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ قَالَ : بَلَغَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنَّ رَجُلًا يَصُومُ الدَّهْرَ فَأَتَاهُ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ وَجَعَلَ يَقُولُ : كُلْ يَا دَهْرُ كُلْ يَا دَهْرُ ; وَهَذَا فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ عَنْهُ ; فَصَحَّ أَنَّ تَحْرِيمَ صَوْمِ الدَّهْرِ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مُبَاحًا لَمَا ضَرَبَ فِيهِ وَلَا أَمَرَ بِالْفِطْرِ .
وَأَمَّا عُثْمَانُ ، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمَيْمَةَ وَجَدَّتَهُ مَجْهُولَانِ ، فَسَقَطَ هَذَا الْخَبَرُ . وَأَمَّا أَبُو طَلْحَةَ فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَأْكُلُ الْبَرَدَ وَهُوَ صَائِمٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَفِي الْخَبَرِ الَّذِي شَغَبُوا بِهِ : أَنَّ أَنَسًا قَالَ : مَا رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا إلَّا يَوْمَ فِطْرٍ ، أَوْ يَوْمَ أَضْحَى ، فَفِي هَذَا الْخَبَرِ : أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ أَبِي طَلْحَةَ فِي أَكْلِهِ الْبَرَدَ وَهُوَ صَائِمٌ حُجَّةً فَصَوْمُهُ الدَّهْرَ لَيْسَ حُجَّةً ; وَلَئِنْ كَانَ صَوْمُهُ الدَّهْرَ حُجَّةً فَإِنَّ أَكْلَهُ الْبَرَدَ فِي صِيَامٍ حُجَّةٌ ; فَسَقَطَ كُلُّ مَا مَوَّهُوا بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَأَمَّا الْأَسْوَدُ : فَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ : أَنَّ الْأَسْوَدَ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ صَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً - قَالَ هِشَامٌ : لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ يَوْمَ نَحْرٍ ; فَلْيَقْتَدُوا بِهِمَا فِي صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِلَّا فَالْقَوْمُ مُتَلَاعِبُونَ . قَالَ عَلِيٌّ : صَحَّ عَنْ عُمَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ ، وَأَمْرِهِ بِالْفِطْرِ فِيهِ ، وَضَرْبِهِ عَلَى صِيَامِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَكَذَا - : وَقَبَضَ كَفَّهُ . 436
وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مُسْنَدًا . قَالَ عَلِيٌّ : مِنْ نَوَادِرِهِمْ قَوْلُهُمْ : مَعْنَاهُ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ حَتَّى لَا يَدْخُلَهَا ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذِهِ لُكْنَةٌ وَكَذِبٌ - : أَمَّا اللُّكْنَةُ : فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ هَذَا لَقَالَ : ضُيِّقَتْ عَنْهُ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْكَذِبُ : فَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ عَلَى التَّشْدِيدِ وَالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِهِ فَكَيْفَ وَرِوَايَةُ شُعْبَةَ الْمَذْكُورَةُ إنَّمَا هِيَ ضَيَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَطْ ؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ ابْنَ أَبِي أَنْعُمٍ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ : لَوْ رَأَى هَذَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَمُوهُ . قَالَ عَلِيٌّ : هُمْ يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا ; وَقَدْ يَكُونُ الرَّجْمُ حَصْبًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ بِمَنْ رَآهُ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ وَالْهَمْدَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ - فَكَرِهَهُ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُمَا كَرِهَا صَوْمَ رَجَبٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي وَلَا بُدَّ أَنَّهُمَا لَا يُجِيزَانِ صِيَامَ الدَّهْرِ . قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا كَرِهَهُ ، لِأَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ لَا يُكْرَهُ ، وَلَا يُكْرَهُ إلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا أَجْرَ . وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ صَوْمَ الدَّهْرِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَرِهَ صَوْمَ شَهْرٍ تَامٍّ غَيْرِ رَمَضَانَ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث